أخبار جهويةالأخبار

فسحة رمضانية رودانية :(ح 2) :زاوية سكرات مركز للعلاج التقليدي بحاجة لالتفاتة المسؤولين ووزارة الصحة


قصدها مرضى من مختلف مناطق المغرب ، جاؤوها في حالات خطيرة وميؤوس من شفائها ، بعدما طافوا مختلف التخصصات الطبية في الداخل والخارج ؛ فعولجوا فيها واسترجعوا صحتهم وقوتهم البدنية ، انها زاوية سكرات بجماعة فريجة اقليم تارودانت.
image
زاوية سكرات – دار او زاوية او مركز هو مكان يطرح أكثر من علامة استفهام ، بساطة المكان ، ورمزيته ،وما يحكى عنه ، يجعلك وانت المريض القادم من عمق الثقافة والتحضر بعدما أعيتك الفحوصات الطبية في ارقى المصحات وبعدما أنفقت الكثير من اجل استرداد صحتك وقوتك التي اصبحت تتآكل بين يديك يوما عن آخر دون ان تدري ما السبب ودون ان يتمكن الطب الحديث عن إعطائك إجابات مقنعة عن مرضك.
وبعد ان علن الطب عجزه أمامك دون تصريح منه ،تجد نفسك وقد استسلمت ، لارشادات أمك او واحد من اقربائك او صديق لك ، لم تكن من قبل تعير نصائحهم أدنى اهتمام ، لأنهم في نظرك ربما كانوا يتحدثون عن عالم خرافي ، ولأنك لم تتعلم الا جانبا واحدا من الثقافة ،هو الثقافة المادية التي لا تؤمن الا بما هو علمي وملموس ، اما ما يطلق عليه الطب البديل او الشعبي او التقليدي فهو في نظرك خرافات الماضي.
فهل أصبح الطب الحديث اليوم على ماهو عليه من تقدم ومادية ، الا بعد أن مر بهذه المراحل التقليدية التي أنجبته ،فاستمر هو في النمو والتطور واستمرت هي في الوجود تتوارثها الأجيال جيلا عن جيل ، وبينما احتل الطب الحديث الجامعات والكليات والمعاهد ، بقي الطب الشعبي منزويا في المنازل والزوايا ودور العبادة عند جميع الشعوب ، تقصده الفئات الفقيرة والمهمشة التي لم تؤهلها إمكاناتها المادية البسيطة التوجه للعلاج في هذه المصحات التي اصبحث اليوم نوعا من الطرف والمباهات .

من هذا المنطلق وفي هذا الحيز تدخل زاوية سكرات كواحد من اهم المراكز العلاجية التقليدية بتارودانت وبسوس عموما ان لم نقل أهمها على مستوى المغرب.
فعلى بعد حوالي 30 كلم شمال شرق مدينة تارودانت ، على الطريق الرابطة بين تارودانت ووارزازات ،يوجد دوار زاوية سكرات التابع لجماعة افريجة ،اقليم تارودانت ، حمل الدوار اسم الزاوية نظرا لرمزيتها ووظيفتها التاريخية بالمنطقة ، وعلى بعد بضع كيلومترات من الطريق الرئيسية يطالعك دوار زاوية سكرات ، عبر طريق متربة غير معبدة ، حيث لا اشجار تصادفك هناك في الطريق ،فقط بعض شجيرات أركان تعد على أصابع اليد هي ما تبقى من حرب الإبادة والتقطيع العشوائي التي تعرضت لها غابات الأركان التي كانت تغطي كل المنطقة حتى سنوات السبعينات من القرن الماضي، لتنكشف في الأخير حجم المأسات التي تعرضت لها غابات الأركان بهذه المنطقة وبعموم مناطق اقليم تارودانت.
وهناك من بعيد تترائى لك المنازل الطينية المائلة للاحمرار وأخرى إسمنتية بجوارها نبتت كالأعشاب الطفيلية في حقول القمح ،بجانب هذه المنازل المبنية من الطوب والطين مجسدة عمق التاريخ وعراقة المكان.
image
بين دروب الدوار وأزقته الضيقة والملتوية تنساب بك السيارة الى ان تتوقف بساحة امام شجرة أركان كبيرة وارفة الظلال وبجوارها اتكأ بعض الرجال على حائط مقابل للزاوية ينتظرون قريبا او قريبة لهم الى ان تنتهي من حصتها العلاجية فيعودوا من حيث أتوا سالمين معافين.

زاوية سكرات مركز مختص في علاج (التوكال)أثر “التسمم الغذائي “و”بومزوي”

طالبي العلاج في زاوية سكرات يحضرون هذا المركز وهم صائمون ،لان قانون العلاج بالزاوية يتطلب ذالك،وإلا عليك ان تعود في الغد وانت صائم ، قبل ذالك عليك ان تشتري من الدكان المجاور للزاوية نصف لتر من الحليب وحوالي ربع كيلو غرام من لحم الدجاج لأنهما يدخلان كجزء مكمل للعملية العلاجية بالزاوية.

طيلة ايام الأسبوع تكون زاوية سكرات مقصد طالبي العلاج من اقليم تارودانت ومن مختلف مناطق المغرب ،ويومي السبت والأحد ، تكون الزاوية غاصة بالمرضى اذ تتزامن مع عطلة نهاية الأسبوع التي تكون فرصة للقادمين من خارج الاقليم .
عندما تلج باب الزاوية تجد نفسك في منزل مكون من منزلين واحد يفضي للآخر ، الأول أعد لاستقبال المرضى ، غرف للنساء وأخرى للرجال ، وفي المنزل الثاني والذي يسمى (الدويرية) هناك سيدات يطبخن الأعشاب في قدر كبير ،وأخريات يعددن الوجبات الغذائية للزوار ، الحريرة والطاجين ، حيث كل القادمين للزاوية من طالبي العلاج يجب ان يكونوا على صوم تام ،وبعد انتهاء حصة العلاج تقدم للزائر المريض الحريرة ، ثم يوضع طاجين لحم الدجاج لكل مجموعة.

عندما تلج باب الزاوية قد تكون للا زهرة الشريفة البالغة من العمر حوالي 80 عاما منشغلة مع مرضاها ، فتطلب منك ابنتها التي تساعدها في العلاج ،او واحد من اهل الزاوية الدخول الى احدى غرف الانتظار ،حيث تجد أناس من مختلف الطبقات الاجتماعية ، بعضهم اعتاد المكان وبعضهم الآخر لأول مرة يزور الزاوية ، فتجد نفسك محاطا باناس غرباء عنك وعلى فراش بسيط ، عبارة عن حصائر وزرابي او أكسية قديمة جلسوا، يتبادلون أطراف الحديث ،وفي وقت الحر خاصة فصل الصيف يكون ازعاج الذباب كبيرا خاصة لبعض الفئات الغنية التي لم تتعود زيارة مثل هكذا مراكز.
لكن على الزائر ان يعلم ان رمزية وقوة المكان يجب ان تنسيه كل المظاهر المادية التي اعتاد عليها في منزله ، فهو هنا جاء مستسلما طالبا للعلاج بعدما عجز عن الحصول عليه في مصحات الرفاه ،كما على الزائر ان يعي ان هذه الخدمات العلاجية التي تقدمها الزاوية هي في الحقيقة شبه مجانية ،لان جل الوافدين على الزاوية في معظمهم من الفئات الفقيرة التي لم تجد مكانها في المستشفيات العمومية للدولة.

العلاج :نصف متر من الخيط-سطل صغير من الأعشاب المطبوخة -سطل صغير من الحليب والماء الدافئ-وعملية تفريغ

وأنت تتحرق منتظرا لدورك الذي تأخر قليلا تحضر الشريفة للا زهرة منادية ؛أين هذا الذي لا يريد الانتظار ، فتقف لها ملبيا ، ها أندا، للا زهرة بنت مولاي محمد بن مولاي سعيد السكراتي ، أسرة علوية يمتد نسبها للإمام علي ابن ابي طالب رضي الله عنه، أسرة اشتهرت منذ القديم بعلاج التوكال( تسمم المعدة والامعاء) وبومزوي(اضطرابات عصبية لعروق المعدة)تحس وكأن في معدتك حجر ينبض، يمنعك من الأكل .

يحكي فريد عن تجربته الأولى في زاوية سكرات انه جيئ به من الدار البيضاء لا يقوى على الوقوف ، إنهاك تام في جسده وعياء و قلة نوم وانعدام الأكل وهزال شديد ،عجز الأطباء عن تشخيص دائي ، الى ان أرشدني جاري السوسي الذي ألح على والدي كي يحضرني الى هنا ، يقول فريد تجربة واحدة على يد الشريفة للا زهرة والحمد لله استرجعت بها صحتي كاملة ، اليوم عدت فقط لأصل الرحم مع اهل الزاوية ومع للا زهرة وأكرر التجربة مرة اخرى لان الشريفة طلبت مني إعادتها بعد سنة .

فترة الفحص والعلاج تكون في الغالب في النصف الاول من النهار

بواسطة خيط (قنب السكر) تقوم للا زهرة بقياس نسبة التسمم في ذاتك ، بعد ان تسألك ان كنت صائما ام لا ، فان كنت صائما باشرت القياس معك ، وان كنت فاطرا أرسلتك الى الغد صباحا ،بعدها تمسك بساعدك للأعلى وتقيس من المرفق الى أصابع اليد ، ثم تقيس كل أصبع على حدة ، ثم تقيس من الجبين الى الانف،بعدها تخبرك بنسبة التسمم في ذاتك وتأمرك بأخذ سطل صغير من العشوب المعدة لعملية الإفراغ ، حيث تأخذ سطلك مع باقي الآخرين وتتوجهون خارجا في احدى الأحواش التابعة للزاوية ، جزء منها مخصص للنساء وآخر للرجال ، يمسك كل واحد بكأس بلاستيكي فيدليه في سلطه ويشرع في شرب مياه العشوب الدافئة (حوالي لترونصف) ثم يضع أصبعه داخل حلقه كي يعيد تفريغ ما شربه في اناء خاص بذالك الى ان ينتهي من العملية، شيء ما يخرج من الامعاء مخالف للذي شربته ، تحمله بغصن شجرة او عود وكأنه جزء من البلاستيك الشفاف اللزج(انه التوكال ) او التسمم تقول لك الشريفة للازهرة التي طلبت منك من قبل الا تفرغ المحتوى الا بعد ان تعود وتخبرك بذالك ، بعد ذالك تطلب منك التوجه من جديد لإحضار سطل صغير من الحليب الممزوج بالماء الدافئ لتشربه كأسا كأسا ثم تقوم بتفريغه من بطنك بنفس الطريقة الاولى ، وهنا تكون العملية قد انتهت ، فتقدم لك الحريرة ، وبعدها تتناول مع باقي الزوار طاجين المرق بالدجاج .

هنا تنتهي العملية لأصحاب التسمم المعوي (التوكال) اما الذين يعانون من مرض بومزوي ، فانهم يخضعون لعمليات كي خفيف على مستوى البطن دون ان تترك أثرا عليهم بعد ذالك ودون الم .
وفي باحة الزاوية تودع للا زهرة مرضاها ، منهم من تطلب منه العودة بعد 15 يوما ،اوبعد سنة ، وعلى اثرها يقدم لها كل حسب قدره واستطاعته ما جادت به نفسه من أجر للشريفة للازهرة التي لا تطلب منك لا القليل ولا الكثير ، حتى أنها لا تنظر قط في مايقدمه لها مرضاها من نقود ،قلت ام كثرت ،فتضع ذالك في جيبها قائلة الله يخلف.
image
جميلة شابة متزوجة تقيم بفرنسا تقول بأنها وصلت من الإنهاك وشدة المرض ما جعلها عاجزة حتى بان تشد الخمار على رأسها ، وأصبحت تعاني من الضعف الشديد ولم تعد تقوى على رعاية الأبناء، تقول بأنها زارت العديد من المصحات بأوروبا لكن كلمة واحدة كان يرددها الأطباء هو انها خالية حسب التحاليل من اي مرض خطير ،الى ان عادت الصيف الماضي الى تارودانت ،ونصحها أفراد أسرتها بالتوجه لزاوية سكرات ، حيث خاضت تجربة علاجية أولى استطاعت على اثرها بعد شهر واحد ان تستعيد كامل صحتها ولله الحمد ،تقول اليوم عدت بعد تسعة أشهر لاتمم العلاج مع الشريفة للازهرة التي في الحقيقة خيرتني بان أعيد التجربة في منزلي بنفسي او الحضور الى هنا ، لكني تضيف جميلة فضلت الحضور الى هنا لان المكان يشدني اليه.
image
المركز العلاجي زاوية سكرات بحاجة للدعم والاهتمام من لدن المسؤولين
زاوية سكرات التي يدين لها العديد من المرضى بحياتهم ،بعدما قصدوها فاقدين للأمل في الحياة واستردوا صحتهم وعافية أبدانهم بفضل الله وبسببها ،هذه الزاوية او هذا المركز العلاجي بحاجة اليوم لتدخل المسؤولين لمساعدة القائمين على شؤون الزاوية ماديا لإصلاحها وترميم وتبليط وتسوير فضائها المجاور لها حيث تمارس اهم حصص العلاج بها ، في مكان لم يعد صالحا لان يبقى مكشوفا هكذا في العراء.

تارودانت نيوز
أحمد الحدري
imageimageimage

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق