أخبار وطنيةالأخبارفن

صلاح الوديع: حوارٌ عن الشعر وأشياء أخرى


ألو، أريد أن أتحدث إلى ابن أبي سلمى؟

آسف معك طَرَفة…

طرفة بن العبد؟

بالضبط هو. أنا القائل: إذا القومُ قالوا من فتىً، خِلت أنني …عُنيتُ فلم أكسلْ ولم أتبلدِ

أعرف أنك شاعر خالد. لكن لن أحدثك أنت. أنت متمرد سريع الغضب. من فضلك هل يمكن أن أحدث بن أبي سلمى؟ فهو من حاز الحكمة بينكم…

حاضر. كما تريدْ…

أهلا يا ولدي، معك ابن أبي سلمى…

أهلا شاعرنا الجليل…

ما هذا النداء بعد طول غياب؟

هناك استعجال يا سيدي. نحن في طريق الاستغناء عنك وعن غيرك من الشعراء

ولماذا يا ولدي؟ هل ضيقنا عليكم إلى هذا الحد؟

هناك أحدهم يقول ذلك. وهو ليس أي أحد

هل هو من علية القوم أم من كبار العقول أو من كرام القلوب؟

هو من العلية، على الأقل الآن…

ألهذا الحد نحن فائضون يا ولدي؟ ألم يفض عندكم الدجالون والمراءون والمنافقون والفقهاء المزورون وتجار الدين والداعون إلى القتل والسفك؟

لا راد لهذا القضاء المبرم يا شاعرنا الجليل. نحن مضطرون لحذف كل شيء يذكرنا بكم وبكتاباتكم وبآثاركم وبالجمال الذي خلقتموه من حولكم، كل على طريقته لا يعوضه أحد… لكن، آسف…

لكن كيف العمل؟ يجب كشط ذاكرة البشرية كلها في هذه الحالة…

يجب اتخاذ قرار سريع وناجز…

لا يمكن. خذ مثلا، من خلَّد الآخر في التاريخ: هل أبو فراس أم سيف الدولة؟ هل أبو الطيب أم كافور؟ من تغنى بالوطن أحسن من أمل في “لا تصالح”، حتى أصبح شعره سلاحا لا يقاوم؟ من صارع الصهيونية أجمل من محمود حتى أضاف لفلسطين تضاريس أخرى؟ من صالحنا مع الحب خيرا من أمثال رامي في كل ما غنته له أم كلثوم؟ ومن توحَّد بالكون خيرا من جبران في رائعته “النبي”… هل تعلم ما هو المجهود الذي عليكم بذله من أجل ذلك؟ كل ما كتبه امرؤ القيس أو ابن شداد أو عروة أو حسّان أو الخنساء أو قيس أو الأخيلية أو ابن أبي ربيعة أو أبو الطيب أو ولاَّدة أو أبو العلاء أو بشار أو ابن الفارض أو أبو فراس… هذا للزمن الماضي البعيد..

ألا نستطيع أن نجد حلا وسطا؟

مثل ماذا؟ فات الأوان يا ولدي. لقد استطاع الشعر أن يصلكم ويغزوكم من كل جانب. أصبح شعرا عالميا يا ولدي. أنا لا أحدثك عن شعر ما قبل التاريخ عند هوميروس ولا عن أوفيد، أنا أحدثك عن حافظ والسياب ومطر وبشارة وفدوى ونازك وعن أبي القاسم ومهدي ونزار. وفي المغرب بلادك يا ولدي عن عبد اللطيف والراحلين عندنا أزايكو وعبد الله، وعلال زعيمكم الوطني…

كثير فعلا… ما العمل؟ هذا فيض لا ينتهي…

لو توقف الأمر عند هذا الحد لهان. إليك موجات الشعراء التي غمرتكم من آفاق أخرى. خذ مثلا رابندرات من الهند وناظم من تركيا ولويس وأرثير من فرنسا وأليغيري من إيطاليا ووليام من بريطانيا وأليكسندر من روسيا، فيديريكو من الأندلس … أعتذر إن حدثتك عنهم بأسمائهم الشخصية، فكل العاشقين يعرفونهم بشعرهم ويحفظون أسماءهم عن ظهر قلب…

فعلا. لا حولَ ولا قوة تجاه هذا الفيض…

قل لي يا ولدي… لمْ اسألك. من هذا الذي أفتى بهذه الفتوى؟

قلت لك هو أحد من يتولون أمرنا اليوم…

هل يمكن أن أعرف اسمه؟

ولا بد؟

إذا لم يكن هناك مانع. اسمه الشخصي على الأقل…

لا مشكل. اسمه عبد الإله…

قلت عبد الإله؟… لا. لم يسبق أن تعرفتُ عليه…

ما العمل إذن؟

لا تفعل شيئا. المهم أن يكتب الشعراء. أن يتغنوا بالحياة. اكتبوا أيها الشعراء. لا تتوقفوا. وسيتكلف الزمان بكل شيء. ثم هناك سر يجب أن أبثك إياه، شريطة ألا تفشيه. سيصلكم أديب عربي سيكون من كبار أئمة الأدب وسيترك لكم آثارا لن يمحوها زمان ولا حظوة ولا سلطان: منها كتاب البيان وكتاب الحيوان وسيقول لكم كلمة ستبقى للتاريخ: “تعرفُ حماقةَ الرجل في ثلاث: في كلامه في ما لا يعنيه، وجوابه عما لا يسال عنه، وتهوره في الأمور”…

تحياتي وعرفاني شاعرنا الجليل…

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الشعر اليوم اصبح مثل الكتابات المرقمة والملغمة
    وكأنها أكواد سرية أو رسائل حربية لا يفهمها إلا أصحابها
    يأهل الشعر اكتبوا ماهو مفهوم …. ويأهل الكتاب افهموا ما هو مكتوب

    أصحاب الشعر خلقوا هوة بين الشعر ومتلقيه الحيران بما يجود به العصر الرقمي

    فهل ينتصر الشعر المقاوم في يوم ما

    الأمر متروك لأصابه وللزمن..

    شكرا لك صلاح لأنك وضعت الأصبع على الجرح

    وما أكثرها من جراح

    في غياهب أخرى بالإضافة إلى تعليمنا………………….

زر الذهاب إلى الأعلى