أخبار دوليةالأخبارفلسفة و أدب

الصالونات الثقافية فرصة المثقف لمناقشة تطورات مجتمعه


تعد الصالونات الثقافية من أبرز النشاطات التي يحاول المثقف من خلالها مناقشة التطورات التي يمرّ بها المجتمع، وأن يساهم بشكل أو بآخر في خلق الوعي المناسب للمرحلة التي تمرّ بها بلاده، إذ يزدهر النشاط الثقافي والمجتمعي بشكل كبير بعد الثورات والتحوّلات المجتمعية الكبرى.

صالونات الجاهلية

برزت الصالونات أو ما أطلق عليه “المجالس الأدبية” بشكل واضح في العصر الجاهلي، إذ كان الشعراء يعكفون على مدح الملوك والأمراء، مثلما هو الحال في عكاظ، وغيره من المجالس الأدبية التي كانت تقام لمناقشة الأشعار والقصائد، وتبيان أوجه الجمال بها.

أيضا، أقام سيف الدولة الحمداني واحدا من أشهر المجالس الأدبية، والذي كان يضم عددا كبيرا من الشعراء البارزين مثل المتنبي وأبوفراس الحمداني، فضلا عن المجالس الأدبية في العصرين الأموي والعباسي، ومن أبرزها مجالس المأمون، عبدالملك بن مروان، والشريف المرتضى وغيرهم.

في الأندلس، اشتهرت ولادة بنت المستكفي بصالونها الأدبي الذي كان يضم نخبة من كبار الشعراء والمبدعين مثل ابن زيدون، والذي كان مصدرا لخلود أشعار ابن زيدون، ومنبرا جمع المبدعين في ذلك الوقت للحديث حول إبداعاتهم.

صالونات تاريخية

تعد القاهرة من أبرز العواصم العربية التي انصبت فيها جهود المبدعين على مدار التاريخ في إقامة الصالونات الأدبية البارزة، التي كانت رافدا هاما للثقافة في كافة العصور، إذ برز عدد من الصالونات التي نالت شهرة واسعة في الأوساط الثقافية والفكرية وعلى رأسها صالون مي زيادة.

من الصالونات الحديثة، والتي اكتسبت شهرة كبيرة الصالون الذي يعقده الأديب والطبيب علاء الأسواني
مي زيادة كان ينشر لها باب ثابت في صحيفة المحروسة تحت عنوان “يوميات فتاة”، وصدر لها عدد من الكتب مثل “باحثة البادية”، “ظلمات وأشعة”، “سوانح فتاة”، “بين المد والجزر”، “الصحائف والرسائل”، “وردة اليازجي”، وغيرهم، وكان صالونها الأدبي الذي تقيمه في بيتها كل ثلاثاء من أبرز نشاطاتها، إذ استمرّ لما يقرب من 20 سنة.

وكان صالون مي زيادة الأدبي يضم عددا من أبرز المبدعين في عصرها مثل عباس العقاد وأحمد لطفي السيد وأحمد شوقي وخليل مطران ومصطفى صادق الرافعي، وغيرهم، والذي كانت له آثار واضحة في حركة الأدب والثقافة، إذ أشعل المعارك الأدبية بين رواده، ما ساهم في إنتاج محتوى أدبي متميز، كما ساهم في إبراز أسماء أدبية جديدة لم تكن معروفة من قبل، وازداد رواده شهرة.

أيضا، كان صالون العقاد من الصالونات الرائدة في عصره، والتي أنجبت الكثير من الأطروحات الثقافية والأدبية البارزة والهامة، إذ كان يعقد في صباح كل جمعة بحضور الكثير من الشخصيات العربية البارزة مثل أحمد إبراهيم الشريف، محمد طاهر الجبلاوي، أنيس منصور، أحمد حمدي إمام، عبدالحي دياب، وعبدالرحمن صدقي.

وكان الصالون يناقش الكثير من الموضوعات المتنوعة ما بين الفكر والأدب والفلسفة والنقد، والذي كتب عنه أنيس منصور كتاب “في صالون العقاد كانت لنا أيام”، والذي يعدّ مرجعا هاما عن أهم الإنجازات التي حققها صالون العقاد.

في عام 1987، أسس الشاعر المصري الدكتور أحمد تيمور صالونه الثقافي الشهري في شارع الهرم بالجيزة، معلنا ضرورة تحقيق التنوير بمفهومه الأصيل الذي يسترفد الماضي والحاضر، والاعتماد على التجريب الداخلي، وإشباع الأنواع الأدبية والثقافية المظلومة التي لا تنال من الآخرين كثيرا من الاهتمام.

ونجح الصالون منذ تأسيسه في مناقشة قضايا ثقافية هامة مثل مكانة الشعر في مجتمعات التقنية، والحداثة وما بعد الحداثة، كما نجح في استقطاب عدد كبير من الإعلاميين وأساتذة الجامعة والمثقفين منهم نادر الطويل، محمد حجي، ومحمود الهندي، وإسماعيل إمام، وغيرهم.

image
الصالون يناقش موضوعات متنوعة ما بين الفكر والأدب والفلسفة والنقد
ويعدّ صالون محمد حسن عبدالله من أقدم الصالونات الثقافية في مصر اليوم، والذي يعقد في الجمعة الأخيرة من كل شهر، والذي اتخذ له أهدافا، وهي تنمية المعارف وإشاعة ثقافة التنوير، والتركيز على مناقشة قضايا فكرية وأدبية، والاحتفاء بالإصدارات الجديدة.

أيضا، يعتبر صالون المعادي الثقافي، الذي أسسه الطبيب وسيم السيسي عام 1990، من أبرز الصالونات الثقافية، والتي يتم من خلالها تبادل المناقشات حول المواضيع المختلفة سواء سياسية أو ثقافية.

وفي عام 1987 أسس الشاعر والطبيب أحمد تيمور في منزله بحي الهرم في محافظة الجيزة، صالونه الأدبي، الذي انضم إليه نخبة من المثقفين والمفكرين، ويعنى الصالون بمناقشة كافة القضايا الأدبية والثقافية والعلمية والسياسية.

أيضا، يقيم الدكتور عبدالمنعم تليمة، أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة، صالونا أدبيا في الخميس من كل أسبوع، وتتمّ فيه مناقشة الموضوعات الثقافية والفكرية وغيرها، كما يقيم الدكتور حامد طاهر، أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم، صالونا أدبيا يجمع المثقفين من الأدباء والفنانين والسياسيين والإعلاميين لتبادل النقاش حول القضايا المجتمعية المختلفة.

صالونات متنوعة

ومن الصالونات الحديثة، والتي اكتسبت شهرة كبيرة خاصة بعد ثورة يناير 2011، الصالون الذي يعقده الأديب والطبيب علاء الأسواني، والذي يعقد في فيلا الناشط السياسي ممدوح حمزة بوسط القاهرة، ويحافظ على جمهوره ورواده بشكل مستمرّ.

أيضا، أقام الشاعر المصري بشير عياد، صالونا ثقافيا يحمل اسمه منذ ما يقرب من عام فقط، قاصدا من خلاله أن يهذب الذوق في جميع مناحي الإبداع، ويعقد في الثلاثاء من كل أسبوع، كما أقام الأديب محمد توفيق الديب صالونا ثقافيا يحمل اسمه، ويهدف من خلاله إلى إرساء القيم السامية من خلال الثقافة والفنون.

في الإسكندرية، أسست الشاعرة جيهان حسين صالونا ثقافيا بعنوان “صالون أركان الثقافي”، والذي حاولت فيه محاكاة عدد من التجارب الناجحة للصالونات الثقافية في الإسكندرية مثل صالون زمرة الثقافي وصالون التذوق الثقافي.

التعاطي مع الثقافة لم يعد بالقدر الكافي نظرا إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المضطربة
الكاتبة الصحفية والشاعرة جيهان حسين تحكي تجربتها في إنشاء صالون ثقافي قائلة “كانت البداية تردّدي على مركز أركان للإبداع بكاتدرائية القديس مرقس الأسقفية لمتابعة أنشطته الثقافية والفنية وقيامي بإلقاء محاضرات في أكاديمية الإعلام بالمركز، ولأنني في الأساس شاعرة معتمدة بالإذاعة قبل أن أكون صحفية، ورأيت من حولي عدة تجارب لصالونات ثقافية متميزة مثل صالون التذوق الثقافي لصديقتي أميرة مجاهد، وصالون زمرة الثقافي بالجيزويت وصالونات أخرى، ففكرت في إقامة صالون ثقافي شهري، وعرضت الفكرة على نادر ونيس مدير المركز الذي رحب بشدة وقام بتوفير كافة الإمكانيات من قاعة مجهزة بشاشة عرض وآلات موسيقية، كما منحني كل صلاحيات إقامة الصالون وتنظيمه واختيار ضيوفه بالشكل الذي أراه مناسبا دون أدنى تدخل”.

وتستطرد: بالفعل بدأت باستضافة شعراء معروفين بالإسكندرية ممن لهم تواجد كبير ودواوين ناجحة وجمهور مثل جابر بسيوني ومحمد مخيمر وميسرة صلاح الدين، وأحدثت نقلة نوعية باستضافة أدباء روائيين مثل منير عتيبة لمناقشة أعماله عن طريق نقاد كبار، ثم أصبح نجم الصالون هو الموضوع وليس الضيف، مثل مناقشة “أدب المرأة” باستضافة عدة أديبات في مجالات الشعر والرواية والقصة القصيرة وهكذا.

وتؤكد حسين على أنها تسير بخطوات ثابتة بعض الشيء، وتركز مجهودها في “مذاكرة الضيف أو موضوع الصالون” لتخرج المنصة بشكل مفيد، وهو ما ساهم في التصاعد النسبي لمنحني الصالون.

وتشير حسين إلى أنها قامت باستغلال مواقع التواصل الاجتماعي في تدشين صفحة رسمية للصالون ما ساهم في الانتشار رغم أن التعاطي مع الثقافة بشكل عام لم يعد بالقدر الكافي نظرا للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المضطربة، إلا أن الرهان يظل دائما على العقول الشابة التي تطمح نحو التغيير والتعبير عن الذات ومكنونات المشاعر في حرية وانطلاق.

أما الشاعر بشير عيّاد فيروي تجربة صالونه الثقافي في حديثه مع “العرب” قائلا: لم تكن فكرة عمل صالون خاص بي واردة في ذهني منذ توقّف مجلة “كاريكاتير” في العام 1999، والتي كنتُ سكرتيرا ثم مديرا لتحريرها، فقد كانت المجلة تتيح لي فرصة عمل لقاء أسبوعي بالموهوبين كل ثلاثاء، إحياء لما كان أستاذنا العظيم الشاعر محسن الخيّاط يقوم به معنا في بداياتنا ضُحى الثلاثاء من كل أسبوع بجريدة الجمهورية.

التنوّع في الموضوعات والالتزام سببا في استمرارية بعض الصالونات
ويستطرد: أتيحَت لنا إعادة اللقاء من خلال إذاعة “الشباب والرياضة” التي شرّفني من خلالها الراحل محمد قابيل بمشاركته، والإعلامية هالة جلال، تقديم برنامج “نادي المواهب الشابة” لمدة ساعتين ظهيرة الخميس من كل أسبوع، ووجدنا عددا كبيرا من الموهوبين ينقصهم العلم في مجالي الشعر والموسيقى، فأحييتُ فكرة اللقاء بهؤلاء الموهوبين، وبدأنا نلتقي بهم بالفعل مساء كل ثلاثاء بأحد الأماكن في المهندسين، حيث يشرح الأستاذ قابيل علوم الموسيقى، وأقوم بشرح النحو وعلم العروض للموهوبين في الشعر، وفي هذه التجربة قدمنا عددا هائلا من الشعراء والمطربين، ثم توقّف المشروع بسبب خلاف بين الأستاذ قابيل والإذاعة.

ويضيف عياد: جاءتني فرصة إحياء الصالون مرّة أخرى بعد أن وجدتُ مكانا مناسبا بدار “بورصة الكتب للنشر والتوزيع″ التي تنشر أعمالي، فموقعها المتميّز وسط البلد يسهّل الحضور على الكثيرين، أما المكان فبسيط جدّا لا يسع أكثر من ثلاثين مقعدا وسط الكتب، وآثرتُ أن يكون موعده يوم الثلاثاء أيضا وفاء لأستاذي الشاعر محسن الخيّاط، وكنّا عقدنا العزم على البدء في صيف 2012، لكن باغتني مرض مفاجئ التهم مني عامين كاملين، وبحمد الله استقرت الحالة فبدأنا في أبريل 2014، ونحن مستمرون والحمد لله.

يلفت عياد إلى حرصه على عدة ثوابت في صالونه الثقافي وعلى رأسها القيمة والجديّة، أي لا يخضع لأية مجاملات، ولا يحتفي بالمتسلقين أو المكرسين إعلاميا، إذ يحرص على الاحتفاء بأعمال الكبار المنسيين الذين لا تراهم أثناء أنشطة وزارة الثقافة أو وسائل الإعلام ولا يريقون ماء وجوههم لدى أحد، والاحتفاء كذلك بالمواهب الشابة المبشرة.

ويؤكد أن تجربة صالونه الثقافي تتميز بالتنوّع والثراء إذ يقدّم كل الأنشطة في مجال الأدب والفن، فبالإضافة إلى الأمسيات الشعرية وحفلات التوقيع ومناقشة الكتب (في كل فروع الإبداع) والقراءات النثرية، يقدّم كذلك الصوتيات الأصيلة والنادرة مع الشرح، بمعنى أنهم يحتفون بكبار قرّاء القرآن والمنشدين، وكذلك الشعراء والملحنين والمطربين الكبار، ويشاركه في الصالون الناقد الموسيقي هيثم أبوزيد، الشاعر عادل متولي (مدير دار النشر)، الناقد الشاعر مدحت عبدالدايم، ومن المنشدين يشارك معنا المبتهلان محمد علي جابين وإبراهيم راشد، ومن الأصوات الشابة الفنانان محمد فوزي وعلياء الباسوسي.

يقول عياد: ربما كان هذا التنوّع وهذا الالتزام سببا في الاستمرارية، وبعناد شديد نصرّ على مواقفنا برفض أسماء بعينها، إما لكون أصحابها لم يقدّموا ما يستحق الالتفات إليه وصعدوا إعلاميا بطرق نأباها، أو لكونهم من المتلونين والآكلين على كل الموائد، كما لا نسعى إلى الضجيج الإعلامي، بمعنى أننا نكتفي بنشر تنويه على صفحاتنا بالـ”فيسبوك”.

تارودانت نيوز
متابعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى