الأخبار

عبد اللطيف الركيك: بين المرجعيات والسلوكات.. النفاق الاجتماعي في مغرب اليوم


وقعت أحداث كثيرة في الآونة الأخيرة طرحت معها بحدة إشكالية المرجعية المجتمعية التي يقع الاحتكام إليها في حالة الاستقطاب الحاد والتنازع بين التمثلات والقيم الاجتماعية المتضاربة في معظم الأحيان. ولعل من الصدفة أن تجتمع عدة وقائع متقاربة زمنية وتطرح هذه الإشكالية بحدة. تبين ذلك بعد تضارب المواقف من فيلم نبيل عيوش بين اعتبره شتيمة وسبة في حق المجتمع، ومن رأى فيه تعبيرا عن حرية التعبير في مجتمع محافظ مرتهن بالقيود والتواضعات الجبرية.

لم يتوقف اللغط حتى جاء الدور على المغنية الأمريكية جينيفر لوبز لتصب بحركاتها وشكلها وعريها الزيت على النار ليصيب لهبها الكثير من الأطراف بدءا من القائمين على القناة الناقلة للحفل إلى وزير الإعلام إلى رئيس الحكومة، بل وحتى من تجرأ وذهب للتسلية والمتعة بحضور الحفل المعلوم، ولم تكد تبرد النار التي أشعلتها المغنية الأمريكية في قلوب الكثيرين حتى استمرأت فتاتان فرنسياتان على تصوير لقطات إباحية في باحة صومعة حسان.

ونظرا لطبيعة مجتمعنا، وبحكم سيطرة الغلو على الأفاق، وترسخ واستشراء الثقافة المحافظة في معظم الأوساط المجتمعية، فلم يكن غريبا أن يحدث ما حدث من غليان وبالشكل والحدة والانتشار والشيوع، وقد غذته وسائل الاتصال الحديثة، وما يمكن أن ينجم عن ذلك كله من سيادة الإشاعات والتفسيرات والتأويلات البعيدة والقريبة. ولعل ذلك ينهض كطابع بنيوي في مجتمعنا المغربي. وفي هذا الإطار تصدت الفئة التي تعتقد أن لها الولاية على الجميع، أي ذلك النفر من حراس العادات والتقاليد وسدنة معبد الرجعية والتخلف.

الغريب في البنية الذهنية لهذه الفئة التي تتصرف بمنطق الأغلبية والأقلية، أنها بسلوكاتها التسلطية والجبرية، إنما ترى في المغربي مجرد نسخة للآخرين ، نسخة تفتقد للذات والأنا، بل هي ذائبة في كل مرجعي لا سبيل لانتقاده أو حتى التشكيك فيه لأن ذلك موجب للكثير من المهالك وأوجاع الرأس. وهذا ليس شيئا أقل من استعباد الإنسان وإرغامه للإذعان لنواميس معينة موضوعة وغير متواضع حولها.

ولعل هذه الفئة المتسلطة تتمادى في غيها بحكم منطق الأغلبية وبحكم الاستناد إلى العامل العقدي الذي طالما شكل أداة للإجهاز على الفكر الحر ومصادرة حرية الرأي والتعبير, وبالمقابل يوجد ما يمكن أن يصطلح عليهم “تسعة رهطين”، أي الفئة القليلة التي تتجرأ على الجهر بما لا يقوى الآخرون على التعبير عنه خشية المحاسبة الاجتماعية في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد وتضيق به مساحة الحرية والتعبير والرأي، مجتمع هو أصلا غير راغب في تغيير بنياته الذهنية ويستلذ حالة الجمود والمحافظة.

بناء عليه، فإن الغلبة دوما تكون لصالح التواضعات الاجتماعية الجبرية والقهرية على حساب االثقافة الناشئة التي تمتح من معين التواضعات الاجتماعية المدنية.

بهذه الكلمات المستعجلة، حاولنا أن نصف الواقع الذي يحبل به مجتمعنا المغربي، معرضين عن الخوض في الموقف من الأحداث التي مازالت حية بيننا، إلا أن ذلك لا يمنعنا من القول بأن الاستقواء بالتقاليد والعادات والتواضعات المجتمعية التي أقل ما يمكن أن توصف به هو أنها قوة قهرية، كما أن الرد على المخالفين في الرأي بقاموس يستمد مفرداته من تحت الحزام سبا وقذفا وخوضا في الأعراض هو في الحقيقة سلوك يجافي منظومة القيم التي يتحجج بها ويستقوي بها الطرف الذي يرى بأن له الأغلبية في المجتمع لدرجة تستحيل معها المواقف مما جرى ويجري إلى مجرد نوع من النفاق الاجتماعي والدخول في نوع من الحالة المرضية التي يطبعها التناقض، وإلا ما معنى مشاهدة الفيلم المعلوم من طرف-أكاد أقول-الجميع؟ وإذا كان المجتمع محافظا في أغلبيته لماذا يصطف عشرات الآلاف لمشاهدة الحفلات التي توصف عادة ب”الماجنة” من طرف سدنة المحافظة والجمود؟ لماذا لم يمنع هؤلاء أولادهم وبناتهم من الذهاب إلى منصات موازين….لماذا بعضنا يقتل الميت ويسير في جنازته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى