اليوم الخميس 21 نوفمبر 2019 - 8:25 صباحًا

إشكالية الحرية في مشروع قانون الصحافة بالمغرب

أخر تحديث : الإثنين 16 نوفمبر 2015 - 12:35 صباحًا
تارودانت نيوز | بتاريخ 15 نوفمبر, 2015 | قراءة

مقدمة في السياق العام

هل يمكن الحديث عن مجتمع ديمقراطي في غياب حرية الإعلام؟ هل يمكن تصوُّر ديمقراطية ما دون توافر وسائل إعلام حرة؟ هل وجود إعلام حرٍّ دليل ديمقراطية؟

قد لا تقتصر الاستفهامات على هذه الأسئلة الثلاثة؛ بل قد تتعدَّد وتتفرَّع حسب زاوية النظر وطبيعة المقاربة المراد اعتمادها، وسواء اكتفينا بما قدَّمناه من أسئلة، أو وسَّعنا مجال التساؤل إلى ما سواها، فإن الثابت -بالدراسات النظرية وبملاحظة واقع الحال على الأرض- أنه من المتعذَّر حقًّا -ربما لدرجة الاستحالة- الحديث عن ديمقراطية أو عن مسلسل ديمقراطي، دون وجود إعلام حرٍّ ومستقلٍّ؛ إذ إن حرية الإعلام واستقلالية الإعلاميين، لازمة ضرورية لأي تطور ديمقراطي، لا بل إن هذه الحرية إنما تُعتبر مقياس ومؤشر مستوى دَمَقْرَطَة هذا البلد أو ذاك.

ثم إن الإعلام هو انعكاس للحركية الديمقراطية التي تموج بداخل المجتمع، التي من شأنها -إن تسنَّى لها أن تحترم حرية التفكير والرأي والتعبير- أن تُفرز خيارات سياسية بهذه الوجهة أو تلك، فيكون الإعلام بذلك فاعلًا إذا لم يكن سياسيًّا مباشرًا(1)، فعلى الأقل فاعلًا مؤثِّرًا في بناء أو إعادة بناء الفضاء العامِّ، من خلال تزويد المواطنين بالمعلومات والمعطيات الأساسية للنقاش العمومي، ومواكبة ذات النقاش في الزمن والمكان.

لذلك فعندما يُطالب الجسم الإعلامي (إعلاميون ومقاولات إعلامية على حدٍّ سواء) بضرورة تكريس الحق في الإعلام، وإخراج قوانين لضمان الحق في النفاذ إلى المعلومات، والحرية في نقل الأخبار وتزويد الجمهور بها، فإنهم هنا إنما يُطالبون بتوفير مناخ من الحرية للفعل الإعلامي، وخلق مسالك تفاعله مع المجتمع أخذًا وعطاءً؛ بيد أن المطالبة بتوفير هذا المناخ -تشريعًا وممارسةً- لا يمكن بالمقابل أن تقوم أو تستقيم إذا لم تترافق بمجموعة واجبات ومبادئ وقواعد لا يمكن للإعلامي أن يتجاوزها أو يتجاوز عليها، وهي التي تعبِّر عنها الأدبيات الرائجة بميثاق شرف المهنة أو أخلاقيات المهنة؛ بالتالي فإن مسألة المعايير المهنية إنما هي عنصر جوهري، لا بل رافد أساس لمسألة حرية الإعلام.

إذا لم يستحضر المرء هذا البُعْد (بُعْد المزاوجة بين الحرية والمهنية)، فكيف له أن يُبَرِّر سلوك إعلامي يطالب بالحرية في الإعلام وبالحق في ممارسته دون إكراهات، وهو لا يقدِّم لجمهوره معلومات دقيقة، بمواصفات مهنية محدَّدة، ودون استسلام أو انجرار خلف الإشاعة أو المزايدة أو الدوس على حرية وحقوق الآخرين؟

الرقابة الذاتية (الملمح إليها هنا) ليست -كما قد يبدو الأمر لأول وهلة- تحجيمًا لحرية التعبير، ولا عائقًا بوجه ممارسة حقٍّ ما في الإعلام (ولا عيبًا في حدِّ ذاتها حتى)؛ بل هي تعبير عن استبطان واعٍ من لدن الإعلامي لوظيفته، وامتثاله لأخلاقياتها، واقتناعه بأن حرية الإعلام ليست “شأنًا” مطلقًا؛ بل هي “شأن عامٌّ” محكوم بسياق ومؤطَّر بمتاريس ومحاذير.

لذلك نلاحظ أنه حتى في الدول المتقدمة؛ حيث تُصَنَّف حرية التعبير ضمن الحقوق الأساسية “الأصيلة”، فإن حرية الإعلام ليست “شأنًا” مطلقًا؛ بل هي “شأن عامٌّ”، على الإعلامي من بين ظهرانيِّها أن يتقيَّد بأخلاقيات مهنية محدَّدة ومضبوطة، ضمانًا ليس فقط لحرية المجال الذي يشتغل في ظلِّه؛ بل -أيضًا- حفاظًا على حرية التعبير، التي تتعثَّر في غيابها أو في الارتداد عنها كلُّ آليات ومفاصل العملية الإعلامية (ومفاصل الديمقراطية الناظمة لها ولما سواها من عمليات).

ومع أن حرية التعبير لا تعدو في حدِّ ذاتها كونها حقًّا أساسيًّا ضمن باقي حقوق الإنسان (وفي قول بعضهم: لا تعدو كونها حقًّا “ثانويًّا”)، فإن خاصيتها الفريدة أنها عنصر أساس لتجسيد وترجمة وضمان باقي الحقوق والحريات؛ إذ لو كان لمجتمع ما أن يقطع مثلًا مع ممارسات انتهاك حقوق الإنسان (على الأقل بجانب احترام الحق في الحياة والعيش الكريم)، فإن حرية التعبير هي إحدى أدوات ذلك، إذا لم يكن بزاوية القطع مع نهج هذه الممارسات، فعلى الأقل بجانب فضحها كأسلوب وسلوك، والتشهير بالذين يثوون خلفها أفرادًا كانوا أو مؤسسات. ثم إن حرية التعبير، وضمنها حتمًا حرية الإعلام، لا تعتبر فقط -في ظل مجتمع ديمقراطي، أو ينشد الديمقراطية كأفق- عضد الحرية وركيزتها؛ بل هي عمودها الفقري، سواء تعلَّق الأمر بحرية التعبير عن الآراء المقبولة وغير “الخادشة” للحياء العام، أو بتلك التي قد تذهب إلى حدِّ الاصطدام مع المتلقي، أو التعارض مع مواقفه وقيمه وتمثلاته(2).

وهو أمرٌ (أقصد: أمر الاصطدام والتعارض) قد لا يتساوق دائمًا مع ثقافة هذه الدولة المتطلعة إلى الديمقراطية أو تلك، وقد لا يساير بناءها التدريجي لهذه الأخيرة؛ لكنه قول مثالي خالص، تنصح به العديد من المنظمات الدولية والإقليمية، ليس فقط طموحًا يستحقُّ الصبر والمثابرة؛ بل -أيضًا- غاية لا مندوحة لأية ديمقراطية، أو مسلسل ديمقراطي، عن سلوك سبيلها في الحال كما في المآل.

إن توافر إعلام حرٍّ ومستقل، لا يعتبر (مرة أخرى) رافدًا لحرية التعبير فحسب؛ بل هو الذي يُجسِّد هذه الأخيرة، يترجمها ويُعبِّر عنها في الزمن والمكان؛ لذلك فهي هنا إنما تستوجب حماية خاصة وحضانة مستمرِّة، درءًا لكل خطر قد يُداهمها، وتجنُّبًا لكل انزلاق قد يطولها؛ بيد أن هذه المسلَّمَة لا يجب أن تبقى دون ترسيم للحدود (أعني حدود هذه الحرية)، لاسيما فيما يتعلَّق باحترام حرمة الآخرين وخصوصيتهم وحقوقهم، أحياء كانوا أم ميتين؛ لكن ذلك الترسيم لا يجب في المقابل أن يضيِّق من مجال فعل الممارسة الإعلامية؛ بل يجب أن يقتصر على رسم الإطار القانوني العمودي العام، وترك التنظيم الأفقي للفاعلين بالسوق؛ أي للإعلاميين أنفسهم؛ إذ المفروض في السلطات العمومية ألا تحدَّ باللوائح والتشريعات من حرية التعبير، ومن ثَمَّ من حرية الإعلام، إلا بمقدار محدَّد بدقَّة، غير قابل للتأويل أو للتمطيط؛ فإذا ما تمَّ هذا التحديد بصيغ هلامية وعامَّة من لدن المشرع، فإن من شأن ذلك أن يُخضعه للتأويل، فيسقط الفعل الإعلامي تلقائيًّا -نتيجة لذلك- تحت رحمة السلطة أو تحت طائلة اجتهاد القضاء.

صحيح أن القضاء لا ينطق إلا بما تضعه القوانين وتسنُّه التشريعات؛ لكنه قد لا يجد غضاضة في إعمال مبدأ “الاجتهاد” عندما تكون ذات النصوص والتشريعات غير دقيقة، وغير محدَّدة، وتُحيل على اصطلاحات هلامية من قبيل “القيم المقدسة للبلاد”، أو “الحياء العام”، أو “النظام العام”، أو ما سواها، فيقضي بسجن هذا الصحفي أو تغريم تلك المؤسسة بجريرة نصٍّ ناقص أو “جريمة” غير مكتملة الأركان.

في سياق حرية الإعلام بالمغرب

لا يستطيع المرء الادعاء بأن المغرب قد تخلَّف كثيرًا عن إدراك حقيقة أن البناء الديمقراطي لا يمكن أن يقوم ويتقوى إلا بتوفر مناخ من حرية التعبير؛ ومن ثمة من حرية الإعلام. على العكس من ذلك، فقد تم استحضار هذا البعد في مختلف النصوص التأسيسية الكبرى منذ دستور المغرب المستقل لعام 1962، وإلى حدود دستور عام 2011؛ بيد أن الممارسة على الأرض لم تكن دائمًا في مستوى ما بشَّرت به الدساتير أو سنَّته اللوائح والقوانين والتشريعات.

ومعنى هذا أنه بجلِّ قوانين الصحافة التي سنَّها المغرب؛ ابتداء من قانون عام 1958 وإلى حين تقديم مشروع مدونة الصحافة والنشر الحالي، مرورًا بقانون عام 2002، لم تتم الإشارة إلى مسألة حرية الإعلام إلا في ديباجة هذا القانون أو ذاك، وفيما سوى ذلك لم يخرج المشرِّع وبجل هذه القوانين، عن فلسفة سنِّ وتشديد العقوبات السالبة للحريات الإعلامية، من سجن للإعلاميين، ومصادرة للمنشورات، ومتابعات بالغرامات، وما سوى ذلك.

التشريع هنا لم يمنح السلطات العمومية صلاحيات كبرى لمراقبة وممارسة الرقابة على المطبوعات الإعلامية (وعلى الإذاعة والتلفزيون أيضًا)؛ بل أطلق يد القضاء -أيضًا- لتأويل “التجاوزات”، وتصنيفها ضمن التهم والجرائم التي تستوجب السجن(3)، أو المصادرة، أو منع هذا الصحفي أو ذاك من الكتابة(4).

وعلى الرغم من أن الفصل التاسع من دستور عام 2006، آخر دساتير ما قبل انتفاضة 20 فبراير/شباط من عام 2011 (وهي الصيغة المغربية للحراك العربي)، أكَّد حرية الرأي والتعبير بكل أنواعها وأشكالها؛ فإن القوانين التي سبقته أو رافقته، بقيت “وفية” لمنظومة العقاب التي قد تطول هذا الإعلامي أو ذاك (هذا المنشور أو ذاك) بمجرد تجاوزه لـ”الخطوط الحمر” القائمة، أو بمجرَّد تظلم هذا الطرف النافذ أو ذاك لدى الجهات القضائية. هي عقوبات مسطرة في القوانين ذات التطبيق العام، من قبيل القانون الجنائي تحديدًا؛ لكن إعادة تسطيرها وتأكيدها في القوانين الخاصة بالإعلام، إنما مردُّه التذكير من باب التحذير، بما هو مادة للمنع والمتابعة، لاسيما فيما يتعلَّق بالتشهير والتشنيع.

ومع أن العديد من التجارب الأجنبية لا يعتد بالتشهير مثلًا، ولا يأخذ به كـ”جريمة” تستوجب عقوبة سالبة للحرية، ما دام أن العقوبات المدنية كافية لردع المشاكل المترتبة عن التشهير؛ فإن المغرب لم يأخذ بها، وأبقى عليها ضمن الجرائم التي تستوجب المساءلة بمنطوق قانون الإعلام والقانون الجنائي.

كما نرى أن قوانين الصحافة منحت السلطات الإدارية العمومية صلاحيات واسعة لمنع ومصادرة منشور ما وإتلافه، إما بمسوغ “مقبول”، أو بخلفيات سياسية، تكون الغاية منها “تصفية الحساب” مع هذه الجهة أو تلك، أو من باب كسر جرأة هذا المنبر أو ذاك(5).

حتى إن سلكت السلطات الإدارية في ذلك سلوكًا مسطريًّا سويًّا باللجوء إلى القضاء لاستصدار قرار مستعجل بالمنع أو المصادرة، فإن القضاء ذاته غالبًا ما تتساوق أحكامه مع ما تريده السلطات ذاتها وترتضيه؛ حتى إن تسنى له (استثناء) إنصاف هذا المنبر أو ذاك، فإن ذلك يأتي متأخرًا؛ وللإيهام بأن القضاء سلطة مستقلة، في حين أن الثابت حقًّا أن القضاء مستوى تابع في الغالب الأعم، وليس “متبوعًا” إلا في حالات محدودة للغاية.

وعلى هذا الأساس لم تفتأ المنظمات الدولية -كما الوطنية على حدٍّ سواء- تطالب بضرورة إلغاء العقوبات الحبسية في حقِّ الإعلاميين، وتعويض تطبيق بنود القانون الجنائي ببنود القانون المدني، ولم تفتأ -أيضًا- تطالب بشطب بنود المنع والمصادرة والتعليق من قانون الصحافة، وتلحُّ على أنه ليس من حقِّ السلطات الإدارية أو رجال السياسة أو الشرطة، أن يصادروا منشورًا أو يمنعوا مطبوعًا دون إشعار القضاء (على عِلَلِه)، والعمل تحت لوائه.

ثم إن قوانين الصحافة بالمغرب منذ عام 1958 وإلى حين بروز ملامح المشروع الحالي، تعدت العقوبات السالبة للحرية، والمنع والمصادرة (اللذان يُشكِّلان عقوبة سالبة لحرية الممارسة)، إلى التدخل في طبيعة المضامين التي يشتغل عليها الإعلاميون؛ وهي بنود “زجرية”، “اعتباطية” وغير محددة الإطار، لا بل تبدو غير مبررة؛ فعندما ينص قانون الصحافة على ضرورة احتكام الإعلاميين إلى أخلاقيات المهنة، وترويج معلومة بمواصفات معينة، فإن القانون ذاته إنما يتجاوز وظيفته، ويتدخَّل في اعتبارات مهنية ليس له أن يتعرَّض لها أصلًا باعتبارها من مجال المهنة لا من مجاله.

يطرح الإشكال ذاته فيما يتعلَّق بالمعلومات غير الصحيحة؛ إذ لا يعتبر ترويجها من لدن الإعلام (في البلدان الديمقراطية) “مسًّا بالسلم العمومي”، يستوجب منع المنشور الذي تداولها من لدن السلطات العمومية أو القضاء؛ بل هو من صميم أخلاقيات المهنة التي لها أن تبت في “النازلة”؛ ثم إن قوانين الصحافة (قوانين ما قبل المشروع الحالي) تشارف على تجريم التعرُّض بالتشهير للشخصيات العمومية (بالتأويل الإداري أو القضائي تحديدًا)، فتمنح لهم “حماية خاصة” ضد ذلك، في حين أن المفروض ألا يتم منحهم هذه الحماية، باعتبارهم مؤتمنين على المال العام، وعرضة للنقد والمراقبة والمحاسبة من لدن جهات عدَّة، ومن ضمنها الإعلام.

بامتداد لذلك، وفي غياب قانون يضمن الحق في الولوج إلى المعلومة، فإن الإعلاميين قد يروِّجوا لأخبار قد تكون حقيقية وفق هذا المصدر أو ذاك؛ لكنها صعبة الإثبات في حال تعذُّر الحصول على المعلومات من مصدرها الأصيل، أي من أروقة هذه المؤسسة مثار “الشبهة”.

لذلك نجد أن العديد من الشخصيات العمومية غالبًا ما تلجأ للمحاكم بغاية “الإنصاف” ضد ما يعتبرونه تشهيرًا، فيستصدروا أحكامًا قاسية في حقِّ إعلاميين لا سبيل لديهم لإثبات صحة المعلومة المروَّجة، ما دام أن القانون لا يمنحهم حقَّ الحصول عليها من المصدر، ولا صلاحية للمحاكم، والحالة هاته، أن يجبروا المدعى عليه باستخراج الوثيقة، ما دام الأمر ليس موضوع الدعوى المرفوعة.

هل تجاوز منطوق المشروع الحالي القوانين التي تحدُّ من الحريات الإعلامية؟

قد يكون الجواب -في هذه الحالة- سابقًا لأوانه؛ إذ إن قانون الصحافة والنشر المتحدَّث عنه هنا لا يزال مجرَّد مشروع حكومي؛ أي إنه لم يخضع بعدُ للمناقشة بالبرلمان، بغرض تنقيحه أو تغيير بعض مضامينه بالحذف أو الإضافة أو التدقيق؛ بيد أن ارتكاز المشروع ذاته على بنود الدستور الجديد (دستور عام 2011) والتزام الحكومة -المترتبة عن ذات الدستور- بحرية الرأي والتعبير، يشيان بالتوجه العام الذي ستسير في إطاره الحريات الإعلامية.

أ‌- التأطير الدستوري لحرية الإعلام
ليس ثمة من شك في أن دستور عام 2011 قد أفرد إطارًا “متقدِّمًا” فيما يخصُّ الدفع بحرية الإعلام، ليس فقط على مستوى الديباجة والبنود التصديرية المحيلة على احترام المغرب لحقوق الإنسان؛ ولكن -أيضًا- على مستوى التنصيص على مركزية حرية الإعلام في العمران المؤسساتي الجديد.

يؤكد الدستور في الفصل 28 أن “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة. للجميع الحق في التعبير ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية ومن غير قيد، عدا ما ينصُّ عليه القانون صراحة…”. ويقرُّ في الفصل 25 بـأن “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها”. ويذكر -في الفصل 27 بخصوص الحقِّ في الولوج إلى المعلومات- أن “للمواطنات والمواطنين حقَّ الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. لا يمكن تقييد الحقِّ في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلَّق بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة”(6).

بالارتكاز على هذه التوجهات الكبرى، التزمت حكومة ما بعد دستور عام 2011، في تصريحاتها المتتالية وبالمشروع الذي نحن بإزائه هنا على وجه الخصوص، بـ”تحسين قانون الصحافة وإدماج النصوص المتعلقة بالصحافة والنشر في نص واحد، وضمان حرية الرأي والتعبير، والحق في المعلومات، وممارسة هذه الحرية في إطار المسؤولية واحترام القوانين المعمول بها، وكذا بنود الدستور الجديد”(7).

لذلك عندما عمدت وزارة الاتصال (صاحبة الوصاية على القطاع)، إلى صياغة قانون جديد للصحافة والنشر؛ فإنها استحضرت ضرورة تضمينه المعطيات الكبرى التالية:

احترام سمو القوانين المنظمة لقطاع الصحافة والنشر.
ضمان الحقِّ في النفاذ إلى المعلومات ذات الطابع العمومي.
تسهيل التنظيم الذاتي للفاعلين بالقطاع.
تحديد علاقة القطاع بالقضاء.

ب‌- محاور مشروع قانون الصحافة والنشر
لا يسمح المجال هنا باستعراض كل البنود التي تضمنها مشروع قانون الصحافة والنشر بالمغرب(8)؛ لكنه بالإمكان إبراز المحاور الكبرى التي راهن، ولا يزال يراهن عليها ما دام أن المشروع لم يُعتَمَد بعدُ في صيغته النهائية:

أولًا: إدماج النصوص المتعلقة بالصحافة والنشر في قانون واحد، يتضمن قانون الصحافة وهوية الصحفي المهني، وقانون المجلس الوطني للإعلام، وقانون الصحافة الإلكترونية.
الأساسي في هذا الإدماج هو تضمين قانون الصحافة لبنود تكفل توسيع ضمانات ممارسة مهنة الصحافة، لاسيما إلغاء العقوبات السالبة للحرية، من خلال تقوية دور القضاء ومراجعة نظام العقوبات والمتابعات في القضايا المرتبطة بالتشهير.
ثانيًا: تضمين قانون الصحافة والنشر بنودًا تضمن الحقَّ في النفاذ إلى المعلومات العمومية، مع تحديد آجال معالجة الطلبات والجهات المسؤولة والاستثناءات الواردة ومسائل التظلم، في حالة لم تحترم هذه الجهة أو تلك هذه البنود.
ثالثًا: التزام السلطات العمومية بضمان استقلالية وسائل الإعلام، لاسيما وسائل الإعلام العمومية وتوسيع هامش الفاعلين بها.
رابعًا: وضع الإطار العام لممارسة الصحافة الإلكترونية مع صياغة قانون شامل يضع الإطار القانوني لحرية الصحافة الإلكترونية.
خامسًا: الارتكان في المنازعات إلى قانون الصحافة والنشر دون سواه من قوانين، لاسيما القانون الجنائي.
سادسًا: إنشاء مجلس وطني للإعلام يكون من شأنه السهر على احترام أخلاقيات المهنة، والبت في المنازعات ما بين مكونات الحقل الإعلامي، أو فيما بين وسائل الإعلام وبين الأفراد.

ج‌- حذف العقوبات الحبسية وتشديد الغرامات
لدى تصفحنا لمواد وبنود مشروع قانون الصحافة والنشر، نلاحظ معاودة التذكير (في المادتين 3 و4) بالتنصيص الواضح للدستور على حرية الصحافة، وحق الأفراد والجماعات في التعبير والنشر، وفي الولوج إلى مصادر الخبر والمعلومات، لاسيما المتوفرة لدى الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بالمرفق العام.

لا ينص القانون جهارة على حذف العقوبات السالبة للحرية؛ لكن عدم التعرض لها أو الإتيان على ذكرها، يفيد قطعًا بأنها لم تعد واردة لا بالجملة ولا بالتفصيل في مجال الصحافة والنشر؛ بيد أن ما سوى ذلك لم يتغير كثيرًا، لاسيما فيما يخصُّ الحجز والتغريم والمصادرة وغيرها.

تقول المادة 76 من مشروع القانون ما معناه: يتم الحجز وفق المادة 31، إذا تضمنت إحدى المطبوعات إساءة للدين الإسلامي، أو للاحترام والتوقير الواجبين لشخص الملك وأصحاب السمو الملكي والأمراء والأميرات، أو التحريض على الوحدة الترابية.

كما يعاقب القانون (في المادة 77) بغرامة من 20 ألف درهم إلى 200 ألف درهم، كل مَنْ قام بسوء نية، بنشر أو إذاعة أو نقل نبأ زائف أو ادعاءات أو وقائع غير صحيحة أو مستندات مختلفة، أو مدلس فيها منسوبة للغير، إذا أخلَّت بالنظام العام، أو أثارت الفزع بين الناس، بأية وسيلة من الوسائل… ويعاقب على نفس الأفعال بغرامة من 100 ألف إلى 500 ألف درهم، “إذا كان للنشر أو الإذاعة أو النقل تأثير على انضباط أو معنوية الجيوش”.

بالآن ذاته، تفرض غرامات على كل من تعرض لشخص وكرامة رؤساء الدول والحكومات ووزراء الخارجية والممثلين الدبلوماسيين أو القنصليين المعتمدين بالبلاد (الفصل 85 و86).

كما يتم تغريم القذف في حق المجالس والهيئات القضائية، أو المحاكم، أو الجيوش أو الهيئات أو الإدارات العمومية، أو في حق وزير أو عدة وزراء من أجل مهامهم. ويسند النظر في المخالفات إلى القضاء الذي من صلاحياته، عندما يصدر الحكم، أن يأمر بنشره أو بثه أو باعتماد أية دعامة أخرى للإخبار به(9).

هل سينجح المشروع الحالي في توسيع هامش الحرية الإعلامية بالمغرب؟

ليس ثمة شك في أن تنصيص قوانين الصحافة السابقة على العقوبات السالبة للحرية في مجال الصحافة والنشر، إنما تعتبر إحدى النقط السوداء التي لطالما ناهضها الإعلاميون ومنظمات المجتمع المدني الوطنية والدولية ذات الصلة، ناهيك عن كونها كانت تضع المغرب في ذيل الترتيب العالمي بمقياس حرية التعبير والرأي والنشر(10).

لذلك، فإن حذفها من مشروع القانون الحالي هو أمر يسير في الاتجاه الصحيح كما يقال، إذا لم يكن بجهة توسيع مجال الفعل الإعلامي، فعلى الأقل لتخليص الإعلاميين من عقوبة مسلطة، أو ملوح بها في وجه كل من تجاوز منطوق قانون الصحافة، والذي تحول حقًّا إلى قانون جنائي خاص بالإعلاميين.

أما ما سوى ذلك، فقد بقي مشروع قانون الصحافة والنشر حمَّالًا للعديد من ملامح القوانين السابقة، بنفس ضبابيتها وهلاميتها:

أولًا: في الحجز؛ ينص المشروع الحالي على أن حجز المطبوعات يتم إذا تضمنت هذه الأخيرة “إساءة للدين الإسلامي أو الإساءة للاحترام والتوقير الواجبين لشخص الملك وأصحاب السمو الملكي والأمراء والأميرات أو التحريض على الوحدة الترابية وفقًا لأحكام الدستور”.
لن يختلف اثنان في هذه النقطة، حول بديهية ضرورة احترام الدين الإسلامي، وشخص الملك والعائلة الملكية والوحدة الترابية وما سواها؛ لكن من ذا الذي من “صلاحياته” تحديد أين تبدأ الإساءة للإسلام وأين تنتهي؟ وهل انتقاد قرار اعتمده الملك، يدخل في باب عدم الاحترام لشخصه، لاسيما أن الملك هو رأس الجهاز التنفيذي؟ ثم هل إبداء رأي بخصوص طريقة تدبير ملف الصحراء يعتبر مسًّا بالوحدة الترابية؟
إن مسألة تحديد من له “السلطة التقديرية” في ذلك مسألة جوهرية؛ لأنها قد تبدأ بالتقدير المزاجي، ولا تنتهي إلا بالتقدير المحيل على تصفية حساب مع هذا المنبر أو ذاك.
ثانيًا: في الغرامات؛ تنص المادة 77 على غرامة تصل إلى 200 ألف درهم على كل من قام بنشر خبر زائف أو ادعاءات أو وقائع غير صحيحة… إذا أخلَّت بالنظام العام… وبغرامة قد تصل إلى 500 ألف درهم إذا كان للنشر أو الإذاعة أو النقل تأثير على انضباط أو معنوية الجيوش(11).
مصطلح “النظام العام” هنا أيضًا يطرح إشكالًا من ناحية المضمون والمقصد؛ “النظام العام” مفهوم هلامي، غالبًا ما تُؤَوِّلُه وزارة الداخلية بالصيغة التي ترتضيها ووفق حساباتها هي؛ لذلك فإن عدم رسم حدوده بدقة يمنح الإدارة (والقضاء أيضًا) سلط تقديرية قد لا تسير بالضرورة باتجاه احترام حرية الإعلام.
التساؤل نفسه يطرح فيما يخص انضباط ومعنوية الجيوش؛ إذ هل القول مثلًا من لدن هذا المنبر أو ذاك، بأن فئة من الضباط تقتات على الريع قول مجرَّم، يستوجب متابعة المنبر إياه بغرامة قد يهون أمامها قطع الأعناق؟
ثالثًا: في المس بكرامة الآخرين؛ ينص مشروع القانون على غرامة قد تصل إلى 300 ألف درهم، في حال المس بشخص وكرامة رؤساء الدول، ورؤساء الحكومات، ووزراء الشؤون الخارجية والممثليات القنصلية والدبلوماسية المعتمدة بالبلاد.
السلطة التقديرية هنا -أيضًا- هي المحتملة؛ إذ هل القول مثلًا بأن هذا الرئيس أو ذاك قد وصل للسلطة ببلاده بانقلاب دموي، أو أنه حصل على عمولات أجنبية بهذه الصفقة التجارية أو تلك… هل يعتبر ذلك مسًّا بشخصه وكرامته يستوجب المتابعة بالغرامة؟
رابعًا: في القذف والسب؛ السلطة التقديرية بهذا الباب أيضًا واردة؛ إذ القول مثلًا: إن القضاء غير عادل، أو إن الإدارة مرتشية أو ما شابه، قد يكون من باب القذف والسب، في حين أنه قد لا يكون كذلك من منظور واقع الحال؛ فكيف نغرم، والحالة هاته إعلاميًّا جاهر بذلك أو نشره من على منبره، أو تفوه به بهذا اللقاء أو ذاك؟
خامسًا: في القضاء؛ ينص مشروع القانون في المادة 97، على أن يسند “النظر في المخالفات لمقتضيات هذا القانون إلى المحاكم”؛ بهذه النقطة كذلك، يبقى مصير المنبر معلقًا إما بقرار نيابة عامة قد تتجاوز حدودها، فتكون أداة لتصفية حساب هنا أو هناك، أو بتقدير قضاة قد لا يتوانون في التطبيق الحرفي للنص أو المبالغة في تأويل هذا الأخير، بما لا يخدم دائمًا حرية الإعلامي أو حمايته من المتابعة بالغرامة.
يبدو أننا سنكون هنا بإزاء “دولة القضاء”؛ التي سيصبح القانون بمقتضاها ليس أداة حماية الحقوق؛ بل وسيلة “تصيد” التجاوزات ووضعها على محك المتابعة التي قد تبدأ وقد لا تنتهي.
سادسًا: إذا كانت كل القضايا المتعلقة بالمخالفات تحال إلى المحاكم، فما الجدوى من إحداث مجلس وطني للصحافة؟ أليس من الأجدى أن تحال كل هذه القضايا إلى ذات المجلس للبت فيها أو للوساطة، ومنحه سلطة تقريرية من شأنها ضبط القطاع، وتنظيمه من داخله لا من خارجه، كما الحال مع هيئة المحامين؟

استنتاجات

يبدو لنا بالمحصلة الأولية على الأقل، أن هذا المشروع وإن استجاب لمطلب إلغاء العقوبات السالبة للحرية، فقد عمد إلى تعويضها بغرامات من شأنها، إن تم إعمالها بانتظام وصرامة، أن تكون أداة ناجعة لتقليص ليس فقط فضاء حرية الإعلامي، بل -أيضًا- لتضييق مجال الفعل الإعلامي بشكل عام.

والواقع أن المتأمل في المشروع لا يمكن إلا أن يلاحظ أن هذا الأخير قد أعطى رجل الإعلام (صحفيين ومؤسسات إعلامية) أكثر مما أعطى الحقل الإعلامي؛ إذ لو سلَّمنا بأن الإعلامي قد بات في مأمن من العقوبات الحبسية، فإن سيف الغرامة سيلاحقه أو يلاحق المؤسسة التي يعمل بها، فيصبح الحذر والحيطة والتخوف من احتمالية التغريم دائمًا واردًا، مما يخلق مناخًا يضيع فيه التحقيق وتتراجع من بين ظهرانيه القابلية للبحث عن المعلومة “الطازجة”.

وإذا علمنا أن الصحافة غالبًا ما “تقتات” على السبق الصحفي، وأخبار الفاعلين بالمجال العام، فإن أية هفوة أو “تجاوز” سيكون ثمنه عشرات الآلاف من الدراهم، وإن تكررت النازلة، فستسقط المؤسسة بجريرة ذلك في منظومة إفلاس تلقائي لا تستطيع النهوض بعدها إلا على حساب تشديد الرقابة على إعلامييها، وثنيهم عن البحث فيما قد يكون مثار غضب هذه الجهة أو تلك.

ولو علمنا من ناحية أخرى أن القضاء الذي من المفروض أن يبت في قضايا التغريم، هو قضاء نسبية الاستقلالية من بين ثناياه ضعيفة للغاية، فقد يسقط المرء جراء ذلك في حقل لن تحكمه بنود القانون، بل تقوده تأويلات قضائية قد لا تكون خلفياتها دائمًا براء من التدخل.

قد يكون كل ما سبق اجتهادًا من لدننا خالصًا؛ لكن الذي قد لا يقبل الاجتهاد في حالة النشر والصحافة، إنما حقيقة أن القانون وحده لا يمكن أن يخلق مجالًا إعلاميًّا. الذي يخلقه برأينا هو أن يكون القانون إياه توجيهيًّا مرنًا، وتكون أخلاقيات المهنة محددة بدقة، صارمة و”متشددة”، لا بل لا مانع لدي أن تكون زجرية.
____________________________________
د. يحيى اليحياوي – جامعة محمد الخامس، المغرب