أخبار وطنيةالأخباردراساتمقالات

المهدي المنجرة.. المخَلِّص المنتظر الذي لم يركع


صورة للمرحوم الدكتور المهدي المنجرة/أرشيف

بورتريه: المهدي المنجرة.. المخَلِّص المنتظر الذي لم يركع

يراه البعض رجل المبادئ والمواقف، وينظر إليه آخرون نموذجا للمثقف القدوة الذي يحمل هم الأمة، وترى فيه فئة ثالثة، المتمرد الثائر الذي تنبأ بالثورات ورفض الوقوف مع السائد والتفكير داخل الصندوق. لكن الجميع يجمع على أنه عالم فذ ومرجع عربي ومفخرة لبلده المغرب.
هو ذا المفكر وعالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة الذي تصادف ذكرى وفاته تاريخ اليوم 13 يونيو.
المهدي.. العالم المنتظر
ولد المهدي المنجرة في 13 مارس سنة 1933 في “مراسا” بمحاذاة المدينة العتيقة للرباط. كان والده امحمد المنجرة تاجرا مهتما وداعما للعلوم، تربى في أسرة محافظة على القيم والمبادئ الإسلامية.

حصل المنجرة على الباكالوريا من ثانوية ليوطي بالدار البيضاء، وعلى إجازة في العلوم السياسية من جامعة كورنيل الأميركية في عام 1954، والدكتوراه في العلوم الاقتصادية والعلاقات الدولية، من جامعة لندن، عام 1957.

ليشغل بعدها بعدة وظائف بالمغرب وخارجه أهمها: ـ محاضر في جامعة محمد الخامس بكلية الحقوق، وكان أول أستاذ محاضر مغربي فيها.

مستشار أول في الوفد الدائم للمغرب بهيئة الأمم المتحدة بين عامي 1958 و1959 وأستاذا في عدة جامعات دولية (فرنسا وإنكلترا وهولندا وإيطاليا واليابان)، وشغل باليونسكو مناصب قيادية عديدة (1961-1979).

كما أسهم في تأسيس أول أكاديمية لعلم المستقبليات، وترأس بين 1977 – 1981 الاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية.[1][2] وهو عضو في أكاديمية المملكة المغربية، والأكاديمية الإفريقية للعلوم والأكاديمية العالمية للفنون والآداب، وتولى رئاسة لجان وضع مخططات تعليمية لعدة دول أوروبية.

حاز المنجرة على العديد من الجوائز الدولية والوطنية، من بينها وسام الشمس المشرقة الذي منحه له إمبراطور اليابان.

حياة مليئة بالرفض..
يشكل الرفض تيمة بارزة في حياة المهدي المنجرة، رفض الإهانة ورفض الخضوع والهيمنة ورفض التحكم ورفض اليأس والانهزام. يحكي قصة يقول إنها شكلت منعطفا في حياته، وحدثت بأحد المسابح بمدينة إفران، حين احتج المهدي على شرب كلب أحد المستعمرين من المسبح، فرد عليه رجل فرنسي بعنصرية لماذا نرفض نزول الكلاب إلى المسبح ما دام العرب موجودين فيه. انتفض المنجرة بسبب هذه العبارة وتشاجر مع المستعمر، ما أدى إلى اعتقاله لمدة عشرة أيام بعد حضور الشرطة.

حادث آخر يكرس لشخصية المنجرة الرافض، وهو عدم قبوله المشاركة في الحرب الكورية، والخضوع إلى التجنيد الإجباري الذي كان مفروضا على حاملي البطاقة الخضراء، من الجاليات المستعمرة في أميركا اللاتينية، حيث قرر الرحيل إلى إنكلترا، حينما سجل موضوع أطروحته في الاقتصاد، بجامعة لندن، حول “الجامعة العربية”، ناقشها سنة 1954.

