الأخبارمقالات

حياة خاصة


يواصل الخطاب السياسي المغربي انحداره، الرديء وغير المسبوق، نحو قعر البؤس والضحالة. إذ بعد الانحطاط المريع لمستوى الحوار العمومي والهجوم الشرس، الذي قادته «الشعبوية الرخيصة» على اللغة السياسية، يأتي الدور على التشهير بالأعراض والتلصص على الحياة الشخصية للخصوم.

رجال ونساء السياسة، وهم الفاعلون العموميون، يملكون – أيضا وبالأساس- حياة شخصية، ولهم حميميتهم الخاصة، وكباقي الناس يمرون في حياتهم بحالات من الهشاشة والضعف والأزمات. استثمار هذه الحالات في المعارك السياسية، هو بمثابة استعمال أسلحة غير مقبولة في صراعٍ له أسلحته المعروفة: الأفكار والسياسات.

إنهم كذلك آباء أو أمهات، لهم أُسر وعائلات وأصدقاء، والتزامهم السياسي لا يعني أنهم اختاروا بكل طواعية التنازل عن حيواتهم الخاصة، وتقاسم لحظات ضعفهم الإنساني العادي مع الجمهور.

لذلك، فاقتحام الأعراض الخاصة، والتشهير بالحياة الخاصة، في المعارك السياسة أمر مرفوض، وانزلاق غير أخلاقيٍ يدعو إلى الغضب والإدانة.

البرلماني، الوزير، العمدة، القائد الحزبي والفاعل السياسي أيا كان موقعه، هو شخصية منشغلة بالشأن العام، وبالتالي، فهو بالضرورة في موقع المساءلة والمتابعة والنقد، إنه في قلب الصراع السياسي والتراشق الإعلامي.

موضوع هذا النقد وهذه المساءلة، هو أفكاره السياسية، برامجه الانتخابية، إجراءاته التدبيرية، التزاماته التمثيلية، مواقفه وقراراته العمومية.

موضوع وحدود هذا النقد وهذه المساءلة، هو مقدار مساهمته في الشأن العام، ومقدار مساهمته في المشترك المجتمعي، وفي الفضاء العمومي.

ما دون ذلك، من اختيارات شخصية وعاطفية، من حياة أسرية وحميمية، يدخل في إطار الحياة الخاصة، التي يجب أن تبقى بعيدة عن التدافع الانتخابي والتنافس السياسي.

الخلط بين الخاص والعام في الصراع الحزبي، معناه الإساءة المزدوجة للشخص المستهدف وللسياسة الممارسة؛ إساءة للشخص لأن في ذلك اعتداء على حرمته وحميميته، وإساءة للسياسة لأنه نقض لموضوعيتها وتحريف لحقيقتها الأصلية كصراع على المشاريع والقيم والبرامج.

هل ما يسمى – بكثير من الكسل- بالنخبة السياسية هي وحدها المسؤولة عن هذا الخلط؟

الجواب حتما لا. ثمة مسؤوليات مشتركة في هذا الباب:

جهات داخل الدولة التي ترفع شعار المشروع الديمقراطي الحداثي، وتتصيد من تعتبرهم خصوما للنظام بقصصٍ مكررة وتهم بائتة حول [الخيانة الزوجية] و[إعداد أوكار للدعارة]، وتتكلف وسائل إعلام رسمية بتغطية حية لهذه الفتوحات.

الصحافة الصفراء، ووسائل الإعلام الإلكتروني المشبوهة التي تنهش، بعناوين البند العريض، اللحم الطري لضحاياها، عبر الأخبار المزيفة والإشاعات القاتلة التي تخرب – بجرة قلمٍ- بيوتا وتصنع جراحا غائرة لن تندمل بمجرد بيان للحقيقة مختبئ في الصفحات الداخلية.

حتى الحروب بين الدول والأمم، وضعت لها الإنسانية والحضارة، قواعد للاقتتال وقانونا إنسانيا يحمى المدنيين والشيوخ والأطفال، ونحن نفشل مرة أخرى في تحديد قواعد بسيطة للحوار والصراع، تم يأتي منا من يتحدث عن الأخلاق والنبل في السياسة، بل قد يحدث مرات عديدة أن نتباكى بكثير من السذاجة على العزوف وضعف المشاركة السياسية.

المشاركة في ماذا؟؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى