الأخبار

في لغة التدريس وتدريس اللغات: في الخيارات العملية


بلال التليدي
الأحد 25 يناير 2015

يفترض أن يكون المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي انتهى من خلوته التي خصصت لمناقشة قضايا جوهرية تخص و ضع خارطة طريق لإصلاح المنظومة التربوية ويفترض أن تكون قضية لغة التدريس وتدريس اللغات على رأس هذه القضايا التي تتطلب قدرا كبيرا من التأمل والحكمة والنظر الاستراتيجي البعيد.
لا نريد أن نزايد على مداولات المجلس، ولا أن نتقدم بين يديه، لأن الحس الوطني كان يضغط في اتجاه تأخير المساجلة بهذا الخصوص حتى ينتهي المجلس من مداولاته، حتى لا يعتبر مثل هذا المقال بمثابة ضغط أو توجيه لنقاش يفرض أن يكون متجردا ووطنيا.

كما لا نريد أن نجتر الأفكار المتداولة التي سبق التعبير عنها، لأن المقام هنا هو بحث عن أفضل المخارج لا المغالبة التي تفضي إلى تثبيت طرح وإقصاء طرح آخر.

لدينا اليوم منطلقين للنقاش في هذا الموضوع:

– المنطلق الواقعي: وهو التشخيص الذي يقدم لواقع المنظومة التربوية، ويشمل بوجه خاص ما يرتبط بواقع الضبط والإتقان والتحكم في اللغات جميعها بما في ذلك اللغة العربية.

– المنطلق الدستوري: الذي يحدد المبادئ الكبرى الموجهة للسياسة اللغوية في البلاد.

التشخيص يقول كل شيء عن انهيار منسوب التحكم في اللغات، بما في ذلك تعلم القراءة والكتابة للغة العربية والفرنسية في المراحل الأولى من التعليم.

التشخيص لا خلاف فيه، فالإحصائيات المتوفرة تقلص مساحات الاختلاف، وتؤسس لحاجة جماعية في التغيير. لكن تفسير هذا الواقع وتحليله يختلف بشكل كبير، إذ يصل إلى حد التناقض بين وجهتي نظر، ترى الأولى أن المشكلة تكمن في مسار التعريب، فيما ترى الثانية أن المشكلة تكمن في هيمنة التوجه الفرنكفوني على التعليم، والذي أسهم في تعطيل شروط نجاح مسار التعريب، فانتهت المنظومة التربوية إلى الواقع المأساوي الذي نشهده اليوم، الذي تتميز سمته الأساسية في صورة متعلمين لا يتقنون أي لغة، مما جعل البعض يطرح الدارجة كخيار لغوي تعليمي.

أما المنطلق الدستوري، فالنص واضح في اعتبار اللغة العربية لغة رسمية للبلاد إلى جانب اللغة المازيغية، كما أنه واضح في إحاطة اللغة العربية بثلاث ضمانات: الحماية والتطوير وتنمية الاستعمال، كما أنه واضح أيضا في تأكيد ضرورة تعلم وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم ؛ باعتبارها وسائل للتواصل، والانخراط والتفاعل مع مجتمع المعرفة، والانفتاح على مختلف الثقافات، وعلى حضارة العصر.

لكن مع هذا الوضوح، فإن مساحة الـتأويل تتسع بين الفرقاء أو الشركاء، إذ تسمح ببروز وجهات نظر تعتبر أنه بالإمكان الجمع بين هذه المقتضيات بخيار الاستمرار في مسار التعريب، أو بالعودة إلى سياسية ما قبل التعريب.
معنى ذلك أن البحث عن أدلة وشواهد لتأكيد صحة هذا التحليل أو ذاك في قراءة الوضعية اللغوية الماوساوية بالمغرب لن يحل المشكلة، كما أن البراعة في تفسير النص الدستوري أيضا لن تحل الإشكال من جوهره.
الحل، يكمن في الخيارات العملية، وليس في الجدل النظري.

أمامنا أربع خيارات ممكنة:

– خيار الاستمرار في التعريب مع استكمال شرائطه، مسايرة للقراءة التي تقول بأن المشكلة ليست في سياسة التعريب، وإنما في تعطيل شروطه، وعند البعض في إجهاض شروط نجاحه.

– خيار العودة إلى سياسة ما قبل التعريب، أي تدريس المواد جميعها باللغة الفرنسية، مسايرة للقراءة التي تقول بأن سياسة التعريب هي التي أفضت لهذا الوضع المأسوي الخطير.

– خيار وضع صيغة اختيارية ازدواجية داخل منظومة التعليم تسمح بالمسارين معا، وتعطى مساحة كافية لتقييم نتائج كل مسار على حدة.

– خيار الاستمرار في مسار التعريب مع تعزيز تعلم اللغات الأجنبية بمنظور جديد يقطع مع المنطق الكمي.

بالنظر إللى هذه الخيارات، يبدو أن الخيار الأول والثاني سيدخلان المغرب في متاهة حرب إيديولوجية مكلفة سنتهي في الأخير إلى رهن نتائجها بحصيلة تفاعلات أخرى تتعدى الخلاف داخل الصف الوطني، في حين سيدخلنا الخيار الثالث في متاهة التجريب وشق المنظومة التعليمية إلى شقين وخلق نوع من الاحتراب والاستقطاب الحاد الذي سيستعيد نفس الأجواء الاحترابية بين الخيار الأول والثاني.

الحل العملي في تقديري، أن ننظر إلى الخيار الرابع، باعتباره يتماشى مع الدستور، ويتعاطى مع قضية لغات الانفتاح بقدر كبير من الإيجابية، ويعطي إمكانية لحسم هذا الموضوع داخل السقف الوطني وبسلاسة كبيرة.

نعم، سيقع هناك اختلاف حاد على مستوى اختيار اللغات الأجنبية، وأيها تتوفر فيه المواصفات الدستورية المرتبطة بالتواصل، والانخراط والتفاعل مع مجتمع المعرفة، والانفتاح على مختلف الثقافات، وعلى حضارة العصر. لكن الحل في نظري ممكن، إذا تم اعتماد الصيغة الاختيارية في المراحل الثانوية، والتمييز بين مستويات التعليم، على أساس أن يتم في المرحلة الجامعية تبني خيار براغماتي عملي يعتمد معيار اللغات الأكثر خدمة للبحث العلمي.

الخيار الرابع مضمون ومأمون، شريطة أن يتم التعاطي معه بمنهج مختلف يتجاوز المقاربة الكمية – الزيادة في الحصص- ويرتبط أكثر بتغيير المناهج وتكوين الأساتذة وطرق التقويم.

تارودانت نيوز
بلال التليدي
عن هسبريس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى