اليوم الأحد 17 نوفمبر 2019 - 5:58 مساءً

 

 

أضيف في : الإثنين 2 مايو 2016 - 12:35 صباحًا

 

الفقيه المعاصر

الفقيه المعاصر
قراءة بتاريخ 2 مايو, 2016

في رسالة حوارية جوابية له لبعض أصدقائه الباحثين في حقل العلوم الاسلامية ، حاول الاستاذ الباحث زكرياحنكافي اثارة موضوع مناهج الفقيه المعاصر في تعامله مع القضايا المعاصرة، ونظرًا للأهمية العلمية للرسالة أدعوكم لقرائتها بإمعان لأنه حاول من خلالها طرح أكثر سؤال واثارة أكثر من موضوع يستحق النقاش الجدي والهادف :

الفقيه المعاصر
يعتبر تحقيق المناط آلية لتكييف الواقعة وضبطها، ومن ثم البحث لها عن الحكم الشرعي المناسب لها، لتندرج تحته وتشملها احكامه، فكل دليل شرعي مبني على قاعدتين اثنتين إحداهما راجعة الى تحقيق المناط والأخرى إلى نفس الحكم..
ويقصد بتحقيق المناط ما يثبته غير النقل وهو الواقع و ملابساته والنظر والتفكر في الأشياء.
فالمراد الإلهي يتحقق بالعزائم كما يتحقق بالرخص، فهو الحكم الشرعي المناسب الملائم للمكلف في حالاته من قوة وضعف، صحة أو مرض، ذكورة أو أنوثة، بكارة أو ثيوبة ،عقل أو جنون، جماعة أو فردا، سلما أو حربا صغر أو بلوغ وسفه وغيرها… قال تعالى: ” حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير…. فمن اضطر غير باغ و لاعاد فلا اثم عليه” وكل الحالات في شرع الله تعالى.
وهذا الواقع -والانسان وعلاقاته محوره- لنفهمه ونكتشف كنهه ونسبر اغواره ونلاحظ تطوره أو تقهقره. نحتاج إلى ما تفضلتم به: الى استثمار العلوم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية… لتحقيق ذلك. وهنا يبدأ دور الفقيه الاصولي الذي زود بآليات وقوانين الاستنباط. أن ينزل ما يناسب تفاصيل كل نازلة معاصرة أو قديمة. وهذا التفاعل بين العملين يثمر الحكم الشرعي و يتنزل به المراد الالهي نحو التحقق في الواقع.
فآلية تحقيق المناط تلتصق بأهل التخصص والخبرة أكثر منها بالفقيه، وربما استقلال الفقيه لاستنباط الحكم الشرعي وتنزيله قد يؤدي لخلل في تنزيل الأحكام على محالها. و لذلك نرمق الدعوة إلى نوع من التكامل من حيث المبدأ هي دعوة طيبة أرجو من مركزنا المبارك فتح نقاش فيها وطبعا انتم على رأسه.
ومن جهة أخرى، فهذه العلوم الانسانية ينبغي أن تقتصر على إفهام الواقع والتفهم فيه وإبراز حقيقته. لا أن توظف في الاستنباط وتفسير النصوص. وهذه الدعوى( اعتماد العلوم الانسانية لاستنباط الحكم الشرعي) مرتقى صعب لا يينبغي التسرع و الحسم فيه إلا بعد البحث والتنقيب والمناظرة والمناقشة حتى يستبين وجه الصواب فيها.
ثم مسألة هنا تثار عند ذكر الموضوع، مرتبطة به: وهي الفقه الاسلامي عموما والمالكي على وجه الخصوص، فقه يوصف بالجمود والانعزالية.
هل يقصد بجمود الفقه وهرمه ارتباطه بالواقع أم مستقلا عنه.؟ فالفقه مستقلا عن الواقع أعني الفقه المجرد عن التزيل ما هو إلا ترجمة واستنباط لنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية واستنباط منهما على أساس قانون الاستنباط. وإذا كان مرتبطا به –وهذا هو الصحيح- فالفقه يتكيف مع الواقع وحركة الناس والاجابة عن أسئلتهم وحل مشاكلهم ومواكبة أحوالهم. والترخص لهم حال الضعف و الانهزام. وإنما طفحت الاستثناءات بسبب ضعف المسلمين وتوالي الهزائم عليهم. فالحقيقة أن واقع المسلمين هو من أصابه الترهل والهرم لأسباب كثيرة ليس هذا محل بيانها. وأما الفقه فقد حقق المناط وبحث لهم عن ما يناسب واقعهم من استثناءات تبعا للضرورة والحاجة والخوف والهوان الذي أصابهم. فبدلا من حمل الناس على الاصول والقواعد ومحكمات الشرع، بدلا من ذلك يطلب لهم الترخص والتنازل لأجل تقهقر واقعهم وانحطاطه.
فإذا وصفنا الفقه بالانعزالية عن حركة المجتمع، فهل يصح أن نقول اليوم إن الشريعة بمبادئها الاساسية انعزلت كذلك عن المجتمع. ألا ترى أن الناس اليوم اقتحمو المحرمات من قطعيات الشريعة كالخمر والربا وفشا فيهم الزنا وغيرها، فهل نقول ان الشريعة لم تواكب تطور الناس؟ حين لم تستجب لرغباتهم واهوائهم. اعتقد ان المجتمعات هي من انعزلت عن الفقه والشريعة شيئا فشيئا.
ولذلك لما سئل ابن غازي عن أهل البيت هل يجوز إعطاؤهم من الزكاة ذكر ثلاثة أقوال في المذهب ثم قال: “الرابع يحل لهم التطوع والفريضة، وبه الفتيا في هذا الزمان الوضيع خيفة عليهم من الضيعة لمنعهم من حق ذوي القربى”، ففتوى بن غازي جارية على هذا الأصل مع تحديد صفة زمن المحل الذي وقعت فيه النازلة بقوله: “الزمان الوضيع” الذي من أظهر تجليات وضاعته وانحطاطه كما يبدو الظلم والحرمان من الحقوق المفضي إلى الضيعة والعسر، وهذا التعبير يدل على حال الواقع وكيف أن الفقه استجاب له ونزّل عليه من الأحكام ما يناسبه. رعيا لمصالح الأمة وما تقتضيه حالاته الاجتماعية المترهلة.

استاذي الفاضل اعتقد ان الفقيه ليس يجمد لأنه يحب أن يجمد وإنما عينه على الاذن الشرعي والمنع الشرعي، لا يتجاوزهما لأنه يعتقد أنه متعبد بذلك. ولا يهمه بعد ذلك اعتبارات أخرى شرقية او غربية. ولَجُمود الفقيه المعاصر في نظري على اصول الشريعة وعدم التنازل عنها، في زمن صار التجديد تغييرا وتبديلا وتنازلا، لأجل ارضاء الناس أو لأجل إرضاء جهات تدفع نحو التنازل المتتالي حتى لا يبقى لنا دين، لخير من ذلك كله.

إن المحافظة على مبدأ ثابت راسخ يبقى ساميا شامخا والناس حوله يتحلقون ويتزلفون، يستمدون منه ويسيرون اليه قربا منه وبعدا، لخير من استهدافه بالضربات لاسقاطه.

اننا مدعوون أن نجدد في طرائق دفع الواقع الى التزام الشرع والتسامي نحوه، لا دفع الشرع نحو التسفل عند اقدامه ليرضى عنه. ونيل رضاه غاية لا تدرك كما تعلمون. فهذا أولى ما يعمل عليه ويجدد فيه.
أعلم أني ذكرت اشياء لم تتحدث فيها وانما الشيء بالشيء يذكر وهذه تحياتي لكم استاذي عبقها الاحترام والتقدير والسلام عليكم ورحمة الله.

الطالب الباحث: زكرياء حنكافي
سطات، يوم الخميس: 28/ابريل -2016

تارودانت نيوز