اليوم الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 10:41 صباحًا

 

 

أضيف في : الجمعة 13 مايو 2016 - 10:16 صباحًا

 

المفاتيح الضائعة لفهم عمل الفقهاء

المفاتيح الضائعة لفهم عمل الفقهاء
قراءة بتاريخ 13 مايو, 2016

استوقفني صديقي العزيز فقال: إن المذاهب الأربعة وغيرها من المذاهب فهم بشري، ويجب أن نفرق بين الوحي وهو الدين في صفائه، وما علق به من أفهام بشرية. أحالته على غير الصورة التي كان عليها أول مرة. فَفَهْم الدين ليس دينا يُلتزم، ثم تابع فقال: أوليس قال الإمام مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر وأشار إلىى مقام النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: هذه الدعوى قوية جدا ولذلك نسمعها تتردد على ألسنة كثير من الفضلاء. وقد قرأتها لعلماء كبار أفاضل كالغزالي محمد في كتابه دستور الوحدة االثقافية. وإن كان معظم الكتَاب يضع هذه العبارات مكانها المناسب. لكن أُسيء من بعضهم استدعاءها وتوظيفها. فمن أساء استدعاء أساء فهما ومن تم أساء تطبيقا. فهي صحيحة من حيث المبدأ، لكن إطلاقها وتعميمها خطأ، وآفة العلم التعميم والإطلاق.
إن هذه الدعوى لها من القوة والمنطق ما يجعلها تخلب عقل من يسمعها ويفتتن بها أيما افتتان، وتجعله مشدوها إليها، وربما جعلها منهج حياته وتصرفاته، وإنما السلوكات ترجمة للتصورات والأفكار.
الدعوى على إطلاقها أو فهمها على غير الوجه الذي قيلت فيه -في نظري- خطيرة جدا للأسباب التالية:
– تجعل الناس ينفضون أيديهم من المذاهب الفقهية.
– تحملهم على التجاسر عليها و الطعن فيها وتوجيه النقض المتهافت لها.
– تحمل الناس على الاغتراف من الكتاب والسنة مباشرة. وهيهات لهم ذلك. (الاستنباط أقصد).
– عدم الانضباط، وتفريخ المذاهب حتى ليصير لكل إنسان مذهبه. فالذين يدعون إلى إسلام بلا مذهب، هم في الحقيقة يدعون الناس إلى اتباع إسلام بكل مذاهب الأرض والسماء، من حيث ظنوا أنهم تخلوا عن المذاهب وجعلوها وراءهم ظهريا…، فالمذاهب الفقهية هي الحد الأدنى للاختلاف.
– اعتقاد كل إنسان صحة ما ذهب إليه وبطلان ما ذهب له الآخر، والاعتقاد إلى الجهل آفة كل عصر. ولعل ما وصلت إليه بعض البلاد من اقتتال داخلي جزء منه منشؤه هذا الذي ذكرنا، وسنخصص حلقة لموضوع المذاهب الفقهية والامن الاجتماعي فيما يأتي إن شاء الله.
الرسول صلى الله عليه وسلم لم يورث دينارا ولا درهما وإنما ورث العلم، والعلم أيها الأفاضل أحكام ومفاهيم ومناهج ومقاصد وتربية وتزكية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه” [مالك في الموطأ]. وإذا دققنا النظر في هذين الأصلين يمكننا أن نضع أيدينا على أمرين اثنين، ورَّثَهُما النبي صلى الله عليه وسلم لأمته:

الأول: الوحي: وهما الكتاب و السنة.
والثاني: مفاتيح فهم الوحي.
الأمر الأول وإن كان يقر به جماهير المسلمين، إلا أن الثاني كثيرا ما غفل عنه المهتمون والمثقفون، معتقدين أن لا علاقة لطريقة الفقهاء ومناهجهم بالوحيين، وإنما هي خواطر وأفكار، وضعها الفقيه الأصولي من تلقاء نفسه.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يذرنا نَمْتَح من هذا المعين الدافق الرقراق، كلٌ حسب ما قاده إليه عقله أو تجربته أو واقعه أو نشأته أو أهدافه. وإنما خلف لنا مناهج وعلامات نهتدي بها في فهم هذا الوحي وفي طريقة تنزيله. وهذا المنهج عظيم عِظَم الثرات، واسع الأطراف وُسْع ما فَتح من آفاق. ونحن في هذه السلسلة نذكر طرفا من طريقة الفقهاء، وبعضا من هذه المفاتيح الضائعة، إنصافا لهذا العلم أولا، وفهما لطريقة الفقهاء ثانيا، وتذكرة لمن وجه معاول النقض الهادم لهذا الثرات.
وقبل أن نؤصل لنماذج من المنهج ينبغي التنبيه لما يلي:
أولا: الفقيه الأصولي لا يخترع الأحكام ولا المناهج وإنما شأنه في ذلك الاتباع، فما وجد منها اتبعه، وسلك سبيله، تعبدا وخضوعا لله ورسوله، وما لم يجد يتلمس العلامات والأمارات والمناطات، ويسدد ويقارب ويقيس الشبه إلى شبيهه، ويربط العلة إلى معلولها والاسباب لمسبباتها، فليست المناهج كما الاحكامُ من إنشائهم، بل هي موروث ورِثه اللاحقون عن السابقين عمن قبلهم إلى الصحابة رضوان الله عليهم الذين نقلوه بدورهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فهي سلسلة مترابطة الحلقات يؤدي بعضها لبعض وصولا لصاحب الرسالة صلوات ربي وسلامه عليه.
ثانيا: وجب التنبيه دائما أن الإطلاق والتعميم في كل شيء خطأ منهجي، فليس كل مناهج الفقهاء ورثوها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كل طريقة ساروا عليها استقلوا بفهمها واخترعوا سبلها.
ثالثا: الصناعة الفقهية الأصولية دورها الكشف عن هذه المناهج الموجودة فعلا في القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة العطرة، وتنزيلها تنزيلا يليق بهذا الموروث المراد تحققه في الواقع، وما من نقد فالأولى أن يوجه لتوظيف المنهج وكيفية استعماله وتنزيله، لا للمنهج نفسه، لأن المنهج بقية ربانية وتركة نبوية وإشارات قدسية.
تأصيل و استدلال:
عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم…} [الأنعام: 82] شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك} [لقمان: 13] لظلم عظيم ” [رواه البخاري: كتاب الإيمان/باب: ظلم دون ظلم]
لماذا شق على الصحابة ذلك؟ لأن الظلم في سورة الأنعام جاء عاما شاملا لجميع المعاصي، فكان تخليص المعاصي والذنوب من الإيمان، تكليف بما لا يطاق، لذلك قالوا: و”أينا لم يظلم نفسه” أي لم يقع في الذنب. وهو مؤمن طبعا.
هنا وضع النبي صلى الله عليه وسلم منهج الجمع والحمل. جمع النصوص الشرعية إلى بعضها البعض وحمل عامها على خاصها ومطلقها على مقيدها ومجملها عل بيانها. فالظلم المقصود في سورة الأنعام يفهم على ضوء سورة لقمان) إن للشرك لظلم عظيم). فالمنهي عنه خلط الايمان بالشرك أما الوقوع في المعاصي فليس مقصودا في الآية الكريمة.
وهناك نماذج أخرى في اعتبار العلل والتي هي محور الاجتهاد والتجديد، لأن علل الشرع علامات للفقيه الأصولي نصَبها الشارع لأجل قياس ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص لاشتراكهما في العلة، ولا يعقل وجود ذات العلة دون المعلول، فهي مطردة منعكسة حيثما وجدت العلة وجد الحكم، وحيثما فقدناها انعدم الحكم. [انظر أمثلة ذلك في اعلام الموقعين: ابن القيم، باب القياس]
وقل مثل ذلك في المصالح وسد الذرائع وغالب الظن والسياق التاريخي والاستثناءات وتحقيق المناط، وغيرها كثير جدا. فهذه نماذج دالة على غيرها، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
وإذا ذهبت تبحث عن فقه الصحابة ومنهجهم تجد هذا الموروث حاضرا مركوزا في ملكاتهم مسطورا في أفئدتهم. وانظر إن شئت اجتهاداتهم الفقهية فيما لم يرد فيه نص، وعلى رأسهم سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه وعن الجميع. [انظر كتاب: موسوعة فقه عمر بن الخطاب: قلع جي].
فإن قيل: إذا كانت هذه المناهج كما ذكرتم من وضع الشارع، فهي قوالب جاهزة صلبة غير مرنة والواقع متغير متطور، فلا يجتمعان ولا يلتقيان؟
قلت: هذا سؤال وجيه في محله: والإجابة عنه تبقى رهن سياق نماذجَ قررها الفقهاء، ودراستها على ضوء هذا المنهج، لنعرف كم هو ثابت فوق الثبات، ومرن متفاعل أوسع من المرونة نفسها، وأشد تفاعلا من التفاعل عينه. وهذا ما جعله منهجا فوق البشرية، لأن منبعه: ” تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه” [مالك في الموطأ]

وسنخصص الحلقات المقبلة للقضايا الحارقة، والتي كان فيها الفقه والفقهاء في قفص الاتهام، لنتعرف تهافت هذه التهم وتساقطها، وضعفها وتهالكها وكل أوصاف الهوان فيها، وذلك راجع -في نظري- لضياع مفاتيح الفهم. على نحو ما صدرنا به هذا المقال. والله أعلى وأعلم.

زكرياء حنكافي
سطات: الخميس 12ماي 2016.