أخبار وطنيةالأخبار

محمد بودويك: آيات الغدر ومظاهر التراجع الحكومي


إذا أردت أن تختبر إنسانا ما، وتعرف من أي معدن هو، وما منسوب احترامه والتزامه بتعهداته، ومصداقية رأيه وموقفه وأفكاره، ونجاعة مبادئه وإيمانه بها، وإلى أي مدى هو مستعد للدفاع عنها، والاستماتة من أجلها، والذود دونها، والتضحية في سبيل إحقاقها وترجمتها، أو الموت منافحة عنها، وتشريفا له ولها. إذا أردت أن تعرف هذا وغيره، فامنحه السلطة، وضع بين يديه مقاليد التدبير، وأزِمَّةَ التسيير، وعصا الأمر والنهي ـ يستوي في ذلك أكان الإنسان إياه من مشرب يساري راديكالي أو اشتراكي إصلاحي، أو ليبيرالي رأسمالي، أو متأسلم مسيس ـ لتقف على جِبِلَّتِه، وحقيقة أمره، ودفين سرائره، وعمق محتده من زيف وجهه وحاله ومظهره وشعاراته التي يرطن ويلوح بها في كل محفل ومنتدى ومجمع ودار. وتقف على صدقية خطابه، وأركان ذلك الخطاب الذي بني على مقدمات، وإشكاليات، ومسائل، وأفكار تنطوي على الزيف، والحجية السفسطائية، أو على الصدق، وترجمة حشد آرائه ومواقفه إلى واقع ملموس، وتدبيرمحسوس، تقع عليه يد الناس، ويصل خيره الشرائح الاجتماعية جميعا وفي مقدمتها: الغالبية العظمى من ذوي الدخل المحدود، أو من لادخل له على الإطلاق.

ذلك أن الذين جاءت بهم أصوات المواطنين إلى السلطة والمسؤولية من أجل تدبير أمورهم، والنظر في شؤونهم، وتلبية انتظاراتهم على مستوى وضعياتهم الاجتماعية، والاقتصادية، والحقوقية بالأساس، كثيرا ما يغدرون بتلك الأصوات، ويضحكون في قفاها بعد أن ينقضي الأمر، وتتحقق بغية المترشحين، وينشف عرقهم الذي تفصد غزيرا من جباههم وهم يلوكون الخطاب تلو الخطاب، ويسوقون الحجة تلو الحجة بغاية الإقناع والفوز المبين بالمقعد الرفيع.

أما كيف يغدرون، ويدوسون الأصوات إياها، ويماطلون الناس المنتظرين الذين تعاقدوا معهم لتغيير واقع الحال، وتبديل مظاهر البؤس إلى علائم كرامة ونعمة وجمال، فصوره شتى، وآياته أكثر من أن تحصى. ولعلنا في هذا المقال الذي نريده أن يكون مركزا، أن نأتي ـ في عجالة ـ على بعض سمات الغدر والنقض والنكث والحنث، والتراجع البين الصفيق بدعاوى ولغة مغلوبة مستكينة خشبية مسكوكة تردد بغباء وببغائية ما سطره في أزمنة متفاوتة، ذوو العزم الكليل، والإرادة المحطومة، والأمل الضرير، والبيع والشراء من تحت الطاولة، وخلف الأستر والكواليس.

لما صارت أمور البلاد والعباد إلى الحزب الأغلبي..حزب العدالة والتنمية، لم يفتأ ، منذ أول يوم، من إطلاق طيور الآمال العِراض، ونحل الأماني العذبة، ونمل العمل والمجاهدة لإصلاح ما أفسده العطار. ولم يكن العطار غير الحكومات السابقة في ظن الحزب الحاكم. ولم يدخر حهدا ” كلاميا “، و ” خطابات ” منتفخة لاجتثات المفسدين، ودرء المفسدة، وجلب المنفعة للناس ” الغلابة “، من الناس الذين صالوا وجالوا، وهم أقلية تملك البر والبحر والنهر والرمل والجبال وما تحت الأرض. ثم رفعوا في وجه الفساد والمفسدين، آيات من الذكر الحكيم، وأحاديث من السنة، ومن آثار ” السلف الصالح “، تصب كلها في وجوب محاربة سارقي وناهبي مال وثروات البلاد، محاربتهم بدون هوادة، وبلا تباطؤ أو تريث، أومناورة، أو مصالحة في الفنادق المصنفة. ووضعوا، مقابل تنمرهم واستئسادهم وحماسهم، وعنترياتهم، ترك المنصب والمال والجاه والسلطة إن بَانَ بِأنَّ هناك من يعاند الإصلاح، ويساند الفساد من أي موقع جاء، وفي أي موقع كان. وضعوا في “الكلام” الانسحابَ من مائدة ” اللئام ” إذا رأوا أن يدا ما..يدا خفية، يدا سرية أو مكشوفة تسحب البساط من تحتهم.

فماذا حصل ؟، حصل أن سُحِبَ البساط من تحتهم منذ أول عنترية تمثلت في كشف وجوه “الريعيين ” الذين يعتاشون على مأذونيات وكالات الأسفار والنقل بالحافلات وسيارات الأجرة عبر الخطوط الوطنية في الشمال والجنوب، والشرق والغرب. وهي وجوه تنتمي إلى عالم المال والأعمال والجاه القبلي، والرياضة، والغناء، والدين. ولما اقترب الحزب الذي نزل إلى الميدان، بِتُبَّان، خلو اليدين من قفازات تليق بالمعركة والطِّعان، شبه عريان، من مقالع الأحجار والرمال والكثبان، ومياه المتوسط والمحيط بحسبان، صعقه تيار، وارتد إلى الوراء كمن لذغه ثعبان، ثم دخل الجحر مسرعا خوفا ممن يُجَنْدِلُه أكثر، ويلقي به جثة متفسخة للديدان.

والشيء نفسه حدث مع الناطق الرسمي الذي أقسم بأغلظ الأيمان أن ” دفاتر تحملاته” إن لم تجد آذانا صاغية من عتاة التلفزيون، وخصوصا القناة الثانية، ، وطريقا إلى التنفيذ والتطبيق، فإنه مغادر الحكومة قبل أن يصيح ديك الغد الموالي. ولكن الديك صاح، واستمر ” البيهْ ” مصطفى يغط في سبات عميق، وسكت عن الكلام المباح. فلا دفاتره وجدت طريقها إلى الإعمال والتفعيل، ولا هو بَرَّ بوعده، والتزم بكلامه. كما صار مع صديق الصف الحزبي وزير العدل مصطفى الرميد، ووزراء منتدبين لايسمع بهم الرأي العام، ولا حتى الخاص، ومع كبيرهم رئيس الحكومة الذي اختصر خوفه من فقدان منصبه السامي بتصريحه المثير، تصريح العاجز الذي لا حول له ولا قوة: ” عفا الله عما سلف “. وهذه ” عفا الله عما سلف” صرَّفها وأغدقها على كبار المقاولين، وكبريات الشركات، من حيث تقليص الضرائب الواجبة عليها، وإمهالها لزمن ممتد، أو إعفاء بعضها مراعاة لضرورة الاستثمار، وأهمية دورها في إسناد الدولة مادام أنها تشغل يدا عاملة، وتمتص غضبها.

لقد استمر تراجع حزب العدالة والتنمية لجهة غدره بالتعاقد الرمزي والأخلاقي مع الذين صوتوا عليه إذ طوى برنامجه الانتخابي” المعقول ” ووضعه في ” جارور ” الولاية القادمة، مُؤَمِّناً نفسه، ومستعطيا جبابرة المال العام والخاص، إلى وجوب النظر إليه بعطف وحدب، ومحبة، وقبول لأنه لم يمسس شعرة واحدة في رؤوسهم. ثم أعلن هذا التراجع عن نفسه بالواضح لا بالمرموز، من خلال الانبطاح الكامل لصندوق النقد الدولي الذي يرهن ـ كما رهن ـ حاضر ومستقبل البلاد بالتحكم في التوجهات الاجتماعية العامة، وفي وجهات صرف المالية، والاقتصاد الوطني في ما يراه البنك قمينا ووفيا بترجمة تلمذة نجيبة ونبيهة للدولة المدينة المرتهنة. ولا غرو أن تكون مديونيتنا الخارجية مضرب الأمثال في التراجع السافر والمبدئي، والازدواجية المقيتة المشوشة التي تنهجها الحكومة الحالية. فلقد بلغت المديونية أعلى سقف إذ بوأتنا مكانة مرموقة بين دول الجنوب المستضعفة، ومن بينها إفريقيا، فكأننا عَلَمٌ على رأسه نار بتعبير الشاعرة الخنساء.

ومن مظاهر الغدر والتراجع، وعدم الوفاء بالتعهدات، والالتزامات، والتعاقدات مع الشعب، إغلاق باب الحوار في وجه النقابات، والجمعيات الجادة، وتجميد الأجور بشكل لم نعرفه مع الحكومات السابقة، والعودة المخفية والمعلنة إلى مثالب الإخوانيات، والمحسوبية، والزبونية، والوزارات، وغير الوزارات شاهد إثبات على ما نقول. ثم إشهار ” الرواطة” والهراوة في وجه المعطلين والمبطلين، في كافة المجالات والقطاعات، والالتجاء إلى القسم بالله ما يَنِمُّ عن ضيق صدر رئيس الحكومة، وانفلات أعصابه، وعدم تقديره للأمور، وللظرفية الاستثنائية التي تمر بها البلاد. فهل يليق برئيس حكومة أن يقسم في أمر اجتماعي تربوي له صلة بأساتذة الغد الذين يحتجون منذ أشهر، ويتظاهرون سلميا في كل الجهات والمراكز، من أجل إسقاط مرسومين مطبوخين يعدان العدة للإجهاز على ما بقي للتعليم من بصيص أمل في واقع يعلن إفلاسه يوما بعد يوم.؟

تعرف الدولة كما يعرف رئيس الحكومة وصحبه أن جل ، إنْ لم يكن كل، من يلجأ إلى التدريس اليوم، وقبل اليوم أي منذ أكثر من عقدين، هم أبناء الطبقة الفقيرة، وأبناء الطبقة المتوسطة التي سحقتها الديون والأقساط الشهرية البنكية، وتعليم أبنائها بالقطاع الخاص بعد أن رأت بأم عينيها إلى ما ذا صار إليه التعليم الحكومي العام.

وإذا كانت هذه الحكومة كما تدعي، شعبية، إبنة الشعب، والشعب هو من جاء بها، وهي ، هنا ، لترد له ” الجميل “، بدعمه، وشد عضده بتوفير أدنى المطالب، وتمكينه من فرص الشغل والعمل والتطبيب، والتعليم، ومواصلة تعليمه الجامعي، وتوسيع إمكانات توظيفه بعد تخرجه من المراكز والمعاهد، والمؤسسات العامة والخاصة غِبَّ تحصله على دبلومات، وشهادات التخرج التي تشهد بتأهيله ومؤهلاته، وجاهزيته لمباشرة مهنته، وعمله إِنْ في التدريس، أو في الهندسة، أو في التمريض، أو التطبيب، أو القضاء، أو الفلاحة، أو غيرها، إذا كانت الحكومة تبحث عما يجعلها في حِلِّ مما هو منوط بها، وما تعاقدت عليه، وما هو في طوقها، وفي حكم استطاعتها إذ الأمر يتعلق بمعضلة اجتماعية وتربوية سترهن اليوم وغدا مستقبل المدرسة والجامعة المغربيتين، بإنقاذ السنة التكوينية من البياض المتربص، والإعلان ، بالشجاعة السياسية المسؤولة والمطلوبة الآن، التخلي عن المرسومين بعد إعادة ترتيب الأولويات ضمن بنود التوظيف والنفقات في الميزانية العامة التي صادق عليها مجلس النواب والمستشارين.، فإنها حكومة ضعيفة عاجزة مشلولة الإرادة، فاقدة للقرار السيادي المستقل. ومن ثَمَّ، حقَّ للشعب أن يعاقبها في الاستحقاق القادم، كما فعل مع حكومة عباس الفاسي، عبر أحزاب حليفة معه، لعل أن يكون في مقدمتها: حزب الاتحاد الاشتراكي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى