الأخبار

الصحافة الحرة أحد الضمانات للازدهار الاقتصادي


تعتبر الصحافة المستقلة الحرة سلاحا في الأنظمة الديمقراطية، يساهم في مواجهة قوى الفساد التي تقوض الازدهار الاقتصادي، وهو ما تتجاهله العديد من الأنظمة حفاظا على مكاسب سياسية معينة.

تتدهور الحريات الصحافية في أنحاء مختلفة من العالم، وتتأرجح استقلاليتها بصورة مقلقة، مما يؤثر بصورة مباشرة على الديمقراطية، حيث تشكل شفافية ويقظة الصحافة الحرة المستقلة أهمية بالغة للديمقراطية، كما تعمل كسلاح قوي ضد قوى تتراوح بين الفساد وممارسات العمل الرديئة التي تقوض الازدهار الاقتصادي. والأمر ببساطة أن بناء اقتصاد أفضل وأقوى وأكثر نشاطا أمر غير ممكن في غياب صحافة عالية الجودة.
وتواجه اليوم الصحافة تهديدات متزايدة تحولت إلى هجمات شرسة، من قبل أطراف متعددة بما فيها القيادات الحكومية، وفي النتيجة، تتراجع قدرة الصحافة الاستقصائية على تقديم الحقائق والتحليل الذكي للاتجاهات الاقتصادية وأنشطة الأعمال في وقت يتسم باشتداد الحاجة إليهما أكثر من أي وقت مضى. بحسب تقرير للوسي بي. ماركوس، الرئيسة التنفيذية لاستشارات فينشر ماركوس، على موقع بروجيكت سنديكيت.

وتقول ماركوس، “يتمثل أحد المشاكل في المصاعب التي تواجهها الشركات الإعلامية في دعم الأبحاث طويلة الأمد التي تحتاج إليها عادة التقارير الدقيقة، نتيجة للتراجع الشديد في الإعلانات المطبوعة”. ولكن من خلال تحديد وطرح القضايا التي قد تؤثر على الأجندات السياسية والحياة العامة لسنوات قادمة، فإن تأثير مثل هذا العمل الصحافي قد يكون هائلا.

وفي عام 2012 قدمت وكالة رويترز تحقيقا تطلب عِدة أشهر من البحث الدقيق، والذي تناول مخطط ستاربكس للتهرب الضريبي، وقام الصحافي توم بيرجن بتحليل سنوات من الوثائق المعقدة لكي يكتشف، ويشرح التفاصيل حول كيفية تحايل الشركة على الضرائب المحلية في البلدان التي كانت تزاول فيها أعمالها.

وأفضى تحقيق بيرجن إلى نتائج مدوية لا يزال صداها يتردد في مختلف أنحاء العالم اليوم، مع خضوع شركات أخرى عديدة متعددة الجنسيات للتدقيق والتمحيص، لكن مثل هذا النوع من البحث يكلف مبالغ كبيرة.

ويضمن نموذج التمويل توفير المنفعة العامة الحيوية، بيد أنه يصبح بلا جدوى في مواجهة القمع السياسي، الآخذ في التزايد في مختلف أنحاء العالم. ففي بداية شهر مارس، على سبيل المثال، أغلقت حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الصحيفة الأعلى توزيعا في تركيا، صحيفة زمان، وأطلقت قوات الأمن القنابل المسيلة للدموع والطلقات المطاطية على المحتجين خارج مقر الصحيفة.

image
لوسي بي. ماركوس: يتعين على قادة العالم أن يكونوا شديدي الصلابة في دعمهم لحرية الصحافة
وكانت قضية صحيفة زمان جزءا من المناقشات التي دارت بين رئيس الوزراء التركي أحمد داودأوغلو والعديد من القادة الأوروبيين، بما في ذلك المستشارة الألماني أنجيلا ميركل، ورئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي، والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، عندما التقوا مؤخرا لمناقشة أزمة اللاجئين.

ويتعين على قادة العالم أن يستمروا في تناول مثل هذه الأمور بصراحة وعلى الملأ، وأن يكونوا شديدي الصلابة في دعمهم لحرية الصحافة في بلدانهم، لأن مثل هذه السلوكيات الرسمية تشير إلى بلد يتراجع إلى الوراء، وتدمر الإبداع والنمو.

وتبرز ماركوس الصين كمثال آخر، وهي الدولة صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم والمصدر الرئيسي للصناعة والاستثمار العالميين، والتي تنفي وجود أي ارتباط بين حرية الصحافة والنجاح الاقتصادي. ومع هذا فإن الدرس الجوهري المستفاد من ارتفاع التقلبات المالية التي بدأت الصيف الماضي هو أن المعلومات التي تسيطر عليها الدولة هي غالبا معلومات غير دقيقة. ويبدو أن المستثمرين بدأوا يقدرون المخاطر المترتبة على ممارسة العمل التجاري في بيئة اقتصادية وتجارية لا يمكنهم فهمها بشكل كامل.

وتحجب السلطات بشكل روتيني العديد من المواقع الإخبارية الأجنبية، من بي بي سي إلى رويترز. وفي عام 2012، حجبت السلطات موقع صحيفة نيويورك تايمز في الصين بعد تقرير نشرته الصحيفة مفاده أن عائلة رئيس الوزراء الصيني آنذاك وِن جيا باو تسيطر على أصول لا تقل قيمتها عن 2.7 مليار دولار أميركي.

ويذكر تقرير ماركوس الذي ترجمه إبراهيم محمد علي، أنه على نحو مماثل، لا تستطيع المنظمات الإعلامية الأجنبية في الكثير من الأحيان التحقيق بحرية ودقة في أعمال الشركات الصينية وأنشطتها الاقتصادية. وقد اضطرت أورسولا جوتييه، مراسلة صحيفة “لو أوبس″(المعروفة سابقا باسم لو نوفيل أوبسرفاتور)، إلى مغادرة الصين في عام 2015 بعد رفض السلطات تجديد تأشيرتها. وهي ليست الصحافية الغربية الوحيدة التي يتم “تحييدها” بهذه الطريقة.

وتوجد دول أخرى لا تحظى بالقدر الواجب من الاهتمام. فقد سجل ترتيب أندورا، إحدى دول الملاذات الضريبية، على مؤشر حرية الصحافة العالمي هبوطا حادا في عام 2015، لأن الصحافيين لا يستطيعون بسهولة تأمين الحصول على المعلومات عن البنوك العاملة هناك.

وتطول قائمة الدول حيث حرية الصحافة محدودة أو تحت التهديد، من أفريقيا والشرق الأوسط إلى روسيا وأغلب الجمهوريات السابقة الأخرى، وحتى الولايات المتحدة تشهد إشارات مثيرة للقلق، مع حرص المرشح الأوفر حظا للانتخابات الرئاسية من الحزب الجمهوري، دونالد ترامب، على توجيه انتقادات شديدة، بل والتحريض على العنف وفقا لبعض المصادر، ضد الصحافيين خلال أنشطة حملته الانتخابية.

وترى ماركوس أنه من المثير للإزعاج الشديد أن ترامب قال إنه يعتزم إذا انتخب رئيسا للبلاد أن يغير قوانين التشهير على النحو الذي من شأنه أن يشكل خطراً على مبادئ حرية التعبير المنصوص عليها في التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة.

وتبقى الحقيقة الواضحة أن الصحافة النشطة المستقلة تقدم المنفعة العامة، والشفافية هي التي تجعل المساءلة السياسية والاقتصادية ممكنة في عالَم متزايد التعقيد والتخصص.العرب

تارودانت نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق