مقالات

شرح الرسالة للشافعي: باب البيان (تابع)..الدرس الرابع: مراتب البيان


قَسمَ الشافعي البيان إلى خمس مراتب، بعضُها أوضح من بعض:
المرتبة الأولى: ما جاء في القرآن نصّاً لا يحتاج إلى بيان، ولا يَحتمِل تأويلا، ولا يُلجئ إلى بذل جهد كبير في تبيُّن المراد، مثل وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحريم الزنى والخمر، وأكل الميتة ولحم الخنزير. فهذه الأوامر والمنهيات جاء بيانُها في القرآن بنصوص في غاية الوضوح، فلم يختلف فيها العلماء، فارتقت بذلك إلى درجة القطع.
عبَّرَ الشافعي عن هذه المرتبة فقال: “..فَمِنها: ما أبانه لِخلقِه نصّاً، مِثلُ جُمَل فرائضه: في أن عليهم صلاةً وزكاةً وحجّاً وصوماً، وأنه حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونصِّ الزنا والخمرِ وأكلِ الميتة والدم ولحمِ الخنزير، وبَيَّن لهم كيف فَرْضُ الوضوء، مع غَيرِ ذلك مما بَيَّن نصّاً”.
ثُمَّ فصَّلَ الشافعي في موضع آخر (ف73-83) الكلامَ في هذه المرتبة فقال: “باب البيان الأول: قال الله تبارك وتعالى في المُتَمتِّع (فمن تمتع بالعمرة إلى
الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لِمَنْ لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام). فكان بيٍّناً عند مَنْ خوطِبَ بهذه الآية أن صوم الثلاثة في الحج والسَّبعِ في المَرجِعِ عشرةُ أيام كاملة. قال الله: (تلك عشرة كاملة). فاحتملتْ أن تكون زيادةً في التبيين، واحتملت أن يكونَ أَعلَمَهم أن ثلاثةً إذا جُمِعت إلى سَبْعٍ كانت عشرة كاملة. وقال الله: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة). فكان بَيِّناً عند من خُوطِب بهذه الآية أنَّ ثلاثين وعشْراً أربعون ليلة. وقوله: (أربعين ليلة) يحتمل ما احتملت الآية قبلها مِن أن تكون إذا جمعت ثلاثون إلى عشر كانت أربعين، وأن تكون زيادة في التبيين. وقال الله: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فَعِدَّة من أيام أخر)، وقال: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). فافترض عليهم الصوم، ثم بَيَّن أنه شهر، والشهر عندهم ما بين الهِلالَيْن، وقد يكون ثلاثين وتسعا وعشرين، فكانت الدِّلالة في هذا كالدلالة في الآيتَيْن، وكان في الآيتين قبْلَه: زيادةَ تبيين جِمَاع العدد. وأشبه الأمور بزيادة تبيين جملة العدد في السبع والثلاث وفي الثلاثين والعشر: أن تكون زيادةً في التبيين؛ لأنهم لم يزالوا يعرفون هذين العددين وجِمَاعَه، كما لم يزالوا يعرفون شهر رمضان”.
هذا كلام مفصَّل واضح لا يحتاج إلى شرح، ولذلك اضطُرَّ الأصوليون بعد الشافعي إلى حكايته مختصرا:
فقال الجويني في البرهان: “قال الشافعي رضي الله عنه في باب البيان، في كتاب الرسالة: المرتبة الأولى في البيان: لفظ ناصٌّ مُنَبِّهُ على المقصود من غير تردد، وقد يكون مؤكِّدا. واستشهَد (يقصد الشافعي) في هذه المرتبة بقوله سبحانه وتعالى: “فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة”. فهذا في أعلى مراتب البيان”.
وقال الغزالي في المنخول: “قال الشافعي رضي الله عنه: المرتبة الأولى النص الذي لا يختص بدَرْك فحواه الخواصُّ، المتأكّد تأكيدا يدفع الخيال، كقوله: وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة”.
وقد نَصَّ الزركشي في البحر المحيط على أن هذه المرتبة تسمى “بيان التأكيد”، أو “بيان التقرير”، فقال في سياق بيان مراتب البيان ما نصه: “وقد ذكره (أي البيان) الشافعي في أول الرسالة، ورتَّبها خمسة أقسام، بعضُها أوضح بيانا من بعض. فأوَّلُها: بيان التأكيد، وهو النص الجلي الذي لا يتطرق إليه تأويل، كقوله في صوم التمتع: فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة. وسماه بعضهم: بيان التقرير، وحاصله أنه في الحقيقة التي تحتمل المجاز والعام المخصوص، فيكون البيان قاطعا للاحتمال، مُقرِّراً للحكم على ما اقتضاه الظاهر”.

د.الناجي لمين
تارودانت نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق