مقالات

صناعة الثقافة


الثقافة، ضمن واحد من معانيها، هي المخزون المعرفي والجمالي واللغوي الذي تأصل في الوجدان وتسلل وتغلغل في اللاوعي، ليصبح مفهوما ضمنيا، شفافا، بديهيا، ليشكل بذلك شبكة النظم الرمزية والجمالية والدلالات المعرفية والقيمية وأبجديات التذوق الفني والجمالي، والحساسيات الأخلاقية التي تراكمها الشعوب عبر السنين. بهذا المعنى، فإن الثقافة هي أولا اللغة، وهي الشعر والأمثال، وطقوس الفرح والحزن والحب وأشكال التعبير عن الغضب والانبهار والارتياح.
الثقافة بهذا المعنى، هي السند المعنوي الذي يتكئ إليه الأفراد ومنه يستمدون تماسكهم ومعنى وجودهم، هي حاضرة وجاهزة أبدا، سند للنفس وللروح، صامدة في عالم متكسّر. وهنا تكمن قوّتها.. قوّتها في جاهزيتها، في شفافيتها، في بداهيتها وفطريتها، باعتبارها القاعدة الثابتة التي يؤوي اليها الأفراد والجماعات كي يموضعوا أنفسهم في عالم غاب عنه المعنى ورحل عنه السحر، كي تمدهم بالمغزى والمعنى.
في هذا السياق تكمن أهمية الثقافة في قدرتها على إعفاء من ينتمون اليها من ضرورة فعل الاختيار، من ضرورة التمعن والتفكير، أي أنها تحررهم من أعباء الحرية، لأن لها وصفات شبه جاهزة لكيفية التصرف والتعامل في كل مناسبة ومناسبة، فلا حاجة للمرء أن يخترع نفسه في كل لحظة من جديد، ولا أن يؤسس أو ينظر لفعله، ولا أن يُخضع أفعاله وتصرفاته وذوقه وأحيانا حتى مشاعره إلى تمحيص عميق وتدقيق عقلي ومراجعة فكرية نقدية، وإنما يقوم بكل ذلك تلقائيا من دون انتباه، وكأنه نسي نفسه. وهو يقوم بذلك لأن الثقافة أصّلت لديه، في وعيه وفي وجدانه، مجموعة من الأحاسيس والأذواق وردود الفعل التي لا تمر عبر وعيه، ولا تخضع لسيف النقد الواعي والمساءلة والمراجعة، إنما يمارسها الفرد وكأنها أصبحت طبيعة ثانية ملازمة له، خارجة عنه، وسابقة عليه.
هذا هو سر الثقافة في هذه الحالة:- سرها في تشيئها أي تحولها إلى شيء، وكأنها خارج إرادة البشر وسابقة عليها، لأنه في خروجها هذا وفي تشييئها تصبح مؤهلة لأن تقوم بدورها المساند، لأن المرء يستند إلى ما هو خارج عنه، وليس إلى أمر هو من صنيعه، إلى شيء له قوامه الخاص والمستقل والمنفصل، لذلك فإن الحضور البديهي المنفصل للثقافة يجعلها قادرة ومؤهلة لأداء هذا الدورالمساند.
بهذا المعنى فإن الأفراد يولدون داخل الثقافة وهم من صنيعها، هي التي تجعل منهم حقيقتهم، هي التي تصقلهم، تحدد هويتهم ومعارفهم وآفاقهم ولغتهم، وبدل أن يصنع الأفراد الثقافة يكونون نتاجا لها، أي أنهم هم من صنيعها هي، هي الأهل وهم الأبناء والبنات.
إذا نظرنا للثقافة من هذا المنظار فإن السمة الأساسية للثقافة تقوم باعتبارها عاملا موحِّدا، جامعا، مشتركا، وهي عندما تكون كذلك فهي أقرب ما تكون للقيام بدورها كحافظ للهوية. والهوية هي تكرار الـ»هو» في الجماعة، ليكون هو «هو»، باعتبار أن لكل «هو» مخزونا ومكنونا مشتركا مع «هو» آخر، وهذا المشترك هو جوهر الهوية، باعتبار أن هذا المشترك هو سابق على الفرد وعلى تكونه، وليس بعضا من اختياره، إنما عامل مؤسس في شخصيته ووجدانه، ولا تكون الشخصية ما هي عليه لولا وجود هذا الـ DNA الثقافي المشترك، الذي يشكل في تكراره في الذوات المختلفة جوهر الهوية المشتركة والسابق على الذات المفكِّرة.
هذا «الثقافي المشترك» يعمل بالسليقة والتلقائية والفطرة، خالقا حالة من الانسجام بين الذوات المختلفة، محولة إياها من ذوات متذررة لا علاقة بينها إلى نسيج ثقافي تقوم بين أفراده علاقات وجدانية معرفية ورمزية.
إذا نظرنا إلى الثقافة من هذا المنظور، يصبح دور الثقافة هو إعادة إنتاج المشترك، ويصبح دور المثقف الأساسي هو صناعة الإجماع، وتوحيد دلالات الرمز والمعنى، ورفع منسوب حالة التجانس الجمالي والأخلاقي والمعرفي داخل المجتمع.
ضمن تصوّر كهذا تصبح الجماعة جوهر الثقافة، ويصبح الموروث الثقافي القادم من الماضي القريب أو البعيد هو الميزان الذي بموجبه يقيم الفعل الثقافي جودته ودوره، ويصبح البيدر وأيام زمان قاعدة نحتكم اليها في الممارسة الثقافية، باعتبار أن جوهر الثقافة هي إعادة إنتاج الماضي بأدوات جديدة ورفع منسوب التجانس داخل الجماعة وبلورتها كذات فاعلة تاريخيا.
لكن هذه المقاربة تجعل من الفعل الثقافي رديفا للفعل السياسي المباشر لدرجة التماهي معه، حتى يكاد المرء يفقد الفرق بين الفعل الثقافي والفعل السياسي، ويبدو المثقف باعتباره موظفا جماليا لدى السياسي المحترف لا أكثر ولا أقل.
إلا أنه مقابل هذا النموذج للفهم الثقافي فإنه من الممكن أن ننظر إلى الثقافة باعتبارها فعلا يقوم على الحرية وعلى التجاوز، على التحريض على الحياة، على الاشتباك والصراع، على تغذية الاختلاف والتمرّد. وهي إذ تبغي أن تكون كذلك فهي بالأساس فعل فردي، لا جماعي. عليه فإن فكرة الثقافة والجماعة ضدان لا يلتقيان، لأن الجماعة تؤسس للذعون والانصياع والتكرار، أما الثقافة – إذا شاءَت أن تكون عملية إبداع فإنها تكون فردية متمردة ومتجاوزة، وعليه فإن الإذعان والتمرد لا يلتقيان كما أن التكرار والإبداع في توتر دائم.
ضمن فهم كهذا للثقافة، فإن دور المثقف لا يقوم على صناعة الإجماع الثقافي القومي، إنما على مواجهته وتحديه وتفجير تناقضاته الداخلية، على فتح باب الأسئلة وإبقائه مشرعا أبدا ودائما، على الولوج في الممنوع والمحذور، في السير على حافة الهاوية، ودخول المناطق الخطرة كالجنس والدين والحب والموت، وهي كلها محظورات تسعى الجماعة أبداً ودائما إلى كبتها باعتبار أنها تهدد كيان الجماعة.
في سياق الشعوب التي تسعى لنيل حريتها ولتبلور مشروعها القومي، تبدو الثقافة باعتبارها تجاوزا وتمردا وكأنها ضرب من الترف، ولسان حالها يقول إنه حريٌّ بنا أن نؤسس لمشروع جماعي أولاً ولينتظر المثقف لدوره المحرِّض، وإذا شاء أن يحرّض فليحرّض على أعداء الشعب وممثليه، وعليه في هذه المرحلة أن يكتفي بأن يكون نائبا للفعل السياسي ورديفا له.
لكن الثقافة لا تنتظر أوامر من السياسي، ولا تستطيع الانتظار وهي قادرة على أن تتسلل بهدوء الندى حيث سيتعثر السياسي بضوضائه. كثيرا ما يكون المثقف أمينا لدوره حين يخون السياسي، وخائنا حين يكون أمينا. لقد تجاوز غسان كنفاني كل الممنوعات في اللغة السياسية الفلسطينية في «عائد إلى حيفا» حين «أنسن» اليهودي وأخرجه من فوهة البندقية ومن بدلته العسكرية ضاربا بعرض الحائط الخطاب الفلسطيني المزايد في تلك الفترة، وخان توفيق زياد عالمه السياسي، حين كتب شعرا أصرّ فيه على أننا أصحاب البلاد وأنهم جاءوا غزاة مغتصبين بعكس لغة حزبه الشيوعي، وإذا شئنا أن نذهب بعيدا لقلنا إن بيتهوفن خان المبنى السيمفوني الكلاسيكي حين أدخل الكورال إلى السيمفونية التاسعة … وقس على ذلك.
أحيانا تكون الخيانة أكثر الأمور وفاءً إلى جوهر الأمور، لأنها توسع أفق اللغة، وتشحن الخيال، وتجعل الحياة مفتوحة على أفق جديد يستحق المغامرة والتجربة.
لكن متى تكون كذلك حقا وحقيقة ومتى تكون الخيانة مجرد خيانة، ومتى ينسجم التمرد مع روح الجماعة والحرية مع الموروث الثقافي، فهذا ما لم أحاول الإجابة عليه في هذه العجالة وإنما أتركه سؤالا مشرعا لكم وعليكم.

تارودانت نيوز
رائف زريق
عن القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى