اليوم الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 - 11:57 صباحًا

محاولة لنفض الغبار عن وشاح صحافتنا المكلومة

أخر تحديث : الأحد 22 مايو 2016 - 1:01 صباحًا
تارودانت نيوز | بتاريخ 22 مايو, 2016 | قراءة

مصطفى غلمان*

توصيف الحزن قليل في حق ما يكرس حالة الجمود التي تجتازها الصحافة في بلادنا، فلا نحن توافقنا على نظام يحدد علاقات العمل ضمن منظومة مختلة لا تفرق بين الصحفي المهني وعامل الصباغة، ولا استعرنا أدبيات تحرير الخبر وممكناته للاشتغال بنفس قيم وأخلاقيات الكتابة من خارج الصف الصحفي.

تركنا الحبل على الغارب ودفنا رؤوسنا في أوحال السياسة وصراعاتها، حتى كدنا ننسى مثار النقع فوق رؤوس حاملي أقلام مهنة المتاعب التي لا تنتهي محارقهم، ولا تنطلي عليهم حجب الليل إلا باستمرار المعاناة والانقسامات وتعطيل سير العجلات.

إنه لمؤسف أن يمر كل هذا الظلام والإصابات في صفوفنا، ثم تتقطع السبل بنا إلى تفكيك وإعادة تفكيك نظريات الحكومات المتعاقبة، وآخرها الحكومة الهجينة التي لا تبقي ولا تذر.

في كل عام يمر علينا، ندرك فداحة الوضع الذي نعيشه في بيتنا الصحفي، توصيفنا لأعوام الحزن فيه يشي بالخوف السادر من مستقبل تضيع فيه حقوق غير مأمولة ولا مأمونة، وانصرافنا في كل الهيئات النقابية والتنظيمية للقطاع، لترديد لزوميات خارج سياق التطلعات التي نريدها، وانكماشنا في نسقية مستهلكة لا تؤسس لإصلاحات عميقة في جسد صحافتنا المخروم، وتعليق كل الفرقعات والعبوات الناسفة التي استنزفتها المظلات الجائلة هنا وهناك، يعلن بما لا يدع مجالا للشك أننا مجردون من إحساس الانتماء لمهنة، أقل ما يقال عنها، إنها لاتستأثر باهتمام أهل الحل والعقد، ولا توضع في أولويات الأجندات السياسية في بلادنا. بل إن إغراقها في بحر التعتيم والعشوائية، وتحريرها من كل نظام يهيكلها ويحدد طرق الاشتغال فيها والعمل ضمنها، يوسع من فرضية تخميرها وتعويمها وتركها تحت رحمة من لا يستحي ولا يخاف.

إطالة العمل بالنظام الصحفي الكلاسي الذي أكلت الدهور على جروحاته وشربت، رغم تعفناتها وتقيحاتها، هو إرادة سياسية لا تنطلي على عقل طفل صغير. الابقاء على الوضع الراهن الذي يمارس فيه الصحفي مهنته وهو عاري الحقوق، معرضا لوابل النهب والتعنيف والانتحار، يخالف أبسط حقوق المواطنة، ويضرب في الصميم إنسانيته وكرامته وحرية اختياراته.

بل إن هذه الحقوق الغائبة دوما، في قطاع تنتحل فيه الصفة المهنية وتجتزأ إلى قطائع نفوذ وريع وإقطاعية واستبدادية، لحري بها أن تتعذر من فعاليتها الأخلاقية والقيمية وتستقيل من أدوارها التي خلقت لأجلها.

وما التطورات الأخيرة التي عرفتها بنية الفجوة الرقمية، وما شابها من هجوم شرس على العمل في مجال خطير كالصحافة، خصوصا بعد بروز نظريات الارتقاء الاجتماعي بأبعاده الثلاثة، مجتمع المعلومات الذي يمتح إشكالاته من كثافة المعلومات وتطبيقات المعلوميات. ثم مجتمع المعرفة وهو أرقى مناط يقوم على ابتداع المعرفة كأهم رافد تنموي، ومجتمع التعلم الذي يمثل صفوة التعلم الذاتي، إلا افتعالا للنزعة الاستقطابية الاحتكارية التي تمتطي صهوة مهنة المتاعب، في بلد كالمغرب لاتزال فيه أبجديات المعرفة الصحفية لبسا لا يستحضر النجاعة والجودة وتنظيم الذات.

صحيح أن تاريخ الصحافة في بلادنا لا يندرج ضمن المفاهيم الكبرى للتقاليد المرعية، وأن التغيرات الجديدة التي شهدتها مقولات خطاب التنمية التكنولوجية، بعد انصرام بدائلها إلى تأسيسات تشكل حسب المهتمين والخبراء نوعا من اللمسات السحرية الإلكترونية، لكن الحاجة الماسة لمقاربة إعلامية متطورة أكثر تعبيرا عن التماسنا ديمقراطية منصفة في ظرف استثنائي تصارع فيه مؤسسات نشر وصحافة من أجل البقاء والاستمرار، رغم الظروف المادية الصعبة، يضعنا أمام مسألة وجود ومقاومة أرياح سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، بإعادة النظر من جديد في مشاريع لاتهم الصحفيين، بقدر ماتهم أصحاب المقاولات. مشاريع لا تجعل من رؤيتها للعمل الصحفي رداءا لتغطية جوانب مهمة من الرسالة الإعلامية، بل تفي فقط بالأغراض السوسيواقتصادية، بما فيها التعاقدات الخارجة عن قنطرة القوانين اللقيطة، التي يعتاش من بقاياها الصحفي المهني.

نستحضر هذا الركام المندفع من قلقنا كمنتمين لجسد الصحافة منذ ما يقرب الثلاثة عقود، ونحن مرهقون بالجدالات العقيمة والاحتدامات السياسية التي قضت عمرا من تجاربنا، دونما نتيجة تحفظ شيئا مما يسع الحياة والخيال.

مثابرون نحن عن وشم يظل نزقا في أرواحنا ما حيينا، حتى مع التجريف الذي طال مهمتنا كصحفيين منشغلين بالبحث عن الخبر بفضح الفساد ورفض الاستبداد ..

مغامرون نحن في قدرتنا على اجتياز صعوبات الصحافة وما تجر خلفها من مخاطر وهموم يومية والتباسات …وأحيانا محاكمات وقص أجنحة..

منافحون عن رصيد لا ينحدر سقوطا في فجوات القهر وضيق ذات اليد وانفلات كل مكابح الكتابة وترويع النفس…

أقول كل ذلك وفي خاطري غصة يغالبها دمع سخين، تجر خلفها فرائس ظليمة من بؤس حال الصحافة في وطني، لاتنصرف دون حديث الشجن اليومي الذي يترصدنا عند كل مسار وفارق. شجن يتمنع عن الاختلاط في غرائبية تطمس واقعا من مزاولة مهنة يتلبسها كل شارد مارد، وكل عاجز ملدوغ.

فكيف نمنع أنفسنا من الكلام عن مهنة تعودنا على تقييدها بمدخرات التمكين ومستحضرات التبليغ والتنوير، ونحن لم نبلغ بعد شأو من جربوا تقدير الإعلام جسرا ناهضا بالتنمية وتحقيق الديمقراطية؟

هل نذكر خيبتنا المكلومة كلما هن صراخ الروح في ذواتنا، متمترسين خلف زحامات اللامعنى، متكورين في سلبيتنا ورفضنا للمعرفة كخطاب يمارس سلطته الرمزية في مجتمع يبصم حضوره من رؤيته انطلاقا من موجبات تنمية وسائله الاعلامية والصحفية؟

أم ستبقى القطيعة الابستمولوجية لخطابات الدولة الرسمية، موازاة مع الخطابات الفكرية والثقافية البديلة بؤرة لتأخير اندماج العمل الصحفي والاعلامي الحر والنزيه، وترصيفه ضمن الحدود المخزنية التي لا تسمح للعقل النهضوي أن ينفلت من عقاله؟

ghalmanepresse@gmail.com