الأخبارفنمقالاتمنوعات

القصة الثامنة من المجموعة القصصية (العقد المحفوظة )..العقدةالثامنة :الوجه والمرآة


العقدةالثامنة :الوجه والمرآة

ما يتذكّره بقايا صور، شروخاً في مرآة الذاكرة . قديماً قالوا لا تفكّر في حيازة بندقية. الدّم يغسل بالدم. واليوم لا تفكّر في أن يكون لك عقل ثاقب. كن كبش فداء .
المرآة وطولها يوازي تقريباً طوله . وقد ولع بالنظر إليها.هو نفسه.. كان يقف أمامه حزيناً. ثم يغمز له . يسخر منه.
ما يتذكّره تلك القطع البراقة . دائماً كانت المرآة تقف أمامه . كلَّ يوم صورة .هذا اليوم وقد استيقظ بملابسه المشتعلة حبّا وشعره المنفوش ، وعينيه المحمرّتين، ألقى نظرة. أزال العماص ليتأكّ د. كان هو..عجلاً فارعاً يراقبه وهو ينفخ. بلكمته القوية أبعده عنه. اهتزّ قليلاً ثم اختفى ليظهر من جديد .. هو نفسه. وهذه المرّة لم يدع له أيّ فرصة.. ثم نظر إلى قبضته المدماة.
وجد نفسه في الشارع . دوي الانكسار الهائل لا يريد مفارقته. تحسّس جسده، ثم أطلق ساقيه للريح. وفي منعطفٍ اصطدم بشيءٍ غريب. التفت فأبصرشرطياً منبطحاً. لم يكد يأخذ صفارته حتى كان عند المنعطف الآخر. تخيّل أنّهم يطاردونه، والطريق أمامه شريط في عين نائ . لكنّه لم يسمع أصواتاً . ولمّا التفت لم يبصر أحداً .
رأى شرطيا آخر يقترب. كاد يجري. توقّف. اندسّ في ركن. راقبه. صار عجلاً. وامرأة آتية ، رأته فتدلى نهداها والتصقا. أحدث ذلك ثقلاً فأخذت تمشي على أربع. والشرطي يخرج لسان ه، وعصاه قد التصقت به أسفل بطنه، متجهاً نحوها قابضاً عليها معتلياً ظهرها..
وجد نفسه في شارع آخر. نظر حواليه. ثمة ضوء يجذبه . إنّه اللؤلؤة الوحيدة في هذا الشارع . ومن أحد الحيطان ثبتت قضبان حديدية حاملة لوحة اخترقتها أحزمة ضوئية لكتابة ما لتجعلها تسطع في الوجوه الفضولية أو الباحثة . فاتجه نحوه ، ودخل .. المكان نفسه كما حلم به. الملابس المعروضة صفوفاً صفوفاً. والمساعدون لا يكفون، يثرثرون, يشيرون للزبائن. لم يلتفت إليه أحد كما توقع. اختارثوباً أعجبه. لبسه بسرعة . رآه أحدهم فاتجه نحوه. كانت عيناه تنظران إلى ما فوق . إنّها “الكاميرا “..و لمداراة الموقف أدخل يده يحكّ جلده . وأعطاه ثوباً آخر. ودفعه إلى المخبأ، وأنزل الستارة . جالت عيناه في الثوب الذي بيده والذي يلبسه . استدار فرآها. هو نفسه .. ينظر إلى قبضته . الآن عليه أن ينفذ بسرعة ما فكّر فيه ليمحو تلك السخرية السوداء . اهتزّت الصورة قليلاً، معتقداً أنّها ستهدأ .. لكنّه سمع ذلك الصوت . فأغمض عينيه. ثم فتحهاعلى شرخ كبير يمزّقها. تابعه ليتفجّر فتبرز تلك العروق وتتشابك فتشنق أيّ تراجع، وإذا بالفراغ يقف أمامه مزهوّا. دخلوا عليه . رأواما جرى. أخذوا الثوبين حذرين وأوثقوه . لم يتركوا له حتى مجرد الرد عليهم . ثم جاء الآخرون ، ودسّوا جسمه في ثوب أبيض بالمقلوب ، واقتادوه إلى الخارج .
كان الدهليز شبه مضاءٍ، وكانت الغرفة مظلمةً ، كما كانت الغرف مقفلةً ، أمّا الجدران فبيضاء لكن لا نوافذ فيها إلاّ فتحة صغيرة . كما أنّ المكان لا يسكنه سوى صمت مطبق.
مرّت عليه ليالٍ وهو في ذلك الركن لا يبارحه . تفتح تلك الفتحة أسفل الباب. فتدخل يد . تضع الوعاء ثم تختفي . في الليل ثمة عيون تراقبه . عينان لا تفارقانه ، تطردان أحيانا تلك العيون . يحاول طردها بالوعاء الفارغ فتراوغه . مرّة انفلت منه و.. سمع قرع أحذيته ، فانزوى في ذلك الركن. أحاطوا به . أشبعوه ضرباً و .. شبّه الضربات .. سوطاً غليظاً وهو يجر محراثاً انغرز في الأرض . أصواتهم والضربات يتردّد صداهما في المكان والممر وربَّما الغرف الجامدة .
كاد يحسّ بالراحة في يوم من الأيام . هم الذين لم يتركوه . هزّ الصراخ سكون القرية »… والَعْجَلْ ادَّاهْ الْوَادْ أَجْمَاعَة«(1) . انتشلوه ووضعوه في المزرعة الكبيرة التي تحادي الوادي . مرّة أخرى ، وفي إحدى الليالي، سار بمحاذاة الأشواك خائفاً مترقّباً . لم ير أمامه . كانت الحلكة تصبغ سحنة الماء إلى أسفل رجلي ه. لم ير المستنقع .نعم ..ثمّ بدأت رجلاه تغوصان . ثم .. انفجر ذلك الصوت .. »والَعْجَلْ وْحَلْ ! «(2) . وتتابعت الأصوات التي أتت من كلّ حدب ، وتحلّقوا حوله . وهو.. عجل له خوار ، متخيّلاً أنَّهم سيبيعون من أجله حليّهم . أنقذوه لكنَّه لم ينقذ .. سمعهم يتحدثون عن الأمر، يتهامسون. ثم هزّوا رؤوسهم وانصرفوا ..
في يوم ما دخلوا عليه لابسين البياض . رفع أحدهم ذيله ليتأكّد . قال لهم إنَّه هو! ولمَّا همّوا بالانصراف أخبروه أنّه سيخرج عمّا قريب . وأوصوه أن يدخل السرور إلى قلبه لأنَّ ذلك مفيد لصحته .
وفي الموعد المحدّد، وبينما كان ينتظر تلك اللحظة .. دخلوا عليه . أحدهم كان يخفي شيئا يلمع تحت ملابسه، وآخرون يخفون حبلاً وآخر يحمل شيئا كأنَّه عمود قصير في رأسه شيء مثلث الشكل تقريباً .
وفي الوقت الذي بدأ فيه ضوء القمر يغمر المكان ، بعد غياب. انبعث من مكان قريب أنين موجع . ثم عمّ المكان صمت وترقب ..

1 – يا جماعة ، إنّ العجل جرفه الوادي .
2 – إنّ العجل بدأ يغوص في الوحل .

تارودانت نيوز
بقلم :عبد المجيد أيت عبيدالله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى