الأخباردراساتمقالاتمنوعات

القصة التاسعة من المجموعة القصصية (العقد المنحلة)..العقدة التاسعة :انفجار


العقدة التاسعة :انفجار

هذا الليل يبدو له غريباً. فقد شهد نزاعاً قبل قليل. إذ لمَّا همّوا بتفرقتهما احتدّا . وكان السّبب فتاةً ..
أحسّ بدفء الرمال. ثم انتبه إلى الأمواج تداعب رجليه . أصواتها لا تهدأ . والأنوار لم تطفأ بعد . والخيام لازالت الحركة بداخلها .
شعر بضيق . لم يدر سببه . كأنّه على وشك الانفجار، كأنّه يريد رفع صوته وقول شيء ما . ولكن .. كيف يبدأ ، وماذا يقول.. وزوج حذائه الصغير في يده ..
ابتعد قليلاً وجلس . التفت .. من بعيد تبدو ككومة في ليلة مقمرة. تشبه الأخريات .. لمّا يفكر فيها كأنّه يفكر في سجنٍ . ما إن يدخل حتى يزعق في وجهه أو تناديه .. ” سِيرْ جِيبْ لِينَا ” (1) . طوال النهار يأتي بتلك السخرة المتكرّرة . وفي آخر الليل كان يتساءل .. ” متى تنتهي النقود لنعود إلى حينا ؟ ” ..
يتابع أضواء تعبر عباب البحر. والهدير بدأ يتوضّح الآن. كأنّه صوت شيء يوشك على الانفجار . الآن .. هو حرّ ، يتلهّى لوحده بالمشهد .
وفجأةً .. قفز من مكانه . إنّه انفجار ! نعم إنّه انفجار حقيقي . استدار حواليه وسؤال كبير يرنّ داخله .. ” ماذا وقع ؟ ! “.. سرعان ما التقطت عيناه الجواب ، نحو إحدى الخيمات .. تشتعل فيها النيران، وأناسها يهربون وآخرون هرعوا إلى الخارج ، ثمّ ولوا مدبرين ثم مقبلين حاملين أوعية وسطولاً .
شيء واحد لم يدرك كنهه إلاّ لمّا اقترب . كان ذلك الشيء قد مرق، ربّما من الخيمة ، وكان يتابعه حتى سقط في البحر ..
بسرعة تمت السيطرة على الموقف . وسمع أحدهم يتكلم عن قنينة غاز . وآخرون، بينهم فضوليون ورجلا شرطة ، يتحدثون مع أفراد الأسرة .
اتجه نحو الخيمة . لم يجد أحداً كما توقع . لكن لم ينعم بالصمت سوى برهة . أحسّ بشخص يدخل . كانت أمه .. قالت دون تردّد :
– دِيرْ فْبَالَكْ أنَّ اوْلادْهُمْ غادْيِينْ إبَاتُوا هْنَا، احْداكْ . رَاهْ تْحَرْقَتْ خِيمَتْهُمْ. أُمَا لْقَاوْا فِينْ إمْشُوا. فَكَّرْنَا فْيهمْ . مْسَاكَنْ .. (2)
صفعة تلقاها . رغم ذلك كبس مشاعره . وجد نفسه في منزلة بين منزلتين . الفتاة التي تثيره سيكون معها تحت غطاء خيمة واحد . وأخوها المشاكس سيكون بينهما لا محالة . على أيّ ليكن ما يكون . إحساس عميق يخبره أَّنها آخر ليلة ..
دخلا، خافضة بصرها. ثم ألقي عليهما غطاء وأطفئ النور . لم تدر بينهم أيّ كلمة ولا بينهما . أخوها لا يحبّه. كلّما التقى به ينظر إليه بعين ملأها الحسد . وهاهو الآن يرقد إلى جانبه . وحدها .. كانت تجذبه نظراتها . التفاتتها الغامضة ، وجسدها وهي تسبح أو تستلقي على الرّمال كان يلقي عليه شرارة فيضطرب قلبه .
رغم صوت تلاطم الأمواج ، سمع أنفاساً كأنّها جنبه . كـانت الخيمة مقسمة إلى قسمين . لم تكن أنفاس من يرقد بجانبه. لكنّها أنفاس تتعذب .. كأّنها تبحث عن شيء ثمين. ثم سمع أنيناً كأنّ صاحبه يجاهد لئلا يفلت . ثم سمع صوتاً آخر بدا له غريباً .. ثم ساد الصمت .
أحسّ بحرارة تغزو جسمه . يا لغرابة هذه الليلة .. ألقى الغطاء عند رجليه . لم يدر كيف دارت الفكرة بخلده . يده الهائمة حطّت على ربوة . ثم .. انفجر الصوت . فقفز من مكانه . إنّه انفجار! نعم إنّه انفجار ، يطارده للخارج . حتى وهو يبتعد عن الخيمة . لكنّه هذه المرّة يعرف ما وقع . والتقطت عيناه الضوء يغزو المكان . ثم .. وضع كفّه