مقالات

في مسلك إنتاج المعرفة في البيئة الثقافية العربية الإسلامية


الجمعة:23/01/2015
مثلت الفلسفة الإسلامية العهد الذهبي للإسلام، لأن فعلها الإبداعي كان مشروطا بالاستجابة إلى تحديات عصرها، سواء الداخلية المتعلقة بتوطين فلسفة العقيدة والدين، أو الخارجية المتجهة إلى مقارعة الاتجاهات الدهرية – الوجودية والخرافية والثنائية وغيرها، بقوة خطاب المشترك الإنساني العالمي برؤية إسلامية.
وقد تطورت الفلسفة الإسلامية من مرحلة دراسة المسائل التي لا تثبت إلا بالنقل والتعبد، إلى مرحلة دراسة المسائل التي ينحصر إثباتها بالأدلة العقلية. والفلاسفة المسلمون كانوا كما يقول ريتشارد فالترز متفقون على أن الحقيقة المتوصل إليها عن طريق الفلسفة تسمو على الحدود القومية والدينية، ولا يهم أبدا من اكتشف الحقيقة أولا.
ولما كانت المعرفة جماع تبادل في الأدوار وحصيلة خبرات فكرية وعلمية وتقنية تسعى مجتمعة إلى تحقيق بقاء الجماعة، وضمان وجودها، فإن هذا الفهم الغالب على الأذهان أدى إلى إنتاج بيئة ثقافية عربية إسلامية تبحث عن غايات العلم ومقاصده، وعلى أساس ذلك تميز بين مستويات العلم وتراتب مصادره ومراجعه طلبا للملاءمة بين مطالب العلم وبين مطالب أخلاق العلم، ومهما كانت خصوصية التاريخ الإسلامي، فإنـه لا يمكن أن يشذ عن قوانين التطور العامة، ولا يمكن أن يكون الفكر العربي الفلسفي وغير الفلسفي قد نشأ ونما وتطور بمعزل عن نشوء وتطور المجتمع العربي الإسلامي، فهناك حقيقة تاريخية لا يجادل فيها أحد وهي، أن المجتمع العربي بلغ أوج تقدمه في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وأنه كانت هناك قوى اجتماعية معينة هي التي قادت هذا التقدم، وهو فهم يجعلنا نرجع التقدم العلمي والازدهار الثقافي في القرنين الثالث والرابع الهجريين- عصر الكندي والفارابي وإخوان الصفا، وغيرهم من الفلاسفة والعلماء والأدباء إلى عدة أسباب:
1- المنافسة الشديدة التي كانت بين العواصم الجديدة في أنحاء البلاد الإسلامية، فأصبح العلماء والأدباء ينتقلون من بلاط إلى بلاط، ومن كنف أمير إلى كنف سلطان، وهذه الرعاية من الحكام قد تكون نتيجة الميل إلى العلم والأدب والفلسفة لدى بعضهم، أو لمجرد التفاخر والتظاهر لدى البعض الآخر. وفي هذا الإطار تميزت «البصرة» بحراك ثقافي مهم، فهـي بحكم موقعها الجغرافي، كانت ملتقى رجـــال الشرق من العرب والفرس والهنود والزرادشتيين والنصارى واليهود والدهريين والصابئة. فمنذ تأسيسها أيام عمر بن الخطاب باتت أكبر ملتقى لمختلف الفروع الثقافية، ففيها نشأ الحسن البصري وواصل بن عطاء زعيم المعتزلة الأول، وفيها برز النظّام والجاحظ، وفي البصرة قام الأشعري يتنصل من الاعتزال ويؤسس مذهب الأشعرية. وكانت في البصرة «حلقات العلم» من كل فن وصنف تنهض بها جماعات علمية من ذوي الاختصاص العلمي، اتجهت جهودها من داخل تكوينها وتنظيمها واختصاصها إلى إنتاج المعرفة، وإلى إعادة النظر في حاصل إنتاجها، وإلى فحص السائد لتبريره أو لتعديله، أو التصديق عليه، أو للتسليم به. وفي البصرة تطورت الحركة الأدبية الشعرية والنثرية، وفيها ظهر النحاة والأدباء وأئمة اللغة، حتى باتت مدرسة مشهورة لا يزال اسمها يتردد على الدارسين، وتأثرت دراساتها اللغوية والأدبية دون المدارس الأخرى (نسبيا) بالاتجاهات الفلسفية.
2 – الحرية التي كان العالم أو الأديب يشعر بها، فإن اضطهد هنا لرأيه أو اتجاهه، فقد يجد هناك من يقدره ويشجعه، فيساهم في إنتاج المعرفة من داخل أطر تكوينها وتحصيلها، ومن ذلك «مجالس العلم» الرسمية وشبه الرسمية أو الخصوصية أو «التراسل العلمي» بمناحيه المختلفة اللغوية والأدبية والعقدية والثقافية والطبية والفلسفية.
3 – الجماعات العلمية السرية والعلنية التي ساهمت في إنتاج المعرفة بضرب من توزيع الأدوار والوظائف بينها من داخل نظام «الجماعة العلمية» كإطار من أطر إنتاج المعرفة في البيئة الثقافية العربية الإسلامية، ومنها جماعة الإمام «جعفر الصادق» (النصف الأول من القرن الثاني للهجرة في الكوفة) وجماعة «أبي سليمان المنطقي» (القرن الرابع في بغداد) وجماعة «أبي يعقوب السجستاني» (القرن الرابع)، وجماعة «إخوان الصفا وخلان الوفا» (في الثلث الأول من القرن الرابع هجري في البصرة).
منذ طور التأسيس الذي وعى رواده منزلة العلاقات بين الألفاظ والمعاني ودورها في تحقيق الدلالة وتجويد البلاغ واجتناب اللبس ودفع التوهم وتحقيق الإقناع وفق قواعد علمية، وآداب سلوكية تعين مواطن الصواب والحق وتحدد مواضع الخلاف، والتنازع وتكشف حظ العالم من المعرفة وحـــدود التزامه بشروطها مثلما تكسبه منزلة علمية واجتماعية، (ويتضح ذلك جليا من طريق الفكر العلمي الفلسفي الذي يكشف عن الترابط بين العقل النظري والعقل العملي- بين الوجود والمعرفة)- صار مفهوم العقل مكــــونا أســـاسيا من مطالب الثقافة الموسوعية والمتخصصة من داخل الموسوعية في الوقت نفسه، بداية من القرن الهجري الثالث عموما، بالنظر إلى جهود الكندي التأسيسية ومن القرن الهجري الرابع خصـــوصا (خاصــــة أبحاث الفارابي وإخوان الصفا وأبي بكر الرازي). وإن ظلــــت عناصر النزاع بين البينة الدينية والحجة العلمية والبرهان الفلسفي سمة مميزة لإنتاج المعرفة في البيئة الثقافية العربية الإسلامية.

تارودانت نيوز
لطفي العبيدي
٭ باحث في الحضارة من تونس/القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى