الأخبارفن

الذكرى17 لرحيل العربي باطما.. قنديــــــل ناس الغيـــوان


الخميس:12/02/2015
وسط مناخات اواخر الستينيات وبداية السبعينيات وما شهده العالم العربي من حالة احباط بسبب الهزيمة، وبالمقابل تمدد حركة اليسار العالمي، وحالة القمع التي تعيشها الشعوب العربية، وسطوة الاغنية، التقى المؤسس بوجميع مع العربي باطما، وعمر السيد وعلال يعلى وعبدالرحمن باكو، لتتشكل فرقة ناس الغيوان بشكلها النهائي بعد ان مرت بمراحل دخول وانسحاب في عضويتها. ولم يمر وقت طويل حتى يموت المؤسس بوجميع، ويتولى العربي باطما سد الفراغ.

العربي باطما” القادم من “الشاوية”، الصحراء البائسة، الى “الحي المحمدي” في الدار البيضاء، في حي من الصفيح، وسكن بائس فقير، في المدينة العمالية، حيث كان والده يعمل في سكة الحديد، وقضى طفولة مشردة، عاش فيها تفاصيل حياة الفقر باقسى مفرداتها، حيث تم طرده من المدرسة، فلم يكمل دراسته، لتبدأ فترة المشاكسة والتأمل، والجلوس الطويل تحت شجرة “البطم” القديمة. ولم يكن احد يتوقع ان هذا الفتى سيكون الوريث الشرعي، للزجال “عبدالرحمن المجذوب” بعد ثلاثة قرون.
image
هذا الموروث جاء “العربي باطما” ليعيد انتاجه، شعرا، وغناء، وتمثيلا، من خلال “ناس الغيوان” خاصة بعد رحيل “بوجميع” في موته “الملتبس”، فيتصدى “العربي” للمهمة، وتبدأ مرحلة جديدة للفرقة، من خلال الاغاني التي استجمع فيها ما يختزنه من موروث، ومن حكايا والدته، يعيد صياغتها موسيقيا، وغنائيا، واداء باحساس قل نظيره، فهو “البلبل الصداح”، صوت يحمل موسيقاه الداخلية التي تمايل ورقص معها الشباب المغاربي، رقصات اقرب للصوفية والهذيان، كأن صوته كان معادلا للواقع البائس الذي يعيشونه، يحملهم الى عوالم “مشتهاة” من صناعتهم واحلامهم،

لم يكن العربي مؤلفا غنائيا، وموسيقيا ومطربا فقط، لكنه ايضا كان كاتب سيناريو وممثلا مسرحيا، وتلفزيونيا، وروائيا شارك في العديد من المسلسلات والافلام، ونشر في حياته رواية “الرحيل” التي تعتبر فتحا جديدا في الرواية العربية، من حيث سرد السيرة الذاتية، والبوح، والاعتراف، بجرأة، اعتقد ان قليلا من المبدعين من يجرؤ عليها، بوصفه للبيئة، وظروف حياته ومعيشته، وعائلته، ووالده، والكثير الكثير عن مغامراته وحماقاته. وهو يستكمل سيرته برواية “الالم” التي كتبها في سبعة ايام، وهو في المستشفى، يسابق الزمن، ويتنافس مع “الموت” لكسب صباح جديد، هذه الرواية التي يحكي فيها تجربته، ويسترجع ذكريات مسيرته، باسلوب متداخل، يختلط فيه الزمن الروائي بيوميات موته الذي يقف له على الباب، وجولات العلاج، والترهل واللامبالاة في المستشفيات، والاطباء الذين لا يهتمون لموت الناس.

لم يمهله الموت، ليكون صباح يوم السابع من شباط 1997 نهاية مبدع اعطى من روحه، واحساسه، دفقات من الابداع التي ستبقى خالدة، وعلامة فارقة على مستوى الموسيقى والغناء وتاثيره في وجدان الناس، وعلى مستوى “النموذج” الذي قدمه للمبدع الحقيقي، المسكون بامال الامة وهواجسها، والقريب من احلام الناس البسطاء الباحثين لهم عن مكان تحت الشمس، ولم يكن اسيرا لموروثه المحلي، وهموم بلده فقط، انما تعدى ذلك الى البعد العربي والافريقي، والانساني، وكان طبيعيا ان لا يغيب المشرق ولا فلسطين عن باله، فجاءت اغنية “صبرا وشاتيلا”، ثم اغنية “دومي يا انتفاضة دومي”، و”صهيون” و”الصهاينة” حاضرون في تراث “ناس الغيوان” فهم “سرطان” الامة الغائبة عن الوعي والدور.
رحل “العربي باطما”، رحل ابن “رحال” وصاحب رواية “الرحيل” ، المتمرد الذي رفض ان يتم احتواؤه تحت اي تنظيم او مسمى سياسي، لان روحه اكبر من ان يتم احتواؤها، وحزبه هو “الناس” من البسطاء والمعدمين، والمقهورين، والمقموعين ليعطي انموذجا للانسان، بعيدا عن اي حسابات، وانموذجا كم نحن بحاجة لاستذكاره، واسترجاعه، وسط هذه الحالة من “التواطؤ” التي يعيشها الفن عموما.
رحل العربي باطما، وفي رصيده الكثير من الغناء والوجع الممتد فينا للمستقبل، وروايتين، وملحمة الهمام حسام، وبالطبع حوض النعناع، ومشاركات مبدعة، في مسيرة مدهشة، لم تنحني لمغريات الحياة، انما مسيرة شامخة، ومنحازة بشكل مطلق للناس، والحق والعدالة، والاحترام والحرية والجمال.

يرحل الكثيرون ولا يتركون اثرا، ويرحل العربي باطما، وهو الساكن فينا، وفي الاجيال المتلاحقة، التي لاتزال ترى في تراثه وتراث ناس الغيوان، صوتهم الذي يعبر عنهم، ويرون فيه ملامحهم وهواجسهم، وحلمهم بالانعتاق والخروج من شرنقة القهر والظلم.
التقيته مرة واحدة، شخصية عميقة وعفوية وساحرة، ويؤمن بدور الفن في بناء الشخصية والتعبير عن هموم الامة، ووفاء لذكرى راحل لايزال بيننا، مرت قبل ايام ذكرى وفاته، نكتب له بعضا من وفاء يستحق اكثر منه بكثير.

تارودانت نيوز
رسمي محاسنة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى