الأخباردراساتمقالات

تسهيل متن ابن عاشر..الدرس الرابع: فرائض الوضوء (تابع)


يقول ابن عاشر:
وغَسْلُ وجْهٍ غَسْلُهُ الْيَدَيْنِ …ومَسْحُ رَأسٍ غَسْلُهُ الرِّجْلَيْنِ
والْفَرْضُ عمَّ مَجْمَعَ الاُذْنَيْنِ …والْمِرْفَقَيْنِ عَمّ والْكَعْبَيْنِ
خلِّلْ أَصَابِع الْيَديْنِ وشَعَرْ … وجْهٍ إِذَا مِن تَحْتِه الْجِلْدُ ظَهَرْ
الفريضة الرابعة: غسل الوجه
حدُّ الوَجْه طولا: هو من منابت الشعر المُعْتاد فوق الجبهة إلى مُنتهى الذَّقَن، في حق من لا لِحْيَةَ له، أو إلى منتهى اللحية فيمن له لحية. فيدخل في الغسل موضع الغَمَم، وهو الشعر النابت على الجبهة عند بعض الناس دون جميعهم، فهو شعر غيرُ معتاد، لا يَنْبُتُ عند جميع الناس. والذي فيه مِثْلُ هذا الشعر يسمى الأغَمُّ. ولا يدخل في الغسل موضع الصَّلَع، وهو المكان الذي سقط منه الشعر فوق الجبهة، فالصَّلَع ليس من الوجه، وإنما هو من الرأس، والعادة أن ينبت فيه الشعر.
قال الشيخ خليل في كتابه “التوضيح” الذي شرح فيه مختصر ابن الحاجب: “يَغسل الأغَمُّ ما عَلى جبهتِه من الشعر، ولا يغسل الأصلع ما انحََسَر عنه الشعرُ من الرأس”.
هذا حَدُّ الوجه طولا، أما حَدُّه عَرْضاً فهو من الأذن إلى الأذن. وهذا معنى قول ابن عاشر: “والفَرْضُ عَمَّ مَجْمَع الاُذْنين”، يعني أن حَدَّه عرضا من الأذن إلى الأذن. والأذنان غير داخلين في الغسل كما هو معلوم، بما في ذلك الوَتِدان، وهما النبتتان على حافة الأذن من جهة الوجه: فلا يجب غسلهما، ويجب غسل ما تحتهما، لأنه من الوجه. والوجه لغة ما تقع به المواجهة عند النظر.
وأنبه هنا على أن هذه التفصيلات والتدقيقات ليست تعَمُّقا من الفقهاء، وإنما فصَّلوا ذلك ودققوا لأن الله تعالى يقول: (فاغسلوا وجوهكم)، فالماء يجب أن يصل إلى كل أجزاء الوجه. ولذلك قالوا: يجب على المتوضئ أن يأخذ الماء بيده ويصبه على أَعْلى الجبهة لا على أسفلها، ثم يُعَمّمه على الوجه كله. وعليه أن يتتبع الأسارير والتكاميش التي في الوجه، وعليه أن يغسل ما غار من جفن أو غيره: كَأَثَر جرح برئ وأمْكَن غَسلُه. وعليه أن يتعهد بالغسل الوَتَرة، وهي الحاجز الذي بين فَتحتَي الأنف. ويتعهد بالغسل كذلك ظاهر الشفتين، لأنهما تظهران للناظر عند المواجهة.
لكنه لا يغسل داخل العينين، ولا يرش الماء داخلهما، لأن في ذلك مضرة، ولم يُؤثر عن السلف فعل ذلك، إلا عبد الله بن عمر: فإنه كان يغسل داخل عينيه، ولم يتابعه العلماء على ذلك. نَعَمْ عليه أن يزيل مَا عَلَى العين من العمش إن أمكن، وإِلاَّ يمكنْ فلا.
وكذلك لا يحرص المتوضئ على غسل ما تحت الذقن إلى الرَّقَبة. وعدََّه علماء المالكية من التعمق في الدين.
قال الشيخ زروق رحمه الله في شرح رسالة ابن أبي زيد: “للعامة في الوضوء أمور، منها: صبُّ الماء من دون الجبهة، وهو مُبطِل (أي مبطل للوضوء)، ونفْضُ اليدين قبل إيصال الماء إليه (أي الوجه) وهو كذلك (أي مبطل للوضوء)، ولطْمُ الوجه بالماء لطماً، وهو جهل لايضر”.
بقي أمر آخر لا بد من بيانه، ونبَّه عليه ابن عاشر بقوله: “…وشعَرْ ** وجهٍ إذا من تحته الجلد ظهر”، ومعناه أن المتوضئ إذا كانت لحيته خفيفة تَظهَر البشَرةُ من تحتها وجب عليه تخليلها، حتى يلاقي الماءُ البشَرة، وإن كانت كثيفة لا تظهر البشَرةُ من تحتها اكتفى بغسل ظاهرها، ولا يجب عليه تخليلها. لكن عليه أن يغسل لحيته حتى وإن نزلت عن الذَّقَن وتعدَّتْه؛ لأن شعر اللحية هو الذي صار مواجها للإنسان، والبشرة لا تظهر، فَنُقِل فرض الغسل من البَشَرَة إلى اللحية.
قال خليل في التوضيح: “والتَّخليل إيصال الماء إلى البشرة. وإنما لم يجب تخليل كثيف الشعر في الوضوء على المشهور، لأن المأمور به غسل الوجه، والوجه ما يُواجه، مأخوذٌ من المواجهة”.
تنبيهان:
الأول: عدم وجوب تخليل اللحية الكثيفة هو في الوضوء، أما في الغسل فيجب تخليل الشعر كثيفا كان أو خفيفا، شعر الرأس أو شعر اللحية، لقوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا)، وسيأتي الكلام عن ذلك إن شاء الله.
الثاني: نقل المالكية عن ابن العربي قَولَه: “يَجب غسلُ جزء من الرأس ليستكمل غسلَ الوجه، كما يجب مسحُ بعض الوجه إذا مسح رأسه، وهما من باب: ما لا يتوصل للواجب إلا به فهو واجب”. ولذلك يُلْغَزُ به، ويقال: “لَنَا فَرْضٌ يغسل ويمسح”.

د.الناجي لمين
تارودانت نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى