اليوم الخميس 23 يناير 2020 - 7:48 صباحًا

مشيل روكار: قوة الأفكار والمعرفة والثقافة أساس ممارسة السلطة

أخر تحديث : الأربعاء 20 يوليو 2016 - 1:21 صباحًا
تارودانت نيوز | بتاريخ 20 يوليو, 2016 | قراءة

لم يكن رحيل الوزير الأول الفرنسي السابق ميشيل روكار رحيلا عاديا ،فالرجل وبحكم مساره السياسي الغني وخصاله ومبادئه وقناعاته الفكرية ،شكل أيقونة ومرجعا مثاليا في مجتمع اليسار الفرنسي ،ثم إن خسارته شكلت تراجيديا أخلاقية للمشهد الحزبي والسياسي ،خاصة في ظل التراجعات المستمرة والانكسارات الكثيرة والصراعات المدمرة التي بات يعرفها الحزب الاشتراكي الفرنسي .

فعندما انتشر خبر وفاته عبر مختلف وسائل الإعلام ،هرول الفاعلون السياسيون إلى الإشادة بالرجل وتعداد خصاله ومناقبه ،وتساوى في ذلك اليسار واليمين.”فرانسوا هولاند” رئيس الجمهورية أشاد بهذا الرجل الذي استطاع أن يصالح بين اليوتوبيا والحداثة ،و”مانويل فالز” الوزير الأول الحالي قال عنه بأنه كان بمثابة أب له في السياسة و كان صاحب رؤية استشرافية ،و”بير شوفنمان” وزير الدفاع سابقا وصفه بالمناضل الصادق الذي كان يؤمن بقوة الأفكار .فيما “جون لوك ملانشو” زعيم جبهة اليسار وصفه بالمتنور الذي كانت الحياة تمثل عنده درسا .وعلى غرار قادة اليسار ومسؤوليه ، انبرى زعماء اليمين على اختلاف حساسياته إلى إغداق المدح وجميل الأوصاف على ميشيل روكار ،بما في ذلك اليمين المتطرف حيث وجهت “ماري لوبين” زعيمة الجبهة الوطنية رسالة تعزية إلى أقربائه أشادت فيها بقناعاته.

كما أقيمت سلسلة من التظاهرات لتكريمه بما يليق بالمواقف التي عبر عنها والقيم التي دافع من أجلها ،خاصة وانه يعد وبدون شك أحد المساهمين الأساسيين الذين لعبوا دورا حيويا في التجديد الثقافي لليسار،بما يجعل منه يسار متحررا من أصفاد الماركسية ،ليصبح يسارا إصلاحيا ،يسار يعرف كيف يضبط إيقاع المشهد السياسي أكثر منه يسار مندور للتوجيه والتحكم ،يسار مجتمعي أكثر منه يسار للدولة ،يسار ينأى بنفسه عن الأوهام الثورية ليتصالح مع الواقع من خلال اعتماد رؤية واقعية .وهذا ما جعل فترة تولي روكار لمنصب الوزير الأول تتميز بعدد من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والمالية ،فالسياسة عنده كانت ملازمة للمعنى ،وكانت رديفا للانفلات من دكتاتورية اللحظة ،والعمل بدون كلل على فهم الحاضر من أجل تفكير جيد في المستقبل والمشروع المجتمعي المنشود.تساءل ذات مرة هل يجب أن تكون السياسة ميدانا للكذب؟ وفي تساؤله هذا نقد سافر ولاذع للطبقة السياسية التي جبلت على النفاق ،والتي لم تعترف به وبرجالات من عياره أمثال” الجنرال دوغول” و”مانديس فراس” و”بير موروا”،حيث كان يصعب على هذه الطبقة أن تقبل أن يكون هؤلاء القادة من طينة خاصة او يشكلون عالما قائما بذاته ،فروكار وسيرا على منوال القادة الكبار أقام جسرا مباشرا مع الشعب ،أي علاقات فوق حزبية ،الشيء الذي أوقد نار الضغينة في نفوس عدد من الفاعلين السياسيين ،لأنهم رأوا في ذلك اكتساحا للرجل وانتصارا جليا له وسطوعا لنجمه وكاريزميته.ورغم أن الأفكار والقيم التي كان يؤمن بها جعلت منه أقلية داخل اليسار،فإنه لم ينحن للعاصفة ،بل ظل حاملا للواء التجديد والانفتاح والتغيير والإصلاح .فنقد ما يوصف ب نفاق اليسار، شكل مكونا ثابتا في فكر روكار ،من منطلق أن اليسار الحديث هو يسار أخلاقي .

كان مع تحرير المستعمرات من السيطرة الكولونيالية ، وندد بحرب الجزائر وبمختلف أشكال القمع والتنكيل التي مورست على ثوار جبهة التحرير الوطني ،وكانت هذه المرحلة مفصلية ومحددة في بلورة قناعاته السياسية والإيديولوجية. كما كان وراء أحلال السلام والأمن في كلدونيا الجديدة وكان ضد المركزية المفرطة للعاصمة باريس ،ودافع عن تحرير المجتمع المدني الذي خنقته طبقة سياسية صماء و معزولة عن الشعب ،فهو كان يؤمن بضرورة تحويل المجتمع إلى فاعل سياسي وان تكون السياسة من أجل الجميع .وهذا ما جعله يحظى بلقب المؤسس الفعلي والشرعي لليسار الثاني المختزل في مفهوم الاشتراكية الديمقراطية التي أحبها من أعماق قلبه والتي لم يستسغها أبدا الرئيس الراحل” فرنسوا متيران”.وعندما تولى قيادة الحزب الاشتراكي سعى إلى إحداث رجة فكرية وتنظيمية عميقة ،وعمل على مصالحة اليسار مع الاقتصاد والتحلي بالواقعية ،لكنه سرعان ماقدم استقالته ،وكان هذا القرار الأسوأ في حياته ،لآن ذلك كان يعني مسألة واحدة ،هي نهاية آماله وأحلامه السياسية.

اللافت في المسار السياسي والحزبي” لمشيل روكار” الذي يعتبر امتدادا طبيعيا لمانديس فرانس ،هو أن الرجل كان يكره بصدق الرئيس الراحل” فرانسوا ميتران ” فبسبب هذا الأخير عانى روكار سياسيا وتسممت حياته بشكل عام ،فهو المسؤول عن الإساءة لسمعته لدى الصحافيين ،كما كان يخصص له حصصا من الإهانة كل أسبوع ،وتأسيسا على هذه العلاقة المتوترة بين الرجلين ،لم بتردد روكار في تحميل مسؤولية آلام اليسار وإخفاقاته “لميتران”فهو الذي دفعه دفعا إلى الفشل والهشاشة والضعف .والأفظع بالنسبة “لروكار” هو رؤيته “ميتران” وهو يعود مرة أخرى إلى قصر الاليزيه مجسدا في” فرانسوا هولاند” الرئيس الفرنسي الحالي ،الذي يعتبره روكار إبنا لميتران وأحد الخريجين المتفوقين من مدرسته ،والتي من بين تعاليمها الأساسية “كل ما ليس له دلالة وترجمة انتخابية ،ليس ل أي أهمية .يجب الاهتمام فقط بالقريب والمباشر وتدبير اليومي ” فهولاند مثله مثل” ميتران” نسي الاهتمام بالاقتصاد ،لأنه ينتمي إلى سياسة عاجزة عن التمييز بين المهم وغير المهم ، وهذا ما جعل “روكار” يمنح نقطة سيئة لفرانسوا هولاند ،وفي نظر “روكار ” فإن ميتران يمثل الأب الروحي لهذا الجيل من الاشتراكيين الحاكمين و المسولين السياسيين الذين يتنازلون عن كل شيء ،إرضاء لنزوات وسائل الإعلام.

وكان لمشيل روكار مفهوم نبيل للسلطة ،فالطموح وممارسة السلطة ينهضان على أساس قوة وعدالة الأفكار والمعرفة والثقافة وليس على أساس توظيف الأفكار لخدمة إستراتجية وحيدة هي الفوز بالسلطة .

من المؤكد أن بصمات ميشل روكار في الحقل السياسي الفرنسي و السياسة العمومية ستظل راسخة وعصية على الاندثار ،فالحاملون لأفكاره وقيمه والحالمون بمشاريعه ، لن يرضخوا لنزوات وطموحات السياسيين الضيقة ، وإن كانوا يشعرون بخيبة أمل وبإحباط كبير،لكون ما دافع عنه روكار أصبح عرضة للتدمير والإتلاف .