رفض المنجرة امتد إلى المناصب فتعددت الكراسي التي رفض الرجل الجلوس عليها لأنه رأى أنها ستحد من حريته، أو ستحط من كرامته، أو ستجعله طيعا لمن هو أعلى. فقد رفض مناصب حكومية عرضها عليه الملكان محمد الخامس والحسن الثاني، كما رفض وظيفة نائب رئيس بصندوق النقد الدولي.

عالم المستقبليات الذي تنبأ بالثورات العربية
لم يكن اندلاع الثورات العربية أول تنبؤ صائب يقول به المهدي المنجرة، فقد تنبأ قبلها بحرب الخليج، التي سماها الحرب الحضارية الأولى، وكذا انحصار الهيمنة الأمريكية على العالم.

وقد تحدث المنجرة بوثوقية شديدة عن أن استمرار وضعية السكون في البلاد العربية مستحيل، وأن حلحلة الوضع لا محالة حاصلة، وأوضح ذلك بجلاء في كتابه “الانتفاضة في زمن الذلقراطية” حيث يقول: ” هناك في رأيي ثلاثة سيناريوهات ممكنة. أولا، سيناريو الاستقرار والاستمرار. وهذا السيناريو يعني أن تستمر الأمور على ما هي عليه، ولذلك، فإنها تحتاج إلى دعم من البنك الدولي، والجيوش الأجنبية التي تستوطن البلاد العربية وتؤدى لها فواتير الإقامة. غير أن الاستقرار البيولوجي يعني الموت وتعطيل الإبداع والخلق والابتكار. وهذا السيناريو الذي يسمى عادة بـ “ستاتوسكو” غير ممكن في حياة الشعوب.

بل إن قراءات المهدي المنجرة ذهبت إلى ماهو أبعد من قيام الثورات إلى الحديث عن نتائجها، فقد أكد في محاضرته الشهيرة التي ألقاها، في جامعة مكناس، أن “الحكام العرب إنما يهدرون أموال الوطن في شراء أسلحة لن يستخدموها في شيء، وإذا استخدموها، فسوف يقتلون بها شعوبهم”.

لا خضوع للسلطة ولو كان الحصار بديلا..
لم يُخف المهدي المنجزة معارضته للنظام السياسي في المغرب في الرأي، ومخالفته في النظر إلى تدبير شؤون البلاد، فكان يرى أنه نظام يفتقر للرؤيا ويفتقد للبرنامج، ويحتكر السلطة. هذه المعارضة الصريحة كانت لها نتائج جلية، إذ ضرب حول الرجل سياج من المنع، فظل يتعرض، إما بشكل مباشر أو غير مباشر، للحصار والتهميش، فمنع بفاس مرة وبتطوان كرتين وقد علق البروفسور على هذا قائلا: ” أشارك في أكبر التظاهرات الدولية الثقافية في العالم في شرقه وغربه و شماله و جنوبه، و لم يحدث أن مُنعتُ في أي مكان، لكن في المغرب يمارسون عليّ الرقابة و المنع.. أي مستقبل لدولة تمنع المثقفين من القيام بأنشطتهم؟.

لكن البروفيسور لم يراجع مواقفه ولم يعدل عن آرائه حتى آخر أيامه وظل يردد بثبات: “الذي يحصل بالمغرب هو مجرد ماكياج سطحي، لكن الوجه هو الوجه…ليست هذه ديمقراطية…إنها ذلقراطية…يجب فسح المجال للشعب ليقول كلمته…فالدستور ممنوح و لا يمكن أن أقبل بالأشياء الممنوحة”.. أين الديمقراطية إذا لم تكن تأخذ بعين الاعتبار الفجوة بين الحكام والشعب المتضرر يوما بعد يوم…هذا يهيئ لانفجار سلبي سنؤدي عليه الثمن، و كلما تأخر الوعي بهذه القضية كلما سيرتفع الثمن. هذا هو تاريخ الانسانية وتاريخ المجتمعات…فعدم الوعي هو الخطر الأكبر”.

بقلم:يونس برداعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى