مقالات

العمى الإيديولوجي: تركيا بعيون بعض مثقفينا


تكشف ردود أفعال عدد من المثقفين والأكاديميين والسياسيين المغاربة تجاه مستجدات الحياة السياسية التركية عن ظاهرة مثيرة للانتباه، هي حصول استقطاب حاد بين فريق مؤيد للتجربة الحكومية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، وفريق معارض لا يكف عن تبخيس هذه التجربة وإظهار مواطن الفشل في طرق تدبير الحزب المذكور للحياة السياسية التركية. وهو في الواقع لا يختلف كثيرا عن استقطاب “الجماهير” الذي يتغذى، في الغالب الأعم، على انخفاض منسوب الوعي والمعرفة من جهة، وجبروت الإعلام والصورة من جهة ثانية.

نبدأ أولا ببيان بعض تمظهرات هذا الاستقطاب، ومن ذلك مثلا أن يسارع منتمون إلى تيارات سياسية بعينها أو متعاطفون إلى تمجيد الرئيس التركي في غير ما مناسبة، وإظهاره بمظهر القائد المخلص الهمام الذي يحمل هم المسلمين في العالم، أو أن يباركوا قرارات الزعيم التركي الداخلية والخارجية بغير جدال، وأن يعتبروها قرارات مدفوعة بغائية كبرى هي مصلحة “الأمة الإسلامية”. مع أن تأملا بسيطا في واقع علاقات الدولة التركية بمحيطها الإقليمي يظهر تعاملها البرغماتي (كغيرها من دول العالم) مع جيرانها، وحرصها على توسيع مجالها الحيوي، وبحث جماعات المصالح المتنفذة في دواليبها عن مصالح اقتصادية وسياسية، وذلك سيرا على نهج الامبراطوية العثمانية التي خضع امتدادها وتوسعها لنظرية العمران الخلدونية كغيرها من الدول والإمبراطوريات التي شهدها التاريخ. (علاقات تركيا مع إسرائيل وأمريكا وروسيا وحلف الناتو…).

ومن تجليات ذلك أيضا ما أقدم عليه كثير من هؤلاء بمناسبة محاولة الانقلاب الفاشلة، وهم يهتفون باسم أردوغان، ويمتدحون خروج الشعب التركي إلى الشوارع رافضا المحاولة الانقلابية، معتبرين ذلك دليلا على تمسك الشعب بقائده “الإسلامي”، ورفضه للأحزاب العلمانية، مع أن المتأمل في مجريات الأحداث يستشف من ذلك حرصا وإصرارا من الشعب التركي على إنجاح تجربة الحكم المدني الديموقراطي. ويكفي أن ننظر إلى موقف أحزاب المعارضة من المحاولة الانقلابية ورفضها المطلق لحكم العسكر، كما يكفي أن نقف عند الهوية الإيديولوجية للطرف المدني الذي اتهمه أردوغان بالتخطيط للمحاولة الانقلابية (بغض النظر عن صحة صك الاتهام).

على الضفة الأخرى نجد فريقا من المثقفين، من فئة المنخرطين في الحياة السياسية والحزبية وغيرهم، لا يفوتون أي فرصة للنيل من التجربة التركية. فتراهم يتعامون عن المنجزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حققها الأتراك في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، وهي المنجزات التي تشهد عليها مؤشرات التنمية، وسيادة الاستقرار، وتجفيف كثير من منابع الفساد، وتحسن الخدمات الاجتماعية بالبلد، مثلما يدل عليها نجاح الحزب في كسب أصوات الناخبين الأتراك في جل الاستحقاقات الانتخابية التي خاضها منذ 2002، (23 مليون صوت، و49% من الكتلة الانتخابية، برسم الانتخابات البرلمانية المبكرة التي دعت إليها الحكومة نونبر 2015). وهؤلاء المثقفون في الغالب الأعم، من فئة المنتمين إلى تيارات محسوبة على اليسار تمني نفسها بفشل التجربة، إلى حد نستطيعه معه القول إن ما يحركها هو بواعث التشفي والشماتة لا أقل ولا أكثر.

سبب هذا النزوع، في صيغتيه، في تقديرنا، هو العمى الأيديولوجي الذي يحجب الرؤية الموضوعية للظواهر والقضايا والأحداث. وهؤلاء المثقفون المستقطَبون لا يدركون أن هذا الاصطفاف المانوي المطلق غير موجود حتى في تركيا التي يعنيها أمر حاكمها وسياسته. ذلك أن عددا كبيرا من الأتراك الذين يصوتون لفائدة الحزب ليسوا من المنخرطين فيه (ولا من زبنائه الدائمين)، وكثير منهم لا يفعلون ذلك من منطلق إقدامهم على منح الحزب شيكا موقعا على بياض ليفعل به ما يشاء، وإلا كيف نفسر كسب الحزب ل 4 ملايين صوت في الاستحقاقات الانتخابية المبكرة قياسا مع انتخابات يونيو 2015. (تفصل بينهما خمسة أشهر).

هي عربة الديموقراطية وقد انطلقت بتركيا. وأول بنودها الانتقال السلمي للسلطة، ورفض حكم العسكر. وثاني بنودها الاحتكام إلى عقد اجتماعي-سياسي، ومشروع سوسيواقتصادي يمكن قياس معدلات تحققه على أرض الواقع من قبل المواطن التركي بصرف النظر عن انتمائه الطبقي، وطبيعة تكوينه العلمي والمعرفي والإيديولوجي. وعلى أساسه لا يجد المواطن “العلماني” القناعة حرجا في التصويت لفائدة حزب العدالة والتنمية، مثلما لا يجد المواطن “الإسلامي” القناعة أو الانتماء حرجا في التصويت لحزب آخر معارض (غير إسلامي)، طالما التزم الحزب بتحقيق الأهداف والمؤشرات التي رفعها إبان حملته الانتخابية. دون أن يعني هذا الكلام أن التجربة “الأردوغانية” ناجحة من كل الجوانب وعلى كافة المستويات.

لماذا، إذا، يعلق بعض المثقفين المغاربة أملهم على التجربة التركية في نسختها الحكومية “الإسلامية”؟ وينبري آخرون في صف المعارضين على نحو دوغمائي لافت؟

هذا الميل السريع نحو الاصطفاف يشي في حقيقة الأمر بمعضلة ثقافية ذات جذور ومسببات مرتبطة بأزمة التعليم، وما تعلق به من مؤسسات التنشئة الاجتماعية. ذاك أن كثيرا من المثقفين المغاربة يستمزجون، بغير حرج، الأحكام والأفهام، فتراهم يميلون إلى إصدار الحكم على القضايا والأحداث والظواهر على نحو مانوي، ليس فيه إلا الأسود والأبيض، ومع وضد…، وذلك بأن يعمدوا إلى التنقيب على الحجج التي يدعمون بها حكما أصدروه قبلا لاعتبارات إيديولوجية.

هو اصطفاف دال على أعطاب التحديث الذي لم يدخل كثير من المثقفين المغاربة إلى دائرته بعد. كاشف عن ميلهم عن تفكيك الظواهر والبحث في القضايا بعيدا عن أحكام القيمة الجاهزة. ذلك أن معظم مثقفينا يبحثون عن موقعة أنفسهم ضمن إحدى القطبيتين، تجنبا لإعمال العقل وتمرين الفكر. لأن فهم الواقع من خارج الثنائية الضدية يحتاج إلى طول تأمل وتمعن.

القصد أن نقول إن أردوغان ليس بطلا أسطوريا متعاليا عن التاريخ كما يراه البعض، وليس عميلا أو خائنا كما يراه أخرون. أردوغان رجل سياسة تركي تظافرت شروط تاريخية مركبة كي تنحت شخصيته (والكلام ينسحب على تجربة حزب العدالة والتنمية برمتها)، استطاع أن يبصم الحياة السياسية التركية ببصمته الخاصة (وببصمة حزبه)، وأن يحقق ما لم تحققه أحزاب تركية كثيرة. وعندما نقول بتظافر الشروط التاريخية فنحن نعني مثلا أن “إسلامية” الحزب مثلا (المرفوعة كشعار) ليست المتغير الوحيد الذي دفع بالحزب إلى إنجاح تجربته السياسية إلى حدود الآن، بل ثمة متغيرات أخرى مصدرها المناخ السياسي العام الذي أفرز الحزب، وهو مناخ سياسي تركي خاص، نشأ بفضل تراكمات تاريخية وثقافية تمتد إلى ماضي الدولة العثمانية، فضلا عن الجغرافيا التي وضعت البلد في حدود تماس مع دول أوروبية تعيش بدورها مخاض الانتقال إلى نادي الدول الديموقراطية.

المسألة إذا، أعقد مما يعتقده هؤلاء المستقطَبون، والدرس الذي يجب أن يستفاد من التجربة التركية هو وجوب تجاوز مثقفينا -على الأقل- كل صيغ الاستقطاب الإيديولوجي، وضرورة القبول بالاختلاف، وكذا لزوم استيعاب قانون الانتقال الديموقراطي الذي يحتاج إلى تمرين عملي قد يأخذ وقتا، ينطلق من خصوصية البلد التاريخية والثقافية، ويقوم على قاعدة الولاء للوطن (الذي لن يسعى إلى مصلحته غير أهله). أما السبيل إلى ذلك فمؤجل، في تقديرنا، في الوقت الراهن، ولن تحين لحظة انطلاقه حتى نباشر إصلاحا ثوريا لمنظومتنا التعليمية (المدرسية والجامعية).

*أستاذ التعليم العالي – كلية الآداب والعلوم الإنسانية -جامعة محمد الأول وجدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى