أخبار دوليةالأخبارتكنولوجيا

ما وراء سخاء عمالقة التكنولوجيا للعالم


نحن الآن نعتمد على مليارديرات مجال التكنولوجيا لحل أكثر المشاكل إلحاحا وخطورة، وتلك هي المشكلة التي تمثل كذلك خطأنا الفادح، فمليارديرات التكنولوجيا يعلنون أنهم هنا لإنقاذ العالم لكن هل يجب أن نثق حقا في فاعلي الخير من أمثالهم؟

أمطرناها تقنية.. الآن نمطرها مالا
واشنطن – في حين تضيّع حكومات العالم وقتها سدى في باريس لبحث أسباب انبعاثات الكربون، أعلن كل من بيل غيتس مؤسس مايكروسوفت ومارك زوكيربرغ مؤسس فيسبوك، الاثنين الفارط، تعهدهما الخيري والطموح بمكافحة ظاهرة التغير المناخي.
وأعقب ذلك إعلان زوكيربرغ وزوجته بريسيلا تشان، الثلاثاء الماضي، عزمهما التبرع بجميع أموالهما تقريبا لفائدة الجمعيات الخيرية. وفي رسالة موجهة إلى ابنته الوليدة ماكس، أفصح زوكيربرغ عن “العطف الإنساني بقلبه”.

وقالت الرسالة “لقد أصبحت شبكة الإنترنت على درجة عالية من الأهمية في حياتنا، إلى حد أنه أصبح بإمكان عشر الأشخاص المتصلين بالشبكة التخلص من براثن الفقر أو إيجاد وظيفة. ويمكننا إنقاذ مئات الملايين من البشر من براثن الفقر، إذا تمكن جيلنا من إتاحة عالم الإنترنت لهم. كما يمكننا أيضا مساعدة مئات الملايين من الأطفال على تلقي التعليم وإنقاذ حياة الملايين من البشر من خلال مساعدة الناس على تفادي الإصابة بالأمراض”.

وتثير هذه الشهامة الرائعة اثنين من ردود الفعل محددين، الأول “يا لهما من شخصين رائعين!” أما الثاني “هل هما حقا على هذا القدر من الشهامة؟”.

وقد يبدو الرقم المتبرع به مبهرا.. فـ45 مليار دولار من شأنها أن تغير حياة الكثيرين على هذا الكوكب.. لكن هل هي حقيقية فعلا؟ وما لا يدركه الكثير من متابعي المبادرة السخية، أن زوكيربرغ تبرع بأسهم وليس بمال مباشر.

وبحسب بيانات البورصة الأميركية، لا يتخطى مدخول تلك الأسهم مليار دولار في السنة.. وهو مال كثير بالطبع، لكنه يبقى بعيدا جدا عن الـ45 مليارا إجمالي قيمة التبرع التي أعلن عنها مؤسس فيسبوك. وعلى هذا النسق، فإن مبادرة زوكيربرغ يلزمها 45 سنة لتكتمل.

image
مايكل ماسينغ: غيتس وزوكيربرغ لا يرغبان في تحقيق تغيير أو إعادة توزيع للثروات
ولعل المكسب الأضخم الذي ستدره المؤسسة الجديدة على عائلة زوكيربرغ هو إعفاؤها من الضرائب لعقود قادمة، فعبرها سيضمن بقاء أحفاده وأحفاد أحفاده بعيدا عن عبء الضرائب.. كيف ذلك؟

بحسب ما أكدته مواقع أجنبية عديدة مثل بازفيد ودايلي بيست، إذا ما احتسبنا الدخل السنوي لأسهم زوكيربرغ المتبرع بها عند حدود مليار دولار، فهذا يعني أن مالك فيسبوك سيكسب ثلث تلك القيمة سنويا أي حوالي 333 مليون دولار كإعفاء ضريبي.

ويبدو أن زوكيربرغ نهل من تجارب غيره من رجال الأعمال في أميركا الذين فضلوا إخراج أموالهم من جيوبهم اليمنى ووضعها في اليسرى، عوض منح تبرعاتهم بشكل مباشر لجهات أخرى.

فبعيدا عن “الرومانسية” التي تحاط بالأنشطة الخيرية خاصة في الولايات المتحدة، ما ينبغي معرفته هو أن لها حصة من السوق الأميركية تقدر بـ358 مليار دولار، تتقاسمها 1.5 مليون مؤسسة خيرية مسجلة في الولايات المتحدة وحدها، بحسب هافيغتون بوست.

زوكيربرغ إذن اختار المزيج الفعال: شيء من العمل الخيري وشيء آخر من المنفعة، يضاف إليهما جانب هام من العلاقات العامة في الوقت المناسب.

وبقدر ما يمكن أن نقدر سخاء مليارديرات مجال التكنولوجيا، فإن هذه الأموال المتهاطلة على الجمعيات الخيرية تُبرز مأساة عالم توجد فيه، بحوزة حفنة من الأفراد من خلال مزيج من المهارات والحظ، موارد نقدية تتجاوز ما تملكه معظم الدول الصغيرة. وإعلان زوكيربرغ أقرب شيء إلى كونه مجهودات شخص واحد لتشكيل معالم العالم.

الرئيس الأميركي باراك أوباما نفسه يقف عاجزا أمام الكونغرس، في ما يحاول البابا فرانسيس إنفاذ تأثير غير مباشر بدلا من السلطة المباشرة، بدوره يعمل شي جين بينغ ضمن جهاز الحزب الشيوعي الصيني، في حين يقضي ماريو دراغي وقته في محاولات يائسة لتهدئة الأوضاع الفوضوية في أوروبا، لكن غيتس أو زوكيربرغ لا يواجهان هذه المعوقات.

وبقرار زوكيربرغ إهداء أمواله بعد ولادة ابنته، فإننا نشعر كما لو أنه ينصّب نفسه نصيرا ويضع العالم بأسره كمسرح لأعماله الخيرية. إنه من الطبيعي بالنسبة إلينا جميعا، وخاصة من لا دخل لهم في كيفية إنفاقه لملايينه، أن نشعر بقليل من الاستخفاف.

وبدافع من مواعظ الملياردير والرئيس التنفيذي في فيسبوك شون باركر حول “الأعمال الخيرية للقراصنة” في صحيفة “وول ستريت جورنال”، كتب مايكل ماسينغ مؤخرا في “الانترسبت” حول المشكلات المتعلقة بفلسفة تدعو إلى “قرصنة” مشاكل العالم باستخدام المال بدلا من المدونة.

ولا يتوانى ماسينغ عن استعمال خطاب لاذع بشأن الجهود الخيرية لغيتس في مجال التعليم، وهو على حق في ذلك، إذ لا تكمن المشكلة بالنيات ولكن في الإيمان بأن رمي الأموال لحل مشكلة يمكن فعليا أن يحل أي مشكلة بنفس السهولة التي مكنت “ويندوز” من سحق منافسيها في الماضي.
image
غيتس وزوكيربرغ لا يرغبان فعلا في تحقيق تغيير جذري أو إعادة توزيع للثروات
وعلى نقيض ذلك، فإن الجهود المبذولة في مجال الصحة العامة والبحوث قد تطورت بشكل أفضل. حيث ساعدت برامج مؤسسة غيتس في أفريقيا على خفض الإصابة بالحصبة بنسبة 90 بالمئة خلال السنوات الـ15 الماضية. ومن ضمن النجاحات الأخرى التي حققتها في عالم يشمل فعليا بنية أساسية فعالة، مثل الأدوية، يمكن لتدفق نقدي أن يدعم المشاريع القائمة ويساعد المؤسسات على تحقيقها على نحو أسرع وأكثر فعالية.

أما في الأماكن حيث البنى الأساسية لا تساعد الإمدادات النقدية -الرامية إلى تحقيق تغيير جوهري في أساليب العمل القائمة- على أي مستوى كان فذلك معناه أن المال والأعمال الخيرية تعمل بشكل أفضل في دور ثانوي وليس كهيكلة أساسية، وهو ما يحاول المليارديرات تحقيقه، مما يعني أنه سيتوجب عليهم التحول إلى طغاة.

ويشكو ماسينغ من أن غيتس وزوكيربرغ لا يرغبان فعلا في تحقيق تغيير جذري أو إعادة توزيع للثروات، وهذا صحيح، حيث لا يميل المليارديران إلى تحقيق مثل هذه الأمور.

ولكنّ الرجلين أصبحا هنا كبشي فداء لتبرير فشلنا الخاص. فلئن تمتع زوكيربرغ وغيتس بنفوذ كبير بسبب أموالهما، إلا أن هذا النفوذ يتعاظم بسبب افتقار الحكومات إلى الإرادة العامة لإيجاد حلول للمشاكل الأكثر إلحاحا.

وبالنظر إلى حجم الجهد الذي استغرقه إجراء إصلاح تدريجي في نظام التأمين الصحي في شكل أوباماكير، فإنه من الممكن أن تنبع الخطوات الجذرية القادمة في مجال إصلاح الرعاية الصحية ليس من الحكومة بل من القطاع الخاص.

وهناك فراغ ضخم في الاستثمارات الضخمة في الولايات المتحدة الأميركية، وباعتبار عجز نظامنا السياسي عن الاستفادة منها، فمن المحتم أن يبدأ القطاع الخاص بأخذ زمام الأمور.

ويمثل مشروع كل من غيتس وزوكيربرغ تحسّنا هائلا مقارنة بأمثال من كان همّه الوحيد في مجال إصلاح العدالة الجنائية ينحصر فقط في ما يتعلق بتخفيض الأحكام لجرائم الياقات البيضاء.

وبالطبع هناك أيضا دونالد ترمب الذي يستخدم ماله لاستعمال سباق الرئاسة كمسرح لجنون عظمته.

إذا علينا أن نخشى القراصنة المحسنين أقل ممّا نخشى خلفاءهم المحتملين. حيث يولّد العالم أكثر مثيلين لترامب وأقل لزوكيربرغ. ولا يحتاج أي من غيتس أو زوكيربرغ لمن يدافع عنهما. المهم هو ألا نسمح لعطائهما بتعويض مظاهر النقص في بلادنا. ولا تمثل عيوبهما عيوبا مروّعة ولكنها عيوب عادية لأناس عاديين. لأن العيوب الحقيقية في عالمنا هي هيكلية بحتة.العرب

تارودانت نيوز
متابعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى