أخبار دوليةالأخبار

شهادات…”أن تكون لاجئا فلسطينيا، يعني أن تولد وتموت صريعا بين المنافي”


حينما يختفي الوطن، وتتوالد المنافي، ولا يبقى للفلسطيني سوى كومة من وثائق إقامة صادرة عن كل الجغرافيات إلا بلدته التي ليس له منها إلا النسب، يتحول حينها إلى رقم ضمن سجلات منظمات الأمم المتحدة، وحالة مطلوبة على كل المعابر.

وسواء أكان اللاجئ محظوظا بتوفره على جواز سفر، أم منكوبا ليس له من هويته إلا معلومات سجلت كيفما اتفق على وثيقة سفر، تبقى المعاناة ذاتها مع حلم خرج معه من بلدته ليكبر ويشيخ معه بين دروب المخميات والملاجئ، بعودة وشيكة إلى هذا الوطن، الذي تغيرت معالمه بفعل الاحتلال لكنه ما يزال جميلا ورائعا بالنسبة إليه.

عشق الوطن، لا يضاهيه عند اللاجئ سوى حبه للكروم والزيتون والبيارات، وابنة العم التي لا يدري إن كانت ما تزال هناك، أو تقاذفتها رياح التهجير القسري في بقاع المعمور، وهو عشق يمنعه من أن يرضخ أو يقبل بواقع اللجوء فيظل في توق دائم للعودة إلى موطنه، ألم يرفض حنظلة أن يغادر سنواته العشر، وظل طفلا كما كان إلى حين أن يعود¿.

هو “سفر على سفر”، كما وصف ذلك الأديب الفلسطيني سلمان ناطور في لحظة بوح جارح مساء أمس الاثنين ضمن فعاليات الدورة الحادية والعشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء في جدلية “الذات الفلسطينية بين المنفى والوطن”، يقود اللاجئ الفلسطيني من التهجير والتشريد إلى رحلة البحث عن سكون وسلام ذاتي ببلاد المهجر بعيدا عن وخز الذاكرة، إن هو استطاع أن يلفظ عنه وطنه.

و”سفر على سفر”، هو عنوان الكتاب الثاني في ثلاثية للمؤلف صدرت عام 2009 بعنوان “ستون عاما: رحلة الصحراء” ضمت أيضا “ذاكرة” و”انتظار”، اقتطع منها مقتطفات من حكاية فدوى حبيب، شخصية متخيلة لفنانة وشاعرة الفلسطينية ابنة مدينة بيسان التي شردت منها طفلة، وظلت تحمل مدينتها معها من منفى إلى منفى في بحث عمن يعود إليها بشيء من بيسان، هي فقط تريد أن تعرف من يسكن في بيتها، ومن ذاك الذي محا خطواتها الطفولية من على الممر المرصوف بحجارة سوداء.

وسلمان الناطور أديب من الداخل، من أولئك الذين حولتهم نكبة 1948 إلى “عرب إسرائيل”، بعد أن صمدوا في وجه التهجير، ليصبحوا مواطنين من درجة غير مصنفة في وطن كان لهم ليصبح دولة لغيرهم، فللجوء بالنسبة إليه طعم آخر. في حكاية فدوى حضور طاغ لثنائية الوطن و المنفى في سرد يشبه الملهاة، فهي هجرت من بيسان حينما كانت في السادسة من عمرها، وتنقلت من منفى إلى منفى، إلى أن استقرت في المغرب، حيث تزوجت من تاجر مغربي، وكان جيرانهم من اليهود، هاجروا نحو إسرائيل، ليسكنوا بيت فدوى في بيسان.

يثقل عليها الوطن بالسؤال حتى لكأنها تعبت، وهي تسعى لتستطلع أحوال البيت ، وبيسان، في لحظة يأس، تبوح ” البيت أخذ مني ما يكفيه من الألم. بكيت عليه كثيرا، وهل يجدي البكاء¿ يبدو لي أحيانا أن البيت يؤلمنا لكي نتنازل عنه. هو تعب منا لأننا نعيد إليه ذاكرته. مؤلم جدا أن تعيد ذاكرة المكان. ولكن، هذه هي الطريقة الوحيدة لتثبت ولاءك له”.

وتكاد حكايات المنفى واللجوء تتشابه إلا من تفاصيل قليلة، حتى لكأن الفلسطيني أصبح غير قادر على أن ينظر إلى تاريخه وذاكرته خارج هذا الواقع الذي صار ممزقا بين المنافي والاحتلال والاغتراب .

وفي هذا تساءل الروائي والكاتب الفلسطيني ربعي المدهون، عما إذا كان من قدر الفلسطيني أن يكون جزء من كل النكبات التي عرفتها المنطقة رغما عنه، وهو الواقع الذي عاشه هو حين تنقله بين مهاجر عدة، من القاهرة إلى الإسكندرية إلى اليمن إلى دمشق إلى عمان إلى قبرص إلى بريطانيا. سلسلة من المنافي، يقول عنها ساخرا ” لا أكاد أخرج من منفى إلا لأدخل آخر، وفي رحلتي الأخيرة من قبرص إلى بريطانيا خشيت أن أظل معلقا، فلا يسمح لي بالعودة إلى قبرص ولا بدخول بريطانيا، الفلسطيني دائما يسكنه شعور حين وقوفه أمام موظف الأمن بالمطار بأنه مطلوب لسبب ما”.

في روايته “سيدة من تل أبيب”، يقدم المدهون توصيفا دقيقا للحالة الفلسطينية المتشظية بين جغرافيات عديدة عبر العالم بقوله ” كلما هاجر يهودي ما من بلد ما إلى إسرائيل، انتقل فلسطيني وربما عشرة إلى مهجر جديد. تسقط مهاجركم لتبدأ منافينا !”.

وفي سعيه لأن يكشف عن “معنى أن يكون الوطن سردا والمنفى وطنا”، أفصح عن أنه، وكما غيره من المهجرين، لا يملك تحديدا لهويته، إلا تلك المعومات المسجلة على جواز سفره البريطاني والمنقولة عن وثيقة سفر يمنية، حتى أن اسمه يختلف باختلاف المنافي التي كان فيها، فهوية الفلسطيني بدون وطن تبقى تائهة بين المنافي وإن توفر له جواز السفروفي كل تنقل من تنقلاته بين المنافي، من مخيم خان يونس الذي لجأ إليه مع عائلته بعد النكبة، إلى وصوله إلى عاصمة الضباب حيث يعمل حاليا كاتبا بجريدة الشرق الأوسط، كانت هناك مساحات كافية من القسوة، “الطريق إلى المنفى أقسى من المنفى”، لتتكون لديه قناعة أكيدة أن الوثيقة التي تسلم للفلسطيني بمنفاه هي “وثيقة روحة بلا رجعة”.

فهي وثيقة، وإن كانت صادرة من دولة عظمى كبريطانيا، لا تضمن لصاحبها لا كرامة ولا حقا في العودة إلى موطنه، في حالة ربعي، جواز سفره البريطاني كلفه تسع ساعات من الانتظار بمعبر بيت حانون لزيارة أهله بغزة، واحتجازا لمدة 24 ساعة بمطار القاهرة وهو الذي كان مدعوا لحفل توقيع روايته “سيدة من تل أبيب”، لدخولها القائمة القصيرة لجائزة البوكر للرواية العربية في دورتها الثالثة.

فعلى الحدود والمعابر، يعيش الفلسطيني حالة “ارتباك وطني متوارث” ، أو ما أسماه الروائي والكاتب الفلسطيني أنور حامد في شهادته ب”متلازمة الفلسطيني”، التي تجعله دائما في حالة خوف مستديمة ، من الاعتقال والمطاردة، ربما ، وكما قال ربعي المدهون “لأن حصته من هزيمة حزيران كانت أكبر، فما سقط ليس بقعة جغرافية ، بل آخر مكان كان يربطني بفلسطين”.

فمن الوطن كان اللجوء إلى السرد، لاسترجاع معالم ذاك الوجع، وإعادة رسم اللوحة من جديد، بل فتح الجرح الفلسطيني على العالم، فمن يعيش في المنفى لا يرى أجزاء من الوطن، بل الجغرافيا بكل تفاصيلها ودقائقها من البيت إلى المدينة، إلى كل الوطن.

بالنسبة لأنور حامد، الذي يعتبر نفسه محظوظا لتوفره على أربعة جوازات سفر (أردني، مجري، بريطاني، فلسطيني)، التجربة كانت مغايرة، فأن يعيش اللاجئ جغرافيا بعيدا عن الوطن، وحالة الحنين الدائم إلى شظايا الذاكرة، لا يعني الإفراط في هذا الحنين، لأن الآخر ، لا يعيش الأحاسيس ذاتها، ولن يستطيع أن يفهم معنى أن تكون منفيا عن بلادك، فهو من ثقافة مختلفة قد لا تسعفه في مشاركة الفلسطيني وجعه.

فكان من الضرورة، برأي أنور، أن يغير الأديب من لغة السرد، نحو مزيد من الموضوعية التي تتيح له تفكيك الواقع الفلسطيني بجرأة، وتبني لغة منفلتة عن الأسلوبية التقليدية المغرقة في الوصف والحنين، في اتجاه لغة جديدة تشرح الحياة الفلسطينية في الداخل والخارج، وترصد اختلالاتها. وذهب إلى أن “الغربة الروائية” التي عاشها في المهجر دفعته إل التشكيك في كل المسلمات السابقة وإعادة تشكيل منطلقاته قائلا “أصبحت أنظر إلى الواقع الفلسطيني نظرة الآخر (من الخارج)،حتى يراه القارئ بأكبر قدر من الشمولية، فالروائي بالمهجر يكتب لقارئ مختلف”.

وأكد أن وجود الروائي على مسافة من المجتمع تتيح له أن يكون نظرة بانورامية لواقع الحكي، قد تختلط بالتجربة الذاتية لكنها لا تتماهى معها، وهو هنا لا يعني تحييد الروائي في الصراع النفسي الذي يعشيه اللاجئ بين حنينه إلى الوطن، وإكراهات الواقع الجديد بالمنفى، لكنه يدعو إلى بناء خطاب روائي قادر على المكاشفة والمصارحة، فليس دور الأديب تجميل الصورة، ولكن إضاءتها وترميم انكساراتها.

وسلمان الناطور من مواليد دالية الكرمل جنوبي مدينة حيفا عام 1949. أنهى دراسته الثانوية في حيفا وواصل دراسته الجامعية في القدس ثم في حيفا. درس الفلسفة العامة وعمل في الصحافة منذ العام 1968 وحتى 1990 ، وكتب في النقد الأدبي والفني المسرحي والسينمائي والتشكيلي، ومؤسس وعضو بعدد من الهيئات والمنظمات الإعلامية والأدبية الفلسطينية والعربية. ومن أبرز إصداراته “كاتب غضب” (1985 )، و” حكاية لم تنته بعد” (1986)، و”خمارة البلد” ( 1987)، و”دائرة الطباشير الفلسطينية” (1995)، و”هل قتلتم أحدا هناك ¿” (2000).

والروائي ربعي المدهون من مواليد مدينة المجدل عسقلان، في جنوب فلسطين عام 1945، هاجر وعائلته خلال النكبة عام 1948 إلى خان يونس في قطاع عزة، تلقى تعليمه حتى المرحلة الثانوية في مدارس خان يونس، والجامعية في كل من القاهرة والاسكندرية التي أبعد منها بسبب نشاطه السياسي، عاش وتنقل بعد ذلك في كل من عمان ودمشق وبغداد وموسكو وبيروت ونيقوسيا إلى أن استقر في لندن حيث حمل هناك الجنسية البريطانية.

صدرت له عام 1977 مجموعة قصصية وحيدة بعنوان “أبله خان يونس”، ثم كتاب بحثي عام 1988 بعنوان”الانتفاضة الفلسطينية.. الهيكل التنظيمي وأساليب العمل”، و”طعم الفراق: ثلاثة أجيال فلسطينية في ذاكرة” سنة 2001، وروايته “السيدة من تل أبيب”، التي صدرت ببيروت سنة 2009.

أما أنور حامد فهو روائي وشاعر وناقد، يكتب بثلاث لغات هي العربية والمجرية والإنجليزية. ولد في بلدة عنبتا في الضفة الغربية عام 1957، وبدأ نشاطه الإبداعي أثناء المرحلة الثانوية. نشرت قصائده وقصصه القصيرة الأولى في جريدة القدس والفجر الصادرتين في مدينة القدس.

من أهم رواياته، “حجارة الألم”، التي صدرت أولا باللغة المجرية في بودابست عام 2004، ثم العربية عام 2005، و”شهرزاد تقطف الزعتر في عنبتا” (2008)، و “جسور وشروخ وطيور لا تحلق” (2010)، و”يافا تعد قهوة الصباح” (2012)..ومع.
– بقلم نزهة بولندا –
تارودانت نيوز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى