الأخبارمقالات

موسم لالة عائشة بين الميتولوجية والواقع


قد يبدو لاول مرة ان البحث او الحديث عن زيارة الأضرحة و الأولياء في المجتمعات الإنسانية بصفة عامة وفي المجتمع المغربي بصفة خاصة خلال الفترات التاريخية، نوع من المبالغة أو الترف الفكري أو غيره، باعتبار أن جل الدراسات العلمية وغير العلمية لم تغطي بعد كل الجوانب السياسية و الإدارية والاجتماعية و غيرها من المواضيع خارجه سواء تعلق الأمر بالمغرب أو على المستوى الجهوي او الاوربي او حتى العالمي.

لذلك فمثل هذه الظواهر الاجتماعية أحق باهتمامنا و جهودنا، فحينما نقوم باستقصاء بعض الكتابات التي تناولت زيارة الأولياء و الأضرحة ، وكل ما يرتبط بما هو انتروبولوجي في التاريخ البشري وجدنا أن الإنسان الافريقي بصفة عامة والانسان المغربي بصفة خاصة يرتبط اشد الارتباط بهذه الظاهرة، نظرا لرمزيتها الكبيرة داخل هذه المجتمعات.

و بالرغم من أهمية المعطيات الاتنوغرافية التي تناولتها مجموعة من الدراسات من طرف عدة باحثين أجانب ك هنري باسي و لاووست و باسكون .. في إطار ” أطروحة البقايا الوثنية بالمغرب” فان استنتاجاتهم لا زالت تحتاج إلى المزيد من البحث و التنقيب وذلك لا يتأتى إلا بالاعتماد على مناهج الاحتكاك المباشر مع الميدان. من هذا المنطلق سنطرح بعض الأسئلة لعل الإجابة عنها تعد محاولة لإضاءة بعض الجوانب المظلمة في هذا الموضوع ويتعلق الأمر بموسم “لالة عائشة باغرم “.وهي منطقة توجد بالجنوب الغربي لمدينة تارودانت وتشمل السفح الشمالي للأطلس الصغير على ارتفاع يناهز 1728م ، تحدها شمالا ملحقة اولاد برحيل و من الجنوب الغربي منطقة طاطا و من الناحية الغربية منطقة ايت عبد الله و تارودانت و شرقا ملحقة تافينكولت .ادن فما دلالة هذا الاسم الذي يقام الموسم تحت لوائه و ما هي التقاليد او الطقوس التي تقام فيه ؟ وما العلاقة بين هذه الميتولوجية و الواقع ؟

– دلالة الاسم

انطلاقا من الرواية الشفوية لساكنة المنطقة ف ” لالة عائشة ” هي ولية صالحة كانت تعيش بقرية تسمى “تدفاونين”التي حل بها وباء الطاعون و أودى بحياة أهلها و عائلتها و أقربائها، فقررت الخروج من تلك المنطقة التي هي عبارة عن قبيلة تسكنها اسر صغيرة متجهة إلى قبيلة أخرى تسمى “تديزا” لحماية نفسها من ما حل بقبيلتها، وفي تلك القبيلة التي و فدت إليها يوجد شيخ دو همة وشأن يسمى ” سيد بوبكر” الذي كان عالما بأنها ولية فأصبحت ترعى له غنمه كل يوم ، إلى أن نشبت لها إحدى نساء القبيلة مؤامرة تمثلت في إخبار سيدها بان عائشة لم تقم بواجبها المطلوب، بل كانت تحفر بعصاها في الارض عوض رعيها لغنمه بشكل جيد، فتحول سيدها إلى دئب ليطلع على أمرها فوجدها في الوضعية التي أخبرته بها تلك المرأة ، فسألها عن السبب في حفر الارض بعصاها و اهمالها رعي غنمه، فأجابته بكلمة حزينة و مخيفة بأنها تنقب عن الماء تحت الأرض بعصاها لسقي أغنامه، عاد الشيخ إلى بيته فاخبر أهله بان عائشة ستعمل بالمنزل عوض رعي الغنم .

ذات يوم جاء عنده عابر سبيل فوضع عنده أمانته فطلب الشيخ من عائشة أن لا تقربها حتى يعود صاحبها ، وبدافع الفضول لمستها بأصبع قدمها بالليل ، فقرر سيدها الشيخ أن يقوم بوليمة لأشراف و أسياد القبيلة فطلب من عائشة المطيعة لأوامره أن تجهز الفرن التقليدي ” للشواء ” بالمصطلح المحلي ، وفي كل مرة تخبره بان الفرن مجهز لايكترث لأمرها و يعود إلى الحديث مع ضيوفه وبعدما تكرر نفس الخطاب من عائشة لسيدها أجابها فجأة برمي نفسها في ذلك الفرن التقليدي وفعلت عائشة ذلك دون تردد ،تذكر الشيخ جوابه لعائشة فأدرك خطورته، ماجعله يتجه مسرعا للاطلاع عليها فوجدها و سط الفرن لم يحصل لها أي شيء إلا في اصبع قدمها، فاكتشف أنها اقتربت من الأمانة ( امانة عابر سبيل ) وقرر طردها بعدما تأكد أنها ولية صالحة.

“فتزوجت به و أنجبت معه طفلين ” عبد الله ” و ” ابراهيم ” فاستقرت بنفس المنطقة حتى آخر أنفاسها . وبعد وفاتها شيد أهل المنطقة على قبرها قبة ” ضريح ” كرمز لها و لبركتها و كولية صالحة ، فأصبحت ساكنة القبيلة تزور ضريحها في الأيام الثلاثة من منتصف شهر مارس ، وتكون هذه الزيارة مصحوبة بمجموعة من العادات و الطقوس التي أصبحت في تراجع دائم …

– عادات و تقاليد موسم لالة عائشة

في هذا الموسم تمارس ساكنة المنطقة مجموعة من التقاليد و الطقوس كقربانا للولية ” عائشة ” بدءا من يوم الأحد بتقسيم و توزيع المحصول السنوي من القمح على الناس كي يقدموه إليها كقربانا لها ، وفي زوال نفس اليوم تقوم نساء من عائلة ايت ” بحماد ” بإقامة مراسيم زفاف تقليدي بارتداء لباس ابيض لقصبة او مغرف خشبي و تحملها شابة عازبة من نفس العائلة مرتدية نفس اللباس و هو لباس امازيغي بطريقة ” اداو كنوسوس ” متبوعة بأطفال و شباب و شيوخ اناثا و ذكورا و بأهازيج امازيغية لوضع هذه الأخيرة في مكان يسمى ” ايمي ن تملالت ” .

في يوم الاتنين تصبح منطقة اغرم مكتظة بأناس كثيرون التحقوا من مختلف المناطق المجاورة ك اكادير و تارودانت… وفي العاشرة من نفس اليوم يقوم احد أفراد عائلة ” الداوودي ” اي شخص ينتمي الى سلالة ” داوود” نسبة إلى جدهم الأكبر زوج الولية بذبح ذبيحة او قربانا قرب ضريح هذه الأخيرة بحضور فقهاء المنطقة من اجل قراءتهم لبعض السور القرآنية داخل الضريح ، بعد ذلك يلتجئون الى ساحة اغرم ويقومون بتقسيم تلك الذبيحة على الناس على شكل ” لوزيعة ” او بالقاموس المحلي ” تصغرت tassghart ” .

في يوم الثلاثاء تقوم نساء المنطقة بطهي و جبة الكسكس ” ابرين ibrin ” بلحم تلك الذبيحة و تقديمه كصدقة على الفقراء و المساكين ، اما الرجال فهم أيضا يلتجئون الى ” باب اكدير ” وسط اغرم و يقومون . ببيع مجموعة من الأثاث و الأدوات التقليدية عن طريق المزاد العلني او ” تدلالت tadlalt ” و يحتفظون بأرباح تلك العملية لشراء ذبيحة أخرى للولية في السنة المقبلة أو تحقيق مصالح عامة بها ، و في زوال نفس اليوم تقوم مجموعة من النساء اللواتي ينتمين الى اسرة ” عبد الله ” ابن الولية بوضع حفنة من العجين على ابواب القبيلة و بعد ساعات يبدأ الاحتفال الثقافي و الترفيهي ك أحواش و فرق موسيقية امازيغية.

– الميتولوجية و الواقع

يرتبط هذا الموسم بعاداته و طقوسه والذي يندرج ضمن انتروبولوجية المجال اشد الارتباط بتقديس الموتى كاحد أهم مميزات الأمازيغ في العصور القديمة، وبالفعل فهي ظاهرة قديمة في شمال أفريقيا غرب مصر، حيث كتب عنها بومبينوس انه في ” اوجلة ” تعتبر أرواح الأسلاف بمثابة آلهة، إذ أنهم يقسمون بها ويستشيرونها في أمورهم ثم ينامون ليتلقوا الإجابات في شكل أحلام.

وفي هذا السياق نجد “هيرودوت” في كتابه الرابع أتناء حديثه عن قبيلة الناسمون يقول ” يقسمون برجال منهم عرف عنهم الورع والشجاعة في حياتهم، بعدما يضعون أيديهم على قبورهم. وهم يتعبدون بزيارة القبور التلية لأسلافهم، ويستلقون فوقها بعد الصلاة، ويتقبلون كل ما سيرونه في منامه .

عموما فهذه الظاهرة لازالت قائمة بشمال إفريقيا بشكل عام وبالمجتمع المغربي بشكل خاص لدرجة انه اصبح يسمى ببلد الالف ضريح ولم تكن حديثة العهد بل مرتبطة بجذور تاريخية قديمة و ترسخت مع ظهور الإسلام عن طريق الزوايا بالخصوص.

رغم ارتباط زيارة ضريح موسم لالة عائشة بالميتولوجية التاريخية و جذورها القديمة فإنها أصبحت تتعرض لمجموعة من الانتقادات التي تحرم و تحلل طقوسها من طرف بعض التوجهات المعادية للثقافة المحلية ، لكن يبقى واقع هذه الأخيرة موجودا ملموسا من خلال التلاحم الاجتماعي و الترابط و الحركية الثقافية بين شوارع اغرم كمظهر من مظاهر السرور وكرسالة لنشر روح الحب والوئام بين جميع أبناء البشر والفرح و التعارف و الالتقاء بين أفراد و اسر القبائل التي تفككت بفعل الرأسمالية المتوحشة و عنصرية العولمة التي تسوق لثقافة واحة و معادية لمثل هذه التعددية الثقافية المتجدرة في التاريخ .

تارودانت نيوز
جمال تيزوضى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى