أخبار دوليةأخبار وطنيةالأخبار

“وثائقي” قناة فرانس 3 حول ملك المغرب.. ثلاثية الجهل و التزوير و الكذب


شادي عبد الحميد الحجوجي

يبدأ “الوثائقي” المزعوم، (وهو أقرب الى “روبوطاج” تلفزي ردئ، ممطط بشهادات سمتها المبالغة و السطحية)، بصور لحفل الولاء ترافقها “موسيقى تصويرية” جديرة بأفلام الرعب، طبعا اختيار غير موفق و لكنه ضروري لاعطاء “هالة” للخواء الفكري الذي يؤثت التعليق و آراء المشاركين.
يبدأ “الوثائقي” أيضا بالكذب دون مقدمات، عندما يقول بأن الملكية المغربية هي ملكية “حق الهي”، في حين أن جميع الملكيات تاريخيا (حتى الأوروبية منها) كان لها هذا الطابع، لكن بما أن “الوثائقي” يتحدث عن محمد السادس، فمن سوء النية و الجهل الفاضح القول بأن الملكية المغربية في عهده، هي ملكية “حق الهي” لسبب بسيط، و هو الدستور المغربي الذي يقر بأن الخيار الديمقراطي هو ثابت من ثوابت المغرب و بأن النظام السياسي المغربي هو ملكية دستورية برلمانية ديمقراطية اجتماعية، أما كون الملك هو أمير المؤمنين، فهذا ليس دليلا على ملكية “حق الهي”، الا اذا اعتبرنا الملكية البريطانية هي أيضا ملكية “حق الهي” مادامت الملكة هي رئيسة الكنيسة الانكليكانية..
في بحثه عن مزيد من الكذب، يستعرض “الوثائقي” قول الأمير هشام بأنه لا يمكنك لقاء الملك محمد السادس دون أن تقبل يديه، كما أنه على الناس الانحناء له على بعد كيلومترات (!)، كذب فج، و مبالغة تنزع الموضوعية عن صاحب “الشهادة”، لكن عندما نعلم أن أبوبكر الجامعي صرح بأن “الأمير الأحمر” (كذا)، كان دائما يرغب في عرش المغرب، نفهم لماذا “يضطر” صاحب نظرية “ثورة الكمون” أن “يزور” الواقع و الحقائق التي لا تخدم “مخططاته”.
الكذب و الاختصار المعيب سيستمر عندما يتم الربط الميكانيكي بين بنبركة و اليسار، واختصار المعارضة في بنبركة، اختصار علاقة بنبركة و الحسن الثاني في “المعارضة”، و قد كانت علاقة “افتتان” متبادل بين عملاقين مغربيين، اختصار عملية اغتيال الشهيد بنبركة في الوضع المغربي فقط لاتهام الحسن الثاني، و اغفال مخطط أوفقير الذي كان في مشروعه الانقلابي تصفية و اضعاف أي معارضة حقيقية و دك اسفين بين المعارضة الوطنية و الحسن الثاني وعزل هذا الأخير قبل الانقلاب عليه، اغفال الوضع الدولي و مساهمة المخابرات الفرنسية و الأمريكية و الموساد في اغتيال المهدي بالنظر الى قيادته لحركة عدم الانحياز و معركته ضد الامبريالية و مشروعها في افريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية، ثم ذلك الاختصار اللامعنى له الذي يربط الحسن الثاني، هذا الملك العظيم، فقط ب”سنوات الرصاص” و “الانقلابات”، لدرجة يتحول فيها هذا “الاختصار” المقصود، الى تزوير خالص للتاريخ.
الحسن الثاني كان ملكا عظيما، رغم أخطائه (و جل من لا يخطئ)، كان ملكا بكاريزما و ثقافة و فكر مركب (تقليدي و عصري في نفس الوقت) و رؤية مستقبلية لم تكن لأي من معارضيه، سوء حظ الحسن الثاني، كان في الوضع الدولي المشحون بتداعيات و تجاذبات الحرب الباردة بين معسكرين، وواهم من يظن أن الصراع على السلطة في المغرب كان فقط أمرا داخليا، ففي نفس الفترة، من ستينات القرن الماضي الى سقوط جدار برلين، كان كل العالم يغلي، وليس فقط مغرب الحسن الثاني، في أمريكا اللاتينية و افريقيا و العالم العربي في شمال افريقيا و الشرق الأوسط وآسيا (الصين، الكامبودح، فييتنام، كوريا، اندونيسيا.. على سبيل المثال لا الحصر)، في أوروبا الشرقية و الاتحاد السوفياتي سابقا، كل هذا العالم كان في عهد الحسن الثاني مليئا بالحروب الأهلية التي قتل فيها الملايين، وضاجا بالانقلابات العسكرية التي جنت على مستقبل بلدان و شعوب و أمم، و قمع المعارضة حتى في أمريكا كان هو الأصل (المكارثية)، في هذه الفترة التي حكم فيها الحسن الثاني كان كل العالم يحترق و يتمزق، و ما خلفته هذه الفترة في هذه البلدان من ضحايا و قتلى و مسجونين و منفيين و مفقودين بالملايين، لا يمكن أبدا مقارنته بما وقع في المغرب، الحسن الثاني أخرج المغرب من مصير الانقلابات و من مصير الايديولوجيات العدمية الفاشلة و من مصير التفكك بأقل الخسائر الممكنة، لأنه لم يكن يتصارع مع حمائم، لقد كان يواجه من يريد رأسه.. كل صباح.
الحقيقة الوحيدة التي قالها “الوثائقي” الفرنسي، لحظة صدق، هي اعترافه بأن فرنسا عندما خرجت من المغرب، تركته بلدا فقيرا، فباستثناء المدن “الجديدة” التي بنتها للمستوطنين و منعت المغاربة من دخولها الا بتصاريح، و باستثناء السكك الحديدية و الطرق التي استعملتها فرنسا لاستنزاف خيرات المغرب بعد أن بنتها سواعد المغاربة، باستثناء هذه الأمور “النفعية” التي أوجدتها فرنسا في “المغرب النافع”، فانها حين مغادرتها لهذه البلاد، تركت ثمانين بالمائة من ترابه فقيرا معدما.
عندما خرجت فرنسا من المغرب كان خمسة و ثمانون بالمائة من سكانه في البوادي و الجبال، عندما خرجت فرنسا من المغرب تركت في الدارالبيضاء بنايات “لارديكو” صحيح، لكنها تركت فيها أيضا أكبر حي صفيحي في المغرب. عندما خرجت فرنسا من المغرب كان ناتجه الداخلي تقريبا خمسين مرة أقل مما هو عليه اليوم.
بعد هذا كله، لا يحق لفرنسا أن تعطينا دروسا في خلق الثروة و توزيعها، خصوصا و أن المغرب ودون غاز أو بترول، حقق في عهد محمد السادس في الخمسة عشر سنة الماضية أفضل النتائج في خلق الثروة و توزيعها في كل بلدان شمال افريقيا و الشرق الأوسط غير النفطية، لأن ناتجه الداخلي الخام تضاعف ثلاث مرات تقريبا كما تضاعف الدخل الفردي للمواطن المغربي بنفس النسبة تقريبا.
بعد أن تركت المغرب في الماضي بلدا فقيرا بشعب فقير.. فرنسا تريد المغرب في الحاضر بملك فقير
من العبث النظر الى هذا الهجوم على استثمارات الملك في المغرب، بمنظار من يريد بالمغاربة خيرا، هذا الهجوم هو في العمق موجه من طرف المفترسين الحقيقيين لثروات المستعمرات السابقة، لكنه مغلف بخطاب حول الشفافية و عدم الجمع بين السلطة و المال (حق يراد به باطل)، تماما كما تغلف أمريكا خطط تفكيك الدول بخطاب حقوق الانسان و الديمقراطية.
لنفترض أن الملك وزع ثروته الشخصية على المغاربة، كم سيكون نصيب كل فرد ؟.. اذا استثنينا القصور الملكية التي هي في ملك الدولة المغربية من “المبلغ” (!).. سيكون نصيب كل مواطن بين خمسمائة و ألف درهم.. مرة واحدة و تنتهي “الوزيعة”.
الحقيقة أن المفترسين في فرنسا لا يريدون من الملك أن يوزع ثروته على المغاربة لأنهم يريدونها لهم، و الملك عندما يستثمر في بلاده فانه يشغل عشرات الالاف من المغاربة و يضمن لهم راتبا مستمرا ومتطورا، و هذا أفضل من ذلك “الحل” البليد الذي طرحه من يطلب “حقة” في ثروة لم يساهم فيها بدعوى أنه “الشعب”.
المفترسون في فرنسا يجربون نفس الخطة التي استعملوا فيها أقلاما مغربية ل”يدفعوا” الملك للتخلي عن استثماراته في بعض المواد “الأساسية”، و عينهم هذه المرة على الاستثمارات في الطاقات النظيفة، خصوصا و أن أكبر المشاريع في هذا الورش المستقبلي، كانت من نصيب شركات سعودية أو ألمانية أو صينية عما قريب في منطقة تافيلالت.
عندما تخلى الملك عن استثماراته في المواد “الأساسية” (رغم أن البسكويت ليس مادة أساسية كثيرا)، و عندما دخل الفرنسيون ليستحوذوا على المركزية للحليب مثلا، هل تغيرت أحوال المغاربة ب”فضل” هذا التحول ؟.. هل أصبح المغرب قوة اقتصادية عظمى بسبب هذا الاجراء ؟.. من يقول لنا أن خروج استثمارات الملك من جميع القطاعات التي يساهم فيها سيكون مفتاحا لكي يصبح المغاربة أغنياء، يكذبون علينا لصالح أولياء نعمتهم الذين يستضيفونهم عندهم في قنواتهم.
حتى نتخلص من الأسطورة الفرنسية التي تقول بأن الملك “يسيطر” على الاقتصاد المغربي
“الوثائقي” الذي جعل من الكذب و الافتراء خطه التحريري، بقي وفيا لهدفه، فرغم أن الملك تخلى عن الاستثمارات في “السكر و الحليب” فان ضرورة الحشو و ضرورة تأثيت البرنامج بشهادة أبو بكر الجامعي، جعله يمرر معلومات لم تعد لها صلة بالواقع.
أكثر من هذا، يتحدث الجامعي عن فرضية أن تقتني سيارتك من شركة تابعة للهولدينغ الملكي بقرض من بنك يساهم فيه الهولدينغ الملكي و تأمينها في شركة تأمين تابعة لنفس الهولدينغ (كما لو أن المواطن المغربي ليس له خيار)، عندما تسمع هذه الفرضية دون تمحيص، و عندما تسمعها و أنت جاهل بالوضع الاقتصادي المغربي، سيظهر لك الأمر “مفزعا”.
لكن ما لا يقوله أبو بكر الجامعي، هو أن قطاع السيارات كما قطاع التأمينات كما قطاع البنوك، هي قطاعات فيها تنافسية حقيقية، و المواطن المغربي ليس ملزما أن يتعامل مع شركات الهولدينغ الملكي أصلا، كما أنه على فرض أنه يريد اقتناء سيارة من شركة سيارات تابعة للهولدينغ الملكي فانه غير ملزم بأن يأخد قرضه من بنك المجموعة ولا أن يؤمن عليها في وكالات تأمين نفس المجموعة.
تصوير الأمر على أنه سيطرة على سوق السيارات، أمر يكذبه الواقع، و تصوير بنك الهولدينغ الملكي بأنه وحده في السوق كذب واضح، لأن حصته في سوق البنوك لا تتجاوز العشرين بالمائة، و القول بأن تأمينات الهولدينغ الملكي تسرح و تمرح بمفردها دون قانون كما لو أنها في غابة، أمر بئيس لا تعضده الأرقام التي تقول أن خمسة و ثمانين بالمائة من سوق التأمينات بالمغرب، لا علاقة له باستثمارات الهولدينغ الملكي في هذا القطاع.
اذن لا سيطرة و لاهم يحزنون، و كما أنه ليس هناك سيطرة على القطاع البنكي و لا على قطاع التأمين و لا على قطاع السيارات، فانه ليس هناك سيطرة على القطاع الفلاحي، فهذا الأخير هو ملايين الهكترات من الحبوب و الأشجار المثمرة في كل المغرب، و صادرات المغرب من المواد الفلاحية لا تشكل فيها منتجات الضيعات الملكية أكثر من خمسة بالمائة على أقصى تقدير، فلماذا الاستمرار في الكذب على الناس.
في بداية “الوثائقي” يقول متدخل بنفحة “ايديولوجية مناضلة” صادقة ربما لكنها فارغة بكل تأكيد، ان محيط الملك “استحوذ” على “جواهر” الاقتصاد المغربي (كذا) ، لكن دون أن يدلنا على نموذج معين لنتحقق ان كان فعلا “جوهرة” أو “حجرا مضروبا”، ودون الدخول في بوليميك لا ينفع، لنترك الأرقام تتحدث مرة أخرى، فاذا كانت “الشركة الوطنية للاستثمار” بمختلف أذرعها لا تشكل أكثر من اثنين بالمائة من الناتج الداخلي للمغرب (ضرائبها تشكل ستة بالمائة مما تستخلصه الدولة من الضرائب، و هو أمر لا يتحدث عنه الصحافيون “المنفيون” باختيارهم)، اذن بشركة لا تزن أكثر من 2 بالمائة من الناتج الداخلي المغربي، كيف يمكن لعاقل أن يتحدث عن “استحواذ” أو “سيطرة” أو حتى “افتراس”، و هو مصطلح من ابداع “صحافية” فرنسية مفترسة أرادت تجريب وصفتها مع بنعلي في تونس مع محمد السادس، و هذا وحده دليل جهل مطبق بأحوال المغرب و تاريخه المختلف و تطوره و مكانة الملكية المركزية و دورها المحوري في تشكل الهوية الوطنية المغربية.
هذا الافتراس الفرنسي وضحه المحامي في نفس “الوثائقي”، من خلال قضية “أوشون” و “دانون”، و هو افتراس مدفوع باستعلاء استعماري يرسم لأصحابه حجما أكبر من حجمهم الحقيقي، فعندما تظن أن قطاع التوزيع لن ينجح في المغرب الا بالحضور الفرنسي عبر “أوشون”، و عندما تظن أن قطاع انتاج الحليب في المغرب لا يمكنه الاستمرار الا ب”دانون”، فهذا يعني أن الفرنسيين هم المفترسون الحقيقيون و ليس أحدا غيرهم، و الحمد لله أن هناك من استطاع ارجاعهم لجادة الصواب في هذه القضية، كما في قضايا أخرى.
“الوثائقي” يردد أسطوانة مشروخة حول الجيش المغربي، لكن المؤسف أن ينسى مواطن مغربي في “شهادته” أننا في حالة حرب، و لذلك يكلف الجيش في المغرب ميزانية أكبر مما هو موجود في بلدان لا تعيش تهديدا حقيقيا لتقسيمها.
و”ليثبت” معدو البرنامج بأن الملك محمد السادس حاكم “ديكتاتوري” (كذا)، يذكروننا بأن الملك هو رئيس أركان الحرب العامة، المشكلة في هذه “الحقيقة”، هي أن كل الملوك بمن فيهم الملوك الأوروبيون هم دستوريا رؤساء أركان الحرب في بلدانهم، لكن لا علينا، سمعنا أيضا الحديث عن شطط في استعمال السلطة و عن “فكرون” تتم رعايته رغم أن الأمر لا يستدعي جهدا كبيرا، ثم سمعنا ذلك “الكليشي” الذي يريد اقناعنا بأن السبب الوحيد الذي يجعل الجيش لا يقوم بانقلاب هو أن بعض الجينرالات لهم “كريمات” في أعالي البحار، أمر مذهل حقا هذه السطحية و هذا الفراغ الفكري عند الحديث عن جيش رغم النقائص التي تعتريه كأي جسم “بشري”، هو، أحب من أحب و كره من كره، جيش حقيقي، عصري ومنظم و منضبط و محترف و فعال، و هو نموذج لم تنجح أي دولة عربية في بناءه.
ينتقل “الوثائقي” دون أي خيط ناظم، من موضوع لموضوع، لكن في الحقيقة أن خيطه الناظم هو “استعمال” أي “شئ” ليتم تقديم المغرب بشكل غير حقيقي، بل كاريكاتوري، و لهذا ينتقل دون أي مقدمات من الجيش و “الفكرون”، الى مقارنة تطور الثروة الملكية بمعدل الفقر في المغرب الذي (وهذا لم يقله المغرضون الذين أعدوا هذا المسخ)، انخفض في عهد محمد السادس من عشرين بالمائة، لأربعة بالمائة حسب احصائيات البنك الدولي الأخيرة.
المجهود الجبار الذي بذله محمد السادس في تحديث كل المدن الكبيرة، في تطوير البنيات التحتية التي ساهمت في الاقلاع الاقتصادي للمغرب لا يمكن انكاره، كما لا يمكن انكار أن المغاربة اصبحوا يعيشون في مدن أكثر رخاء و أن دخلهم أيضا تطور في عهد محمد السادس، صحيح لايزال هناك مجهود وجب أن يتم بذله في المدن الصغرى و في القرى، لكن المسألة مسألة وقت، لا مسألة ارادة ملكية، و ما لم يقله “الوثائقي” المشوه، هو أن المغرب حقق في الثلاثين سنة الماضية و بامكانيات محدودة و ذاتية غالبا، ما تحقق في بلدان أخرى في قرن أو قرنين.
كما أن محاربة الفقر ليس مرتبطا بصفة أتوماتيكية بالديمقراطية، فالهند مثلا وهي اكبر ديمقراطية في العالم، نسبة الفقر فيها تتعدى الأربعين بالمائة، فهل الحكومة الهندية أيضا لا يهمها أمر الشعب، و مشغولة ب”شركاتها” ؟ لقد قيل قديما ان أقوال العقلاء منزهة عن العبث، لكن لسوء حظنا أننا لم نشاهد عقلاء في هذا المسمى “وثائقي”.
الجهل و التزوير، لم يكن في هذا “الوثائقي” فقط في استدعاء صور سوريا أو الأردن حين الحديث عن معيش المغاربة، لكن تعداه ليقدم مظاهرة لنقابة مغربية (الكونفدرالية الديمقراطية للشغل) تطالب بسقوط ابن كيران على أنها مظاهرة تطالب باسقاط النظام، ولا يمكن لأحد أن يقنعني بعد هذا أن التزوير لم يكن مقصودا طيلة مدة هذا “العمل”.
ويصل هذيان “الوثائقي” الى قمته عندما يقول بأن زكريا المومني “يزعج” المغرب، و أنه يشكل “الدابة السوداء” للنظام، (تشي غيفارا صافي)، دون أن يشير الى أن القضاء الفرنسي نفسه هو من أصدر حكمه القائل بأن ملف المومني فارغ من أي أدلة في موضوع اتهامه، و المضحك في قصة هذا المدعي، أنه في كل مرة يقدم “قصته” ببهارات جديدة، و هكذا سمعنا مصطلحات جديدة هذه المرة من قبيل “مجزرة” و “كفتة” و”بواط دو كونسيرف” و باقي الترهات الغبية، مع الاشارة الى أنه لم يشرح لنا كيف له، وقد كان مقيد اليدين إلى الخلف بإحكام، و مربوط الرجلين بوثاق إلى عصا، أن يستعمل يديه المكبلتين الى الوراء، لازاحة العصابة من عينيه الموجودتان أعلى وجهه، الذي لا يوجد بدوره عادة في الظهر، وبالضبط وقت مرور الحموشي، (حاجة بيزار.. ماشي نورمال).. لكن مقبولة من “وثائقي” (مدرح) تماما كبطل العالم (المزور).
رغم أن هذا “الوثائقي” بذل مجهودا خرافيا لاستجماع كل ما يمكن أن يسئ الى محمد السادس، فان النتيجة كانت بئيسة، و ما “يفرح” في هذا، أن القوم “المنفيين” و”معارضي” الساعة الخامسة و العشرين و الصحافيين الفرنسيين المرتشين و الملاكم الأهبل، كل هؤلاء لا يساوون جناح بعوضة عند المغاربة، وليس صحيحا أن أبوبكر الجامعي و فهد بنشمسي هم وحدهم في كل المغرب من يعرفون ما هية الصحافة المستقلة، و ليس صحيحا أن المواضيع التي كانوا يتطرقون لها لم يعد أحد ينبش فيها، ليس صحيحا على الاطلاق.
في بعض الأحيان يكون التواضع أفضل ناصح، عوض التعالي و الاستمرار في قول الأكاذيب عن المغرب، أكاذيب لا تصمد كثير أمام هذه المملكة التي تتقدم باصرار، بأبنائها الذين لم و لن يبيعوها في أول “محنة”.
ما أغاض القائمين على هذا “الوثائقي”، هو أن الاقتصاد المغربي في كثير من مناحيه يتطور بعيدا عن فرنسا، و استثمارات الملك مجرد “سبوبة” لاعلان الحنق عن “الأرباح” التي حرموا منها، و استفاد منها من يجب مهاجمته، لدرجة القول بأن المغرب في عهده لم يتقدم، لا في الحريات و لا في حقوق الانسان و لا في الوضعية الاجتماعية و لا في الاقتصاد و لا في البنية التحتية و لا في العلاقات الدولية و لا في المكانة العالمية التي أصبحت لأجهزته الاستخباراتبة و الأمنية، المغرب في عهده سجن كبير، و الحقوق الثقافية مهضومة، و الحياة الفنية مقتولة، و الناس لا تجرأ على الكتابة، لذلك لا توجد مواقع الكترونية بالالاف في البلاد، و لذلك لا يعبر ملايين المغاربة بحرية في مواقع التواصل الاجتماعي، و لذلك يتم شهريا حجب يوتوب و توقيف فايسبوك، و لذلك لا توجد مظاهرات في المغرب و لا مسيرات و لا وقفات احتجاجية و لا نقابات و لا أحزاب، و لا حتى مائة ألف جمعية مدنية كما يقال، لا شئ من هذا في مغرب محمد السادس، لا شئ يستحق الذكر.
أمر مؤسف أن يشارك مغاربة في “وثائقي” صاحب فكرته ليس سوى “جون بيير بيريز”، مخرج الفيلم، الذي تم ترحيله من طرف السلطات المغربية، قبل أكثر من سنة، دون أن يفطنوا كون هذا “الوثائقي” سيكون بنفس انتقامي، خصوصا عندما يتم اختيار المفترسة المبتزة “كاثرين غراسيي” كمستشارة (كذا) لمخرج هذا “العمل” الخيري العظيم، والذي عرف عنه سرقة موضوع فيلم حول الاحتباس الحراري من صديقته.
لا أعرف لماذا تذكرت الحسن الثاني و مشروعه لاعادة احياء صناعة السكر التي عرف بها المغرب منذ عهد السعديين، و أنا أشاهد هذا “الوثائقي” الخردة، فلقد طلب الحسن الثاني من فرنسا تقديم مساعدة مالية و تقنية لاعادة احياء هذه الصناعة في المغرب، لكن جواب الفرنسيين كان أن استيراد السكر سيكون أقل تكلفة، فما كان من الحسن الثاني الا ركوب “دماغه” و الاستثمار في صناعة تكرير السكر (من المعلوم أنه بفضل الحسن الثاني أصبح المغرب يغطي اليوم ما يناهز 60 بالمائة من احتياجاته من السكر، مع العلم أن المواطن المغربي يستهلك ثلاثة أضعاف المعدل العالمي من هذه المادة، و لو كان استهلاكنا يوازي المعدل العالمي، لحققنا الاكتفاء الذاتي و قمنا بتصدير الفائض للخارج)، بعد ذلك، استثمر في قطاعات أساسية لأن الطبيعة تكره الفراغ، ثم خطط لسياسة السدود وسط تهكم المعارضة و تقديمها لنموذج “التصنيع” الجزائري على أنه ما يجب فعله (سنعلم فيما بعد أن هذا “التصنيع” الجزائري كان بروباغاندا أكثر منه أمرا حقيقيا).
عند تولي محمد السادس الحكم، تم الهجوم على استثماراته في السكر و الحليب لغاية في نفس يعقوب، مع أن الملك الجديد انما ورث ذلك عن والده، و لم يكن هو من اختار هذا النوع من الاستثمار، لكن المفترسين الحقيقيين لم يتورعوا و لن يتورعوا مستقبلا عن الكذب و تشويه الحقائق.
اليوم، و عندما يستثمر الملك أمواله في المغرب، أي داخل البلاد، فانه في نظر صحافية تريد الاستثمار في الخيول عن طريق أموال متحصل عليها عن طريق ابتزاز، فانه “مفترس”، و عندما سيتوقف عن الاستثمار في المغرب و سيوجه أمواله للاستثمار في الخارج سيصبح، في نظرها دائما، “مهرب أموال”، كما لو أن الشركات الفرنسية التي تستثمر خارج بلدها مثل “رونو”، انما تهرب أموال الفرنسيين.
سوء النية و الجهل و الغباء، أمور اذا اجتمعت في شخص واحد يصبح الأمر خطير جدا، أما اذا اجتمعت في أكثر من شخص، في “وثائقي” معطوب، فان الأمر لا يحتمل، خصوصا عندما يصلك تبرير من بعض من شاركوا، بكون هذه المواضيع لا تتطرق لها القنوات المغربية (كذا)، فهل هذه مطالبة بأن تكون “كاثرين غراسيي”، مستشارة لقسم الأخبار في القناة الثانية مثلا.
مثل هذه التبريرات “العبيطة” تذكرني بجندي حارب في صفوف جيش المستعمر، و عندما سئل عن السبب، أجابهم بكونه لم يجد مكانا في صفوف جيش التحرير الوطني.
لقد ختم هذا “الوثائقي” خيبته، بلقطة لشباب “متحمس”، لكن دون علم، و دون معرفة تاريخية، و في المغرب يصعب على من لم يقرأ تاريخه جيدا أن يغير فيه، الشباب يصرخ “عاش الشعب”، و هو شعار يضعونه بجهل أسطوري في مقابلة شعار “عاش الملك”، لكن ما غاب عن هؤلاء الشباب الذي لا نشك في نيته الطيبة حد السذاجة، هو أن التاريخ المغربي يخبرنا بأن هذا الشعب الذي نتمنى له الحياة معهم، هو نتيجة لعمل ملوك عظام، و لن نذهب بعيدا في تاريخ هذه الأمة المغربية المجيدة، و سنتوقف عند بداية عصر المولى اسماعيل، في هذا العصر، لم يكن هناك شعب بالمفهوم الذي نعرف، الشعب كان قبائل متفرقة لا يجمعها أمر، الشعب كان في مرحلة تحلل، و الملك هو من جمع شتات هذا الشعب قبل أن تتمزق هذه البلاد، و لذلك يجب القطع مع ذلك الاحساس الذي يقول لنا أننا كنا دائما شعبا متماسكا متراصا كما هو حالنا اليوم، لأن الأمر في فترات كثيرة من تاريخنا لم يكن كذلك، و اذا كنا اليوم شعبا و أمة منسجمة بهذا الشكل، فلأنه نتيجة عمل تم بفضل ملك محبوب يجمع الشمال بالجنوب، و الشرق بالغرب و يعزز انصهاره في بوثقة واحدة اسمها المغرب من طنجة الى تخوم الصحراء المغربية.
عاش الشعب اذن و لا اعتراض، لكن هذا الشعب هو “صناعة ملكية” امتدت لقرون، و لذلك يقول الشعب عاش الملك، دون أن يزايد، فهو يعلم يقينا بعد التجارب و تقلبات الدهر و الواقع السائد، أن الشعب و الملك في هذا المغرب.. شئ واحد.
لن تتوقف تحرشات الأطماع الاستعمارية، و المصالح الاقتصادية و المخططات السياسية عند حدود هذا “الوثائقي” المتهالك البنيان و المتداعي الأركان، لكن حقيقة واحدة تتعزز في وجدان المغاربة، وهو أن هذه البلاد لها عمود فقري واحد، و لاضعافها و تشتيتها و جعلها تركع على ركبتيها للعدو المتربص، سيستمر هذا العمود الفقري في تلقي الضربات، ولذلك سيستمر المغاربة في لعب دور الذروع الواقية، حتى تستمر هذه البلاد، ليس في الوقوف فقط، و لكن في تثبيت هامتها و قامتها بين العظماء في هذا العصر، تماما كما فعلت ذلك كثيرا فيما مضى، سيستمر الشعب المغربي على هذا العهد رغم كيد الكائدين و مكر الماكرين.. تأكدوا..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى