مقالات

نحن في ذيل الترتيب إلى إشعار آخر


توفيق بوعشرين
أيها المغاربة، أنتم في المرتبة 88 على مؤشر ترنسبارنسي الدولية، فهل هذا يرضيكم؟ هذا الترتيب المخجل معناه أن 87 دولة من أصل 168 دولة يشملها الترتيب تسبقكم، وفي مقدمة هذه الدول العدوة للفساد هناك البلاد الإسكندنافية وكندا وأستراليا وألمانيا والسويد وفرنسا وإسبانيا وإنجلترا وبلجيكا وهولندا… وحتى دول عربية.. هل قلت عربية؟ نعم، رغم أنه ليست هناك دولة ديمقراطية واحدة في هذه الدول، فإنها أفضل حالا من المملكة الشريفة في موضوع محاربة الفساد، ومن هذه الدول: الأردن والإمارات والكويت وتونس، بل العجيب هو أن السعودية، مملكة الريع، تقدمت سنة 2015 على سلم الشفافية، وذلك بفعل تراجع أسعار النفط، ونهج سياسات للتقشف، وعقلنة صرف عائدات النفط، لكن، في المقابل، المغرب ورغم أن فيه حزبا يقود الحكومة لا يفتر، ليل نهار، عن ترديد شعار محاربة الفساد، فإن هذا العدو الكبير يزداد نفوذا وقوة وانتشارا وذكاء أيضا.

الكاتب العام لفرع ترنسبارنسي في المغرب، عبد الصمد صدوق، يعطي تفسيرا لتراجع المغرب بثماني درجات على سلم الفساد بين 2012 والآن، فيقول: «الحكومة بعثت رسالتين سلبيتين إلى العالم وإلى المنظمات المهتمة بمحاربة الفساد وإقرار الشفافية؛ الرسالة الأولى تتمثل في القانون الخاص بالهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، حيث تم تقليص صلاحياتها في مجال التصدي المباشر لقضايا الفساد، أما الرسالة الخاطئة الثانية فهي مشروع قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، الذي يشكل تراجعا كبيرا عن روح الفصل 27 من الدستور».

على الوزير مبديع أن يأخذ تذكرة طائرة ويذهب إلى مقر ترنسبارنسي بألمانيا، ويشرح لهم كيف أن مشروع قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، الذي وضعته وزارته المبجلة، أفضل من قوانين مماثلة في ألمانيا وإسبانيا وفرنسا، مثلما قال.

كاتب هذه السطور يضيف ثلاث رسائل خاطئة أخرى بعثتها الحكومة والدولة عموما إلى المنظمات الدولية المهتمة بأنظمة الحكم الجيد ومحاربة الفساد، وكلها رسائل تجعل من بيئتنا بيئة صديقة للفساد والريع والاغتناء غير المشروع، وتضارب المصالح، وتوظيف السلطة لجني المال، وضرب قواعد المنافسة الحرة والشفافية.

الرسالة الأولى هي مشروع قانون الصحافة الذي دخل إلى البرلمان قبل أسابيع، والذي يرسي نظاما كاملا من الرقابة الذاتية والخوف في نفوس الصحافيين، فمشروع القانون هذا لا يحمي صحافة التحقيق، ولا ينص على حسن النية في النشر، ولا يضع سقفا للتعويضات التي تصبح أدوات لتكميم الأفواه، ولا يعطي تعريفا دقيقا ومضبوطا للقذف، حيث يسهل اعتبار كل نقد صحافي قذفا أمام القاضي، وكل خبر عن القضايا الحساسة خروجا عن ثوابت البلاد، خاصة عندما يكون الصحافي أمام جهات نافذة يحسب لها القاضي ألف حساب. الإعلام هو أحد الأسلحة الفعالة لمحاربة الفساد من خلال نشر أخبار هذا الفساد، ووضع المفسدين أمام مرآة الرأي العام.

الرسالة الثانية الخاطئة التي نبعثها إلى كل مهتم بالشفافية في هذه البلاد هي إعلان الدولة رفع الراية البيضاء أمام الفساد. لقد قال رئيس الحكومة أكثر من مرة: «إن الفساد هو الذي يحاربني ولست أنا من يحارب الفساد». مثل هذه التصريحات لها وجهان؛ الأول هو مصارحة المواطنين بالواقع كما هو دون رتوش، والثاني هو بعث رسائل تطمين للفساد مفادها أن الحكومة كلها غير قادرة على محاربة الفساد، وأن هذا الأخير محمي بالقوة التي تجعل منه imbattable…

الرسالة الثالثة التي نرسلها إلى حزب الفساد في المغرب هي العجز عن إصلاح القضاء، وتقويم سلوك القضاة والمحامين والخبراء والنيابة العامة والشرطة القضائية، وكل أطراف العدالة المعطوبة في هذه البلاد. يصاب الإنسان بالإحباط والصدمة عندما يرى أن وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء لا يخرجان أسنانها وأظافرهما سوى في مواجهة الحلقات الضعيفة وغير المؤثرة في اختلالات العدالة، وأن الوزارة والمجلس الأعلى يقفان عاجزين عن محاربة الحيتان الكبيرة في الجسم القضائي، ويتخصصان في عقاب قاضٍ مريض نفسيا، وآخر متنطع، وثالث قال رأيا في قانون، ورابع قاضٍ شاب يذهب إلى المحكمة بلباس رياضي. هل هؤلاء هم الذين يهددون الأمن القضائي في البلاد؟ هل هؤلاء هم من وصلوا بالقضاء المغربي إلى ما نراه اليوم من اختلالات عميقة، وعدم ثقة المواطنين في هذا المرفق الحساس الذي يلعب فيه كل صاحب نفوذ أو مال اللعبة التي تخدم مصالحه؟

معركة الفساد معركة طويلة ومعقدة، وخاصة عندما تدور هذه المعركة وسط نظام سياسي يجرب بالكاد التحول الديمقراطي بطريقة توافقية لا تغضب أحدا، ولا تمس أصحاب المصالح، حتى غير المشروعة منها. الفساد في المغرب ليس انحراف أشخاص أو مؤسسات أو إدارات أو مجموعات اقتصادية.. تحول الفساد مع الوقت إلى نمط في الحكم وعقيدة في الإدارة، وتجارة رابحة لا تنافسها أي تجارة، ولهذا فإن محاربته تتطلب إرادة حديدية وجرأة سياسية، وفهما عميقا للداء والدواء، وللأسف، كل هذا ليس من أولويات الأطراف جميعها، لهذا سنبقى في الصفوف الأخيرة في سلم محاربة الفساد إلى إشعار آخر.اليوم24

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى