اليوم الخميس 21 نوفمبر 2019 - 8:26 صباحًا

قانون الجهوية الجديد ..

أخر تحديث : السبت 16 مايو 2015 - 3:48 مساءً
تارودانت نيوز | بتاريخ 16 مايو, 2015 | قراءة

حين يصبح الوالي ولي أمر رئيس الجهة القاصر

بعد تناولنا في السابق لعلاقة مؤسسة الجهة بسلطة القضاء و وقفنا على بعض من اختلالات نصوص مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالجهات أو ما سميناه بالتحريف التشريعي الذي سيجعل القضاء آلية معدة سلفا في يد الوالي للالتفاف على اختصاصات مؤسسة الجهة، سنقف في هذا المقال على علاقة مؤسسة الجهة بباقي المؤسسات وخاصة علاقتها بالوالي في ارتباط بالوزارات بالمركز، أو بالمندوبيات الوزارية بالجهة، معرجين على علاقة مؤسسة الجهة بالمواطن، وسنختم هذا النقاش باقتراح ينحو نحو خلق علاقة مؤسساتية بين جلالة الملك كرئيس للدولة وبين مؤسسة الجهة.

أولا: علاقة مؤسسة الجهة بالوالي

إن المؤسسة الإدارية المقابلة لمؤسسة الجهة محددة في مشروع القانون التنظيمي الخاص بالجهات في مؤسسة الوالي، إذ جعل المشروع هذا الأخير هو المخاطب المباشر لرئيس الجهة.

وإذا كان الوالي ممثلا للحكومة بصفتها المؤسساتية وخاصة كسلطة تنفيذية، فإن وضعية رئيس الجهة تنحصر في كونه رئيسا لجماعة ترابية تدير الشأن المحلي وتحتل الصدارة، غير أن ما كان يتصور سابقا بأن الجهوية ستتميز بشساعة المجال الترابي وذات الاختصاصات العريضة نسبيا بعد الحديث عن نقل عدد من الاختصاصات إليها من المركز، مما يجعل من المركز مجرد مساند لها وتقتصر مهامه في إدارة المجالات الإستراتيجية الكبرى وكذلك الإلمام ببعض أمور السيادة التي لا يمكن نقلها إلى الجهات، وهذا ما سيجعل الجهة مساهم أساسي في إدارة الشأن العام بشكله الجهوي وبأبعاده الوطنية، كلها متمنيات سار المشروع في اتجاه معاكس لها وأتى مخالفا لكل هذه الآمال وتحول إلى مشروع جماعة قروية بعنوان جهوي.

فإذا كانت المادة 6 من الدستور قد أكدت على أن السلطات العمومية تمكن المواطنين من المشاركة في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية، فإن الجهة تظل الوسيلة المثلى لإعمال هذه المشاركة على المستوى المحلي و الجهوي، كما نص الفصل 145 من الدستور على تفاصيل علاقة الجهة كجماعة ترابية بمحيطها الإداري حينما اعتبر أن الولاة والعمال يمثلون السلطة المركزية، ولأننا في موضوع مجال الجهة فإن الوالي هو الذي سيكون المخاطب القانوني للجهة، بينما يبقى لمؤسسة عمال العمالات العلاقة المباشرة مع الجماعات الترابية الأخرى التي تتموقع من حيث التراتبية بعد الجهة.

وإذا كان الفصل 145 من الدستور في فقرته الثانية قد أناط بالولاة والعمال مهمة القيام بتطبيق القانون وتنفيذ النصوص التنظيمية، فلأن لهم صفة تمثيل الحكومة في اختصاصات عديدة ومحددة دستوريا، و بربطها بالفقرة الخامسة من الفصل 145 من الدستور، فإن تمثيل الحكومة يبرز في مهمة تنسيق الوالي لأنشطة المصالح اللاممركزة وسهره على حسن سيرها تحت سلطة الوزراء المعنيين.

وإذا حاولنا أن نفكك أكثر هذا الفصل في علاقته بالفصل 89 من الدستور الذي يعتبر رئيس الحكومة هو الرئيس المباشر لجميع وزرائه، ويملك وفقا للفصل 90 من الدستور السلطة التنظيمية التي يفوضها للوزراء، كما أنه وفقا للفصل 93 يقوم الوزراء بآداء المهام المسندة إليهم من قبل رئيس الحكومة، فإن هذه السلطات تنتقل على المستوى التنظيمي جهويا إلى السيد الوالي وممثلي الوزارات حسب القطاعات المعنية، غير أن الفرق الموجود بين رئيس الحكومة وطنيا والوالي جهويا هو أن ما لرئاسة الحكومة من سلطة في التدبير والتسيير والتقرير في المجال التنظيمي وفي المجال التنفيذي لكون الوزراء يمارسون مهامهم استنادا على تفويض، فإن الوالي موظفا وليس في موقع سياسي وسلطته تكمن في التنسيق المحلي بين المصالح اللاممركزة، أي أنه ينسق فقط ولا يتدخل في القرار وفي الاختيارات الحكومية، فهو جزء من الجهاز الإداري الذي يخضع بقوة الأشياء والدستور إلى القرار السياسي، و الدور الذي يلعبه في علاقته بالمؤسسات المنتخبة أشارت إليه الفقرة الثالثة من الفصل 145 حين حددت مهمة الوالي في مساعدة رؤساء الجماعات الترابية وخاصة رؤساء الجهات على تنفيذ المخططات والبرامج، وهكذا يمكن وفقا للفصل 145 من الدستور تحديد اختصاصات الوالي كالتالي:

أولا: في تمثيلية السلطة المركزية.

ثانيا: في تطبيق القانون وتنفيذ النصوص التنظيمية للحكومة.

ثالثا: في ممارسة الرقابة الإدارية.

رابعا: في مساعدة المجالس الجهوية لتنفيذ المخططات والبرامج.

خامسا: في تنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة.

وعليه يمكننا عبر هذه القراءة الدستورية في تقاطعها مع مشروع القانون التنظيمي للجهات، تحديد طبيعة العلاقة التي ستكون بين الوالي ومجلس الجهة مستقبلا، علما أن العلاقة بينهما يجب أن تكون في إطار الحوار المتبادل وتبادل الرأي، لكون التجربة الجهوية الناجحة هي التي تتم في محيط من التعاون وليس في جو من المواجهات مع السلطة بدعوى الدفاع عن الاستقلالية وانطلاقا من التعالي من طرف من يحمل الظهير في مواجهة من لا يحمله، ومن ثم علينا أن نعود إلى مقتضيات الفصل 146 من الدستور الذي يحدد اختصاصات الجهة، وإن كانت قد جاءت في الدستور عامة فقد ثم تفصيلها في المواد 80 و 81 و 82 و83 وما يليها من مشروع قانون الجهات، وهي أمور تفصيلية لا تهمنا في هذا المقال بذاتها بقدر ما يهمنا معرفة طبيعة علاقة الوالي بالجهة من خلال هذه الاختصاصات.

غير أنه يمكن أن ننعرج فكريا من القراءة الدستورية لاختصاصات الوالي إلى ما نص عليه مشروع قانون الجهة بشكل عام لمعرفة طبيعة هذه العلاقة التي حاول أن ينظمها، لنتأكد من مدى قدرته في الحفاظ على استقلاليتها وتدبيرها الحر وغيرها من المبادئ المنصوص عليها بالفصول 136 و137 من الدستور.

وسنجد أن مشروع القانون التنظيمي للجهات قد منح منذ البداية للوالي سلطة الإشراف على إعطاء انطلاق التجربة الجهوية بمنحه سلطة القرار في الاستدعاء لأول اجتماع يعقده مجلس الجهة وكذلك منحه اختصاص التوصل بالترشيحات لرئاسة الجهة من طرف وكلاء اللوائح الفائزة بالانتخابات الجهوية، وذلك خلال خمسة أيام الموالية لانتخابهم، وكنا نعتقد أن دعوة الوالي لعقد هذا الاجتماع وتعيين العضو الأكبر سنا والأصغر سنا من غير المترشحين لإدارة هذا الاجتماع ستكون نهاية دور الوالي وأن ينص المشروع على انسحاب الوالي احتراما لمبدأ التدبير الحر، إلا أن المادة 14 نصت على حضوره أو من ينوب عنه، وهو تنصيص ينم على اختصاص فوقي بإشرافه على العملية الانتخابية حتى بعد انتخاب أعضاء المجلس، حيث يمتد هذا الإشراف إلى انتخاب نواب الرئيس كذلك، إذ نصت المادة 19 على حضور الوالي أو من ينوب عنه أثناء انتخاب نواب الرئيس، علما أن المجلس هنا قد انتخب رئاسته التي عليها الإشراف على انتخاب النواب وهياكل المجلس، ويبقى السؤال ما خلفية حضور الوالي في كلا الاجتماعين؟ خاصة وأنه يمكن افتراض أن تكون للرئيس القدرة والأهلية القانونية للإشراف على انتخاب باقي الهياكل؟ فحضور الوالي قد يفسر فيما يكون له من تأثير بشكل أو بآخر في مسار الاختيار أو على الأقل قد يوحي بذلك، علما أن هذا الرئيس الذي ينتخب تحت الإشراف الضمني للسيد الوالي سيظل تحت مراقبته لرقابة كيفية ممارسته لاختصاصاته، وفي حالة خلاف ذلك فهناك وسيلة سهلة ومثلى بين يدي الوالي وهو تكييف هذا الخلاف إلى نوع من الغياب والامتناع على ممارسة المهام فيصبح لهذا الأخير الحق في إعذاره، ولوزير الداخلية إحالة موضوعه على القاضي بصفته الاستعجالية قصد إقالته.

وإن كانت المادة 23 لم تنص على من سيشرف على عملية انتخاب الأعضاء الجدد بعد القرار القضائي، فإن التوجه يسير من جديد نحو إعمال المادة 14 أي عودة الوالي إلى إدارة الانتخابات الداخلية مرة أخرى بدعوة المجلس لاجتماع من جديد لإعادة انتخاب أعضاء المكتب.

وفي نفس الإطار منح المشروع للوالي حق الإطلاع ومراقبة النظام الداخلي وذلك داخل أجل 8 أيام للبث فيه طبقا لمقتضيات المادة 114 من نفس القانون والتي نصت على إمكانية إحالة الموضوع على المحكمة الإدارية في حالة الخلاف، وهذه الإحالة تطرقنا لها في المقال السابق حينما اعتبرنا أنها يجب أن تتم في إطار الفصل 132 من الدستور نظرا لكوننا نشرع قانونا تنظيميا.

وهكذا يتبين أن إشراف الوالي ليس فقط انتخابيا ولكنه مؤسساتيا كذلك، فالرقابة التي تحدث عنها الفصل 145 من الدستور في فقرته الثانية ووصفها بالرقابة الإدارية، توحي بقوة مؤسسة الوالي في مواجهة مؤسسة الجهة، فرغم أن النص اشترط حضور الوالي في اجتماعات الجهة باستدعاء كتابي من طرف الرئيس إلا أنه لا يمكن استدعاء مندوبي الوزارات بالجهة إلا بواسطة الوالي وهو إجراء يطرح السؤال التالي، هل يقتصر هذا الإجراء على قيام الوالي بدور ساعي البريد فقط؟ أم يعطيه حق الاعتراض على هذا الاستدعاء؟ ثم إذا لم يوافق الوالي ما هو الإجراء الذي يجب اتخاذه هنا؟ وبالتالي هذا التساؤل يظل نقطة استفهام حول ما هي السلطة التي يملكها الوالي اتجاه قرار الاستدعاء، خاصة وأن القانون التنظيمي لا ينص هنا على مساءلة المندوب الوزاري ولكن على تقديم المعلومات، لكون المساءلة ممارسة سياسية تبقى محصورة في مهام البرلمان وأن مجلس الجهة لا يملك سلطة الرقابة ولكنه يملك اختصاص التدبير المتصف بالحر، وأعتقد أن هذا هو ضعف الجهة، لكون التدبير دون توسيعه إلى نوع من السلطات الرقابية المحدودة في المجال الجهوي والتي تسمح بالمحاسبة يجعل التدبير سلبيا ويتضارب مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على الأقل جهويا وتجعل المجلس الجهوي يطلب معلومات و لا يساءل، مما يفسر حضور المسؤولين الجهويين لاجتماعات مجلس الجهة هو حضور وليس مثولا أماها.

إن هذه العلاقة بين الوالي والجهة ستمتد إلى نوع من الإشراف حتى على التفاصيل، مثل ضرورة تبليغ رئيس الجهة للسيد الوالي بقرار تمديد اجتماعات المجلس (المادة 37) كما أن للوالي حق الرأي في النقط المدرجة في جدول الأعمال ذلك أنه وفقا للمادة 41 يجب أن يحال عليه جدول أعمال وله الحق أن يقترح نقطا أخرى وفقا للمادة 42 والغريب في الأمر أن القانون التنظيمي في هذا الموضوع فرض بقوة القانون أن تضاف النقط المقترحة من طرف الوالي لجدول الأعمال، وهذا ينافي مبدأ الاستقلالية والتدبير الحر، لكون تدبير اجتماعات المجلس لا يمكن فصلها على مبدأ التدبير العام، إذ يفقد المجلس تحديد أولوياته ومواضيع اجتماعاته بتدخل الوالي في مسار جدول الأعمال فيصبح ، فيصبح للوالي القرار في تحديد الطبيعة الاستعجالية للمواضيع الذي يجب ترتيبها في جدول أعمال، والمثير للاستغراب كذلك أن هذا التدخل في جدول الأعمال بإضافة نقطة أخرى قد يحول اتجاهات مناقشة المكتب واهتماماته وحقه في تحديد الأولويات، وتصبح مواضيع الاجتماع وفقا لما يرسمه الوالي و هذا التدخل سيأخذ أبعادا أخرى خاصة عندما نص القانون التنظيمي في المادة 44 على حق الوالي في التعرض على نقطة في جدول الأعمال المقترح من الرئيس بدعوى عدم الاختصاص، هكذا يلاحظ أن للوالي الحق في أن يضيف، وللوالي الحق في أن يعترض، أي أن يسحب من جدول الأعمال نقط نص عليها الرئيس سلفا، ومن تم يتحكم في الاجتماع ومسار المناقشات وتوجهات المجلس، بل إن للوالي أن يسهر على حسن سير الجلسات وفقا للمادة 51 وله أن يطلب انعقاد اجتماعات المجلس بشكل سري، (وإن كان النص قد منح لهذا الموضوع صفة الجواز وفقا لتقدير الوالي) فهل من حق المجلس أن يرفض طلب الوالي؟ ونعتقد أنه كان بالأحرى أن يحيل هذا الطلب على التصويت في مجلس الجهة.
إن هذا الإشراف الولائي سيصل مداه من خلال المادة 67 التي تعطي الحق للوالي في المطالبة القضائية بالعزل من خلال المعاينة كإجراء يتيم ، بل للوالي الحق في مراقبة حتى مقر الإقامة الشخصية لرئيس الجهة على المستوى الترابي، ثم أن للوالي الحق في ترأس اللجنة الخاصة في حالة حل المجلس الجهوي أو استقالة أعضائه (المادة 77) وكذلك مراقبة مدى مزاولة الرئيس لمهامه من عدمها (المادة 76) كما أن للوالي الحق في عزله قضائيا، وله حق الحضور داخل التفاصيل المؤسساتية لمؤسسة الجهة بحضوره في اجتماعات لجنة الإشراف والمراقبة ( المادة 136) وغيرها من الاختصاصات.

إن هذه المعطيات كلها تؤكد أن والي الجهة يبسط سلطته على رئاسة الجهة كشخص وكمؤسسة مما يجعلنا نجزم أن الصدارة التي تحدث عنها الدستور هي للوالي وليست للجهة، فالرئيس يصبح تحت الرقابة المباشرة للوالي أي بقراءة قانونية فالرئيس قاصر والوالي ولي أمره، وهذا ما يجعل الصدارة المؤسساتية تغيب في شخص الرئيس ويجعله في حقيقة الأمر مجرد موظف تابع للوالي وتحت رقابته، وهكذا اخترنا أول منتخب يتحول بقوة القانون إلى موظف، فيصبح مفهوم الجهوية يكمن في المركز القانوني التحكمي للوالي والتأثير العميق والمباشر التي له على مسار الرئيس ومؤسسة الجهة ومن خلال الرقابة الإدارية التي نص عليها الدستور والتي كان يجب أن تكون محدودة، لاحترام مبدأ التدبير الحر لكن المشروع عند رسمه لهذه العلاقة فقد تجاوز كل الحدود حتى الحدود التي تعودنا عليها في مرحلة الوصاية كما كان منصوص عليها سابقا، وكان على مشروع القانون التنظيمي للجهات أن يتعامل مع رئيس الجهة كفاعل سياسي وكمسؤول جهوي وصل بالشرعية الانتخابية ليدير مؤسسة تتسم إدارتها بالتدبير الحر، وإذا كان الأمر كذلك كيف يمكن لرئيس غير حر أن يدبر مؤسسة بشكل حر؟.

يبدو أن هناك أزمة ثقة بين المسؤول السياسي والمنتخب الجهوي، لذلك اتجه هذا النص لتعقب هذا المنتخب والإشراف على انتخابه ومراقبة نظامه الداخلي ومعاينة اشتغاله، بل حتى أن يحدد جدول أعماله، وهذا مخالف للنص الدستوري بل يكرس للتبعية المطلقة جعلت الشخص المنتخب مجرد موظف عاجز أمام سلطة الوالي الذي له الحق أن يتدخل في التفاصيل اليومية لرئيس الجهة و كأننا أمام قاصر ينتظر توجيهات ولي الأمر.

ثانيا: علاقة مؤسسة الجهة مع المواطن

قد نكون أغبياء قانونيا إذا حاولنا أن نسقط من هذا القانون ذلك الدور الذي يجب أن يقوم به المواطن ليساهم في تقوية مؤسسة الجهة، خاصة وأن عمق الجهوية هو منح المواطن إمكانية المساهمة في إدارة الشأن العام المحلي من خلال تأسيس ديمقراطية جهوية وخلق نخب جهوية على المستوى المحلي، ذلك أن المواطن في علاقته بالجهة تكمن في مهمتين أساسيتين:

أولا: عندما ينتخب ويصوت على أعضاء الجهة من خلال النظام الانتخابي المحدد قانونا.

ثانيا: عند تقديم بعض العرائض لإدراج نقط في جدول الأعمال وفقا للفصل 139 من الدستور والتي نظمتها المادتين 120 و 121 من القانون التنظيمي للجهات، لذلك أن هذه العرائض ليست بنفس الشكل والموضوع التي ينص عليها الفصلين 14 و15 من الدستور والتي تهم مجالي السلطتين الدستوريتين أي المجالين التنظيمي والتشريعي، فالفصل 139 يقتصر على نقط بجدول الأعمال والمواطن له الحق بذلك بصفة شخصية أو بواسطة جمعيات، غير أن المادة 120 عندما نصت على هذا الحق اشترطت توفر توقيعات ل 600 شخص وهذا حجم بشري كبير غير منظم في إطار معين ومن الصعب ضبطه أو تنظيمه عمليا، وكان من الواجب تقليص هذا العدد مع منح الحق لمكتب المجلس لتحديد الأولويات دون إلزامه بإدراج هذه الطلبات في أول اجتماع، لكون تعددها قد يعرقل العمل العادي والطبيعي لمجلس الجهة.

إن هذين الاختصاصين هما اللذان يحددان العلاقة بين المواطن وهذه المؤسسة التي وضعت في الأصل لخدمة المواطن في مجاله المحلي، فالمعطيات التي أشرنا إليها تؤكد في آخر المطاف أن مجلس الجهة سيقوم بمهام تدبيرية ليست فقط في إطار السياسة العامة ولكن كذلك تحت السلطة المنتمية للمركز أي الحكومة من خلال الوالي أولا، تم من خلال الاختيارات الحكومية التي ستتحكم في توجهات المجلس التنموية، والتي قد تكون مختلفة بين هذه الجهة وتلك حسب الحاجيات والوسائل، مما سيحدث مواجهات بين المجلس والوالي عند بعض التفاصيل أثناء الممارسة.

ولأن الجهة مؤسسة دستورية نص عليها الدستور لها الحق أن تلجأ تحكيميا إلى الملك وفق الفصل 42 من الدستور، سواء من أجل احترام الدستور أو لحسن سير المؤسسات، أو لصيانة الاختيار الديمقراطي أو لحماية حقوق المواطنين والمواطنات والجماعات، وكل هذه المبررات تفرض وجود إطار مؤسساتي يضاف إليه رمزية جلالة الملك باعتباره الضامن لوحدة البلاد، مما يتعين معه إنشاء المجلس الأعلى للجهات ليسمح بإعطاء مدلول لرمزية وحدة الدولة والنظام، وكذلك لبلورة تصور وطني يدمج الحكم الذاتي المرتقب في التراب الوطني بشكل سلس ويؤكد على التزام المغرب بتعهداته الدولية، حيث أن إدماج مؤسسة الحكم الذاتي المرتقب بجانب مؤسسة الجهة لضمان مساهمتها مستقبلا في النسيج المؤسساتي وطنيا، وتكون موضوع تعديل دستوري مستقبلا يسمح بتلازم الجهة مع الحكم الذاتي وينتهي بانعكاس إيجابي لكل واحدة على الأخرى في بعض التفاصيل الذي يمنح للجهة اختصاصات أفضل ويمنح للحكم الذاتي تجسيدا فعليا للانتماء الوطني وتكريسا لوحدة الدولة ووحدة الوطن ووحدة النظام، وهذا سيساعد مستقبلا على تكريس الديمقراطية المؤسساتية على المستوى الجهوي ويعطى للنخب المحلية دورا أساسيا للمساهمة في إدارة الشأن العام من خلال إدارة الشأن المحلي الذي يجب أن يكون الخطوة الأولى نحو خلق نخب محلية تملك امتدادات وطنية للوصول إلى مصدر القرار و الإدارة، مما سيسمح بتكريس الجهوية في عمق منطق الوحدة الوطنية.

وفي اعتقادنا أن إحداث المجلس الأعلى للجهات لا يحتاج إلى تعديل دستوري، بل فقط الإشارة إليه في القانون التنظيمي أسوة بالمجلس الأعلى للماء و المجلس الأعلى لإعداد التراب الوطني، و لكون الدستور لم يشترط تأسيس هذه المجالس من خلال القوانين التنظيمية، ثم لكونها ليست مؤسسة تدبيرية أو حتى تقريرية بل هي مؤسسة للحوار و التحكيم بين رئاسة السلطة المركزية التنفيذية المجسدة في الحكومة و حضور رئاسة السلطة التشريعية في شخص رئيس مجلس المستشارين هذا المجلس الذي يظم تمثيلية محلية وجهوية، و كذلك بعض القطاعات الحكومية المعنية مثل الداخلية والمالية و التجهيز و غيرها و أن تكون هذه المؤسسة تحت الرئاسة الفعلية لجلالة الملك مما سيسمح ببلورة تصور مشترك مؤسساتي حول قضايا تهم العلاقة بين الجهة كمؤسسة منتخبة و السلطة المركزية بما تملكه من سلطات تنظيمية وتنفيذية.

– محام ونائب رئيس مجلس النواب