أخبار دوليةالأخبارتكنولوجيا

الدول الصناعية الكبرى مرعوبة من خطر التجسس الإلكتروني الداهم


فشلت السياسات الوطنية الخاصة التي اتبعتها العديد من الدول لحماية شركاتها في ردع عمليات التجسس الصناعي الأجنبي، حيث سمح ظهور أجهزة التخزين الرقمية باستقبال كميات أكبر من المعلومات، ومع دخول الإنترنت تضاءلت العقبات الجغرافية والسياسية مما فتح المجال واسعا للتجسس الإلكتروني.

مزايا التجسس الإلكتروني جعلته واحدا من أكثر الوسائل شيوعا لاستهداف الأسرار التجارية للشركات

أدت زيادة الاعتماد على تقنيات الإنترنت واتساع المنافسة في الاقتصاد العالمي في جميع أنحاء العالم، إلى تعزيز التجسس الإلكتروني، للحصول على الممتلكات الفكرية والأسرار التجارية، لا سيما في الدول الصناعية الكبرى.
هذا التجسس بالإضافة إلى خروقات البيانات للشركات القائمة على التكنولوجيا، خلقا شعورا لدى الحكومات الوطنية بالحاجة الملحة إلى إحباط هذا التهديد.

كما تتضافر الجهود الجماعية للبلدان التي تحاول حماية أنفسها ضد الهجمات الإلكترونية الأجنبية، مثل تلك التي تتم بدافع التجسس الصناعي، لتقسيم الإنترنت إلى مجالات تنظيمية مجزأة.

لا يمكن هنا فصل السياسة عن التجسس الإلكتروني الصناعي، ويبدو الصراع الأميركي الصيني واضحا في هذا الميدان، ويظهر جليا في هذا الوقت بالذات، مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن في نهاية سبتمبر الجاري، والتلويح الأميركي بعقوبات على الكيانات الصينية المتورطة في التجسس الصناعي، والتي قد يعتبرها الرئيس الصيني بمثابة استهداف لصورة الصين خلال الجولة الرئاسية.

يرجح المراقبون أن تركز العقوبات على استخدام هجمات في الفضاء الإلكتروني وهي تهدف إلى الحصول على الممتلكات الفكرية والأسرار التجارية.

وتأتي العقوبات المزمعة نتيجة لأمر صادر عن الرئيس الأميركي باراك أوباما يقضي بتفويض وزارة الخزانة لمصادرة الأصول ومنع المعاملات المالية مع الجهات المتورطة في الهجمات الإلكترونية.

وتعتبر عقوبات البيت الأبيض بمثابة بادرة تجاه الصين ولكنها موجهة أيضا إلى الجمهور الأميركي، والذي أصبح أكثر قلقا من عمليات التجسس الصينية في ظل هجمات إلكترونية ضد الشركات الأميركية والمصالح الحكومية رفيعة المستوى.

هذا التحرك الأميركي لا يعني أن الهجمات الإلكترونية اقتصرت على الصين، إذ يشكل التجسس الصناعي، تهديدا منتشرا بكثرة ويمكن أن يظهر في أي بلد. ومع العلم أن أنشطة التجسس الصينية على وجه الخصوص غزيرة، لكن حتى حلفاء الولايات المتحدة مثل فرنسا واليابان وإسرائيل، في مرحلة ما، تحركوا ضد المصالح الاقتصادية الأميركية من خلال جمع المعلومات السرية. وبالمثل، استخدمت الولايات المتحدة التجسس الإلكتروني لاستهداف حلفائها من خلال التجسس الصناعي وأنشطة تجسس أوسع.

قانون توطين البيانات في روسيا يفرض على شركات مثل غوغل وفيسبوك تخزين البيانات في مراكزها أو سيتم حظر خدماتها
وساهم تصميم التكنولوجيات الأساسية للإنترنت من أجل تسهيل تدفق المعلومات بدلا من حصرها في جعل الإنترنت غير آمنة بطبيعتها، وحراسة المعلومات تتطلب أدوات أمنية يكون من الصعب على المهاجم اختراقها أو استغلالها في النهاية. بالإضافة إلى ذلك، عدد مستخدمي الإنترنت في ازدياد مستمر وتعتمد الشركات بشكل متزايد على تكنولوجيا الشبكة العنكبوتية، وهو ما يفتح المجال لتوفر أهداف محتملة للقراصنة. ونتيجة لذلك، من الواضح أن الجريمة الإلكترونية تفوق سرعتها التدابير الدفاعية.
يمكن أن تنطلق تهديدات التجسس الصناعي من كل الجهات الحكومية وغير الحكومية، مثل الأعمال التجارية، والفاعلين المنفردين أو المجرمين المحترفين على الإنترنت، الذين تحركهم إلى حد كبير الأوضاع الاقتصادية في أوطانهم وقيمة الأسرار التجارية التي يمتلكونها حول شركة أجنبية (أو محلية) وما يمكن أن يحصلوا عليه. على سبيل المثال، في الصين، تريد الحكومة ابتكار قطاع التكنولوجيا العالية ويزداد الطلب المحلي على الخدمات عبر الإنترنت والأجهزة ذات التقنية العالية، ويمكن أن يحصل الفرد على حافز مالي كبير للتجسس على شركات التكنولوجيا الأجنبية.

في عام 2013، حدد الباحثون في أمن الشبكات هويّة شخص يعتقد أنه طرف غير حكومي متواجد في الهند يقوم بتنفيذ حملة تجسس إلكترونية تستهدف كل من الحكومة ومصالح القطاع الخاص في العديد من المناطق، بما في ذلك جنوب وشرق آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية.

بالطبع، يمكن للحكومات الوطنية دعم أنشطة التجسس الصناعي أيضا. حيث استطاع قراصنة مرتبطون بالجيش الشعبي لتحرير الصين معرفة تفاصيل حساسة عن الطائرة المقاتلة أف-35 عن طريق الدخول في مساومة مع شركة لوكهيد مارتن في عام 2009.

سمح ظهور أجهزة التخزين الرقمية باستقبال كميات أكبر من المعلومات التي يتعين تحويلها، ومع دخول الإنترنت لهذا المجال في التسعينات تضاءلت العقبات الجغرافية والسياسية، في التجسس الصناعي الذي كان يعتمد إلى حد كبير على تخصصات الاستخبارات البشرية التي تتطلب شيئا من التفاعل مع رجال الأعمال. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب التجسس الإلكتروني كأداة في سرقة الأسرار التجارية، موارد أقل بكثير ويحمل مخاطر أقل بخصوص الملاحقة الجنائية، ويوسع نطاق الفعالين الذين بمقدورهم التجسس على نشاط الشركات على الشبكة العنكبوتية. أي فرد بمقدوره المساومة على شبكات الكمبيوتر هو قادر على استهداف أي شركة من خلال التجسس.

image
44 بالمئة من محاولات قرصنة الشركات الأميركية تأتي من منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ
مزايا التجسس الإلكتروني جعلته واحدا من أكثر الوسائل شيوعا لاستهداف الأسرار التجارية للشركات. وذكر تقرير لشركة سيمانتيك لمكافحة الفيروسات صدر هذا العام، أن خمس من بين كل ست شركات تضم أكثر من 2500 موظف تعرضت لهجمات قرصنة في عام 2014.

واستمرت الحكومة الأميركية لعدة سنوات، بالإعراب عن مخاوفها بشأن التجسس الإلكتروني. وقال تقرير جهاز الأمن الأميركي التابع لوزارة الدفاع إن 44 بالمئة من محاولات القرصنة التي تستهدف شركات في الولايات المتحدة، تأتي من منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ، عبر الهجمات الإلكترونية كونها الأسلوب الأكثر شيوعا.

كما أكد جهاز مكافحة التجسس ومركز الأمن القومي الأميركي أن التجسس الإلكتروني يشكل التهديد الرئيسي للبلاد، وذلك في تقريرهما السنوي إلى الكونغرس في عام 2011 حول المجموعات الاقتصادية الأجنبية. وحاولت العديد من البلدان في وقت لاحق اللجوء إلى الحلول السياسة الداخلية والخارجية في سبيل الحفاظ على مصالحها في الفضاء الإلكتروني. وهذه التدابير غالبا ما تتطابق مع الاحتياجات المناخية والجيوسياسية السياسية الداخلية في البلاد. على سبيل المثال، توجهت روسيا والصين إلى الدفع نحو اعتماد الحوكمة العالمية للإنترنت. لكن واشنطن تركز بشكل أساسي على سياستها الخارجية لردع التجسس الإلكتروني، بدلا من تعزيز حوكمة الإنترنت أو فرض تدابير محلية على نشاطها.

وبسبب الحساسية السياسية بشأن سلطة الحكومة الأميركية على القطاع الخاص، يتعين على الحكومة العمل كشريك على قدم المساواة مع الشركات الخاصة في الدفاع الإلكتروني، إلى جانب العمل على تحسين أمن الجمهور.

يشار إلى أن دمج أمن الشبكات في الضرورات الاستراتيجية للبلد لا يعبر بالضرورة عن رأي الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين بخصوص الحوكمة الإلكترونية على الصعيد العالمي.

ورغم ذلك، اتبعت العديد من الدول سياسات وطنية خاصة بها لحماية الشركات المحلية ضد التجسس الصناعي الأجنبي بالإضافة إلى خدمة الاحتياجات الاستراتيجية الأخرى.

وظهرت قوانين توطين البيانات، التي تقضي عموما بأن تقوم شركات الإنترنت بجمع المعلومات عن مستخدميها في بلد ما بتخزين هذه المعلومات في مراكز بيانات في ذات البلد، وبدأت هذه الطريقة بشكل بطيء خلال العقد الماضي في كل من روسيا والبرازيل وفيتنام وأندونيسيا. وتساهم هذه القوانين في حماية بيانات الأفراد والشركات بشكل أفضل، كما أنها تساعد الحكومات في مراقبة الاتصالات داخل بلدانهم. ومن شأن قانون توطين البيانات الذي تم تمريره في روسيا في عام 2013، أن يطلب من شركات مثل غوغل وفيسبوك وتويتر تخزين البيانات في مراكز في روسيا أو يتم حظر خدماتها في البلاد. ولا تزال بلدان أخرى، مثل الهند والصين، تدرس هذه التدابير.

هذا الشهر، يناقش البرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي المسودة النهائية لتوجيهات الوكالة الأوروبية للأمن والتي، في حال اعتمادها، من شأنها أن تدفع الدول الأعضاء إلى إخضاع الشركات القائمة على الإنترنت لقواعد صارمة للأمن الإلكتروني. وتشمل هذه التدابير تقديم الشركات تقرير للسلطة عن اقتحامها في الفضاء الإلكتروني، ولكن العديد من الشركات التي وقعت ضحايا للتجسس الصناعي تتردد في القيام به.

وتبقى أنشطة التجسس، خاصة تلك التي تم ارتكابها خلال هجمات إلكترونية، بعيدة عن إمكانية الرد العسكري. ومن غير المرجح مثلا أن تلجأ الولايات المتحدة إلى الرد العسكري رغم وصف البنتاغون في عام 2011 الهجمات الإلكترونية بأنها عمل من أعمال الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى