اليوم الخميس 23 يناير 2020 - 9:00 صباحًا

فيتنام في اربعة مشاهد

أخر تحديث : الأحد 12 أبريل 2015 - 8:52 مساءً
تارودانت نيوز | بتاريخ 12 أبريل, 2015 | قراءة

يستشعر الأستاذ عبد الوحيد خوجة (خبير في مجال السياسات الإجتماعية) في هذه الشهادة، عظمة شعب وبلاد “هو تشي منه” عبر مشاهد التقطها في أول زيارة له لفيتنام، تارة بالعين المجردة، وتارة أخرى بمشاعره الجياشة وقناعاته الفكرية والإيديولوجية خصوصا وانه ينتمي إلى ذلك الجيل اليساري الذي تأثر بأدبيات الفكر الماركسي الثوري، وبأحلام حرب العصابات لعبد الكريم الخطابي وتشي غيفارا، وبأفكار الزعيم التاريخي”هو تشي منه” أو كما يحلو لأبناء بلدته نعته بـ”العم اللطيف الذي هزم الأمريكان”.. وفي ما يلي نص الشهادة:

ارتبط فيتنام بكلمتين رئيسيتين، الأندوشين و “هو تشي منه”. لم أتصور أبدا أن أصل يوما إلى هذه الأصقاع البعيدة بعد السماء عن الأرض. وأنا أنزل من الطائرة انتابني إحساس غريب، هو مزيج بين الفرحة والإندهاش، مصدر الفرحة أني أطأ أرض الثوار وما أدراك ما الثوار الذين قضوا مضجع الفرنسيس والأمريكان، ومصدر الإندهاش أنني وجدت أمامي وأنا أخرج من المطار جحافل من البشر لا تعد ولا تحصى.. فهمت بعدها أن الطائرة هي الوسيلة الأساسية للتنقل بين مدن هذا البلد العظيم.

المشهد الاول: السطوح

فوق سطوح كل البيوت سخانات المياه تعمل بالطاقة الشمسية ولا وجود إطلاقا لأي لاقط هوائي.. إنه الإختيار الواضح والصريح بين المسلسلات والاقتصاد.

المشهد الثاني: الهاتف

رمقت وأنا في بهو الفندق لدى طبيب وضعته السلطات الفيتنامية رهن إشارتنا هاتفا بغلاف جميل، سألته عن محل بيعه، أجابني بفرنسية المبتدئين أن الغلاف لا يباع ولكنه يصنع عند الطلب، ومدني بعنوان المحل. صباح اليوم الموالي، أخذت سيارة أجرة، أخذتني على بعد عشرة كيلومترات وسط زحام منظم، أنزلتني فيما يمكن أن أشبهه بـ”درب غلف” “هو تشي منه”، مكان عريض فسيح ومحلات تجارية ضيقة جدا. هنا يباع كل شيء، أخذ مني سائق الطاكسي ثمن الرحلة، أديت مقابلها 10 دراهم، ودعني بلطف بفاتورة الأداء. بحثت عن المحل التجاري ووجدته بعد هياط ومياط.. كان المحل صغيرا جدا وفي زقاق ضيق.. أثار انتباهي وجود أحدية في باب المحل، فهمت أن الدخول إليه مشروط بنزع الأحدية(قدسية المقاولة)، كلمت شابا في مقبل العشرينات، وأخرجت هاتفي، وسألت عن غلافه.. قال لي بلطف شديد: لا أبيعه بل أصنعه. قلت كم يكفيك من الوقت لذلك؟ قال ساعة كاملة. نبهته أنني مغادر فيتنام مساء اليوم. قال عد إذن بعد نصف ساعة. فتح الكومبيوتر، وفي ثوان شرع في تصميم الغلاف، وكنت أشاهد على الشاشة الغلاف في ابعاده الثلاث، اخترت اللون.. وانصرفت أقتل الوقت في هذا السوق الكبير العريض المزدحم. لم ينتبه لوجودي أي أحد.. لم يعرض علي أحد سلعته.. ولم يسألني أحد عن إسمي أو سر مقدمي.. رجل غريب عن المكان يطوف شوارع مدينة “هانوي”. دون أن أخاف من أي شيء أو أي أحد. لم يعترضني متسول ولم يقدم لي خدمة بائع متجول. شوارع جد نظيفة وأزقة نقية نقاء معابدهم. بعد انتهاء نصف ساعة عدت إلى المحل التجاري لأخذ غلاف الهاتف، أديت الثمن( بدون شطارة) وانصرفت في هدوء أبحث عن وسيلة نقل تعيدني إلى الفندق. في السيارة لم يسألني السائق لا عن أصلي ولا فصلي ولا عن سر وجودي .. يسوق السيارة بهدوء متحاشيا آلاف الدراجات النارية، عند وصولي إلى الفندق، سألته عن الثمن، فكانت المفاجأة أنه أقل من تذكرة الرحلة الأولى، سألته عن السبب وأخرجت الفاتورة، ابتسم في وجهي وقال لي بمكر: إن هذه السيارة إيكولوجية، وتستهلك بنزينا أقل، وأثار انتباهي إلى بطئ سيرها في الشوارع، مما يقلل من استهلاك الوقود، فتنبهت آنذاك إلى أن لون السيارة كان أخضرا، وأن لون رابطة العنق كان أخضرا كذلك.

المشهد الثالث: الزحام.

تجوب الشوارع عشرات آلاف من الدراجات النارية. وللتغلب على الأمر وضعت السلطات في خدمة كل وفد شرطيا دراجا وراءه شرطي يستعين بعصا لإبعاد السيارات والدراجات عن الطريق.

المشهد الرابع: المكافأة.

وفر المنظمون لنا سيارة تنقلنا الى المطار.. في الطريق اقترح علي رفيقي أن نتخلص مما بقي في جيوبنا من عملة محلية بإعطائها للسائق. وبمجرد اكتشافه لنوايانا، أنزلنا وأقفل راجعا أو قل هاربا.

داخل المطار طلبة متطوعون في خدمة الوفود.. مررنا كالسهم على كل الإجراءات.. ذكرني رفيقي بما تبقى في حوزتنا من العملة الوطنية.. تناقشنا مع الطلبة في كل المواضيع ( عطالة الشباب، قلة فرص الشعل…) وفي لحظة ما اقترحت على اكبرهم ان يأخذ مني هدية عبارة عن ما تبقى عندنا من “دنغات”، رفض بلياقة، اعتقدنا معها ان الأمر لا يعدو أن يكون ممانعة. قال بلطف: كم بقي عندكم؟ قلنا مأتى الف دنغ( 100 درهم)، أصفر وجهه وقال: لا هذا كثير، يمكنكم ان تأخذوا بها هدايا من المطار.. ودعونا بلطف كبير، وقال اكبرهم: هل يمكن ان نطلب هدية؟ أجبنا بالإيجاب، قال هل يمكن ان نأخذ معكم صورة تذكارية. وقفنا….. ابتسمنا.. وتحسسنا “الدنغات” في جيوبنا.
الأستاذ عبد الوحيد خوجة.
تارودانت نيوز.