مقالات

المجتمع المدني.. مفهوماً وممارسة


في اللقاءات العربية، يتوقف المشاركون والمشاركات العرب عند مفهوم المجتمع المدني غير المتفق عليه حتى الآن في الأوساط الأكاديمية، كما في الأوساط الناشطة في رحابه. وإن تم تجاوز عقبة المفهوم وصعوبة التعريف لكثيرين ممن يبدون اهتماماً بالبحث في شؤون المجتمعات المدنية العربية وشجونها، إلا أنه من الملاحظ انعكاس قاسٍ للأوضاع السياسية المُعاشة في كل بلد، وفي كل تجربة على فهم المفهوم ومسارات الممارسة.
image
ويتضافر جهدان سلبيان لإعاقة تطور العمل المدني في المجتمعات العربية على تنوعها. الأول، يتمحور حول عسف السلطات السياسية وممارساتها القمعية والتشكيكية في كل عمل يخرج من إطار سيطرتها المباشرة. وهي تعمد، غالباً، إلى الحد من نشاطه وصولاً إلى منعه. كما أنها تحاول بوسائل قانونية، وغير قانونية، أن تجذب العاملين فيه، أو المحوريين في عمله، إلى صفوفها “المؤمّنة” أمنياً وسياسياً. ويتم ذلك عبر الاستقطاب المالي، أو المنفعي، أو السلطوي، أو الوظيفي. وتُنشئ منظماتها غير الحكومية ـ شديدة الحكومية ـ والتي تهيمن على العمل المدني، وعلى تمويله، خارجياً كان أم داخلياً. وأحياناً كثيرة، تتحالف الجهات الممولة، غربية كانت أم عربية، مع السلطات الحاكمة، فتحصر دعمها بهذا المجتمع “المدني” المزيّف. وإن سُئلت هذه الجهات عن هذا التوجه، ستردّ بأن شيئاً من العمل المدني وتشجيعه أفضل من لا شيء. أو أنها تُميّع الجواب، نافية السيطرة الحكومية على الجهات التي تتعامل معها، وبالتالي، فهي غالباً ما تكذب.
أما الجهد السلبي الثاني الذي يُعيق تطور المجتمعات المدنية العربية، فهو الخلفيات الإيديولوجية والسياسية للعاملين فيها. فمهما كانت السلطة مستبدة، فإننا نجد، أحياناً، ناشطين مدنيين مستبدين، أيضاً، وبنوعية مختلفة نسبياً. فهم لا يؤمنون بتعدد الآراء، ولا بالتوالي على المناصب، ولا بالانتخابات الحرة، ولا بالشفافية المالية. هم يعيدون صياغة استبداد كانوا قد ادّعوا في فترة ما بأنهم يعانون من غلوائه. إضافة إلى هذا، هناك التأثير الأيديولوجي المهيمن للأحزاب الانقلابية، أو الشمولية، أو ضعيفة الممارسة الديمقراطية، على ذهنيات كثيرين ممن ينشطون في الحقل المدني. وينعكس هذا، بالتأكيد، على نتائج عملهم، وعلى ممارساتهم مع العاملين لديهم، كما مع أقرانهم في المنظمات الشبيهة.
وبتجاوز السلبيات السياسية النابعة من السلطة، ومن الناشطين، تتعرقل عملية التعريف أمام التأصيل التاريخي للمفهوم. فالكثير يعتبر دخيلاً على الثقافة المحلية. وبعض آخر يربطه، بنيوياً، بمفهوم المجتمع الأهلي الذي تُرجم عبر الجماعات العائلية والقبلية والدينية والمذهبية التي انتشرت وتطورت، إبان الحقب الماضية، وخصوصاً في فترة الامبراطورية العثمانية. ولكن الأغلبية تود أن تعزل المفهومين، واضعة بينهما أسافين لا نهاية لها. وبالتالي، يبقى المصطلح مستورداً، ولغته تتوجب التعلم، كما لغة حقوق الإنسان. وتعلم هذه اللغة يُراد منه، أيضاً، القدرة على تطويعها، بحيث تُصبح ملائمة “للخصوصية الثقافية”. خصوصية ما فتئ الشرقيون يستعملونها كقميص عثمان، للتخلّص من الالتزام بمفاهيم كونية جامعة.
ومن خلال الحديث عن المجتمع المدني مادة مستوردة، يبدو من البديهي أن يُطوّر العاملون فيه، والباحثون حوله، أيضاً، أدبيات لا حصر لها، تتعلق بتمويله، وطرق استدامته. وعلى الرغم من أن فترة التسعينيات من القرن المنصرم حفلت بتمويلات غير مدروسة، أكثر من كونها مشبوهة، بحيث طوّرت “دكاكين” منظمات غير حكومية في دول عديدة في المنطقة، إلا أن الممارسة والخبرة المكتسبة أدتا إلى تحسين أداء الممولين، وتقييده بقواعد “قراقوشية”، تحد من فرص الفساد والإفساد، وإن لم تتمكن من إنهائه. وتجدر الإشارة إلى أن غالبية من يهاجم التمويل الأجنبي “المشبوه”، إما سلطات حاكمة تعيش على الإعانات الخارجية، عربية أم غربية، أو أنهم ناشطون يستغلون فرص الدعوات الموجهة لهم من الممولين أنفسهم ليهاجموهم، علماً أنهم قد سافروا وأقاموا على حساب المغضوب عليهم، ولا الضالين من الممولين. انفصام يرافق بعضهم على أكثر من صعيد.
“الممارسة والخبرة المكتسبة أدتا إلى تحسين أداء الممولين، وتقييده بقواعد “قراقوشية”، تحد من فرص الفساد والإفساد، وإن لم تتمكن من إنهائه”
إذاً، انتقاد يكاد يصل إلى الإدانة للتمويل، ومن يستفيد منه، تصارع على تعريف المفاهيم، وغياب استراتيجية واضحة، لتجاوز كل هذا، للوصول إلى تمكين القدرات من أجل تعاضد المجتمعات المدنية في المنطقة، من خلال تأسيس شبكات على أسس مدروسة، تتمكن من مفاوضة جماعية للممولين، بحيث تستطيع أن “تفرض” تصوراتها. أو حتى شبكات داخلية في كل بلد على حدة، تعزز من القدرة على مواجهة عسف السلطات التي تلعب على الانقسامات، وتمارس الاستقطاب. ولتجاوز عقدة التمويل الأجنبي، يبدو أن السعي إلى تمويل محلي، أو إقليمي محدود، ويكاد ينعدم. حيث لا يتم تحسيس رجال الأعمال غير الفاسدين (أي غير المقربين من السلطات) وهم قلّة، على أهمية ممارسة المسؤولية الاجتماعية، بعيداً عن حصرها بالديني الذي تترجمه الزكاة.
وأخيراً، ستظل قصة التمويل والتشكيك فيه، والاستفادة منه في الآن ذاته، الشغل الشاغل للسلطات السياسية المنافقة، والمجتمعات المدنية الممالقة، بعيداً عن أية محاولة جديّة، لحسم هذه الإشكالية السفسطائية، والتي يذهب خيال بعضهم من خلالها إلى تصور مؤامرات متتالية ومتشابكة، ترتبط في تشكيل المفهوم، وفي تطبيق ممارساته، وفي حصد نتائجه.

تارودانت نيوز
سلام الكواكبي
ا ع ج

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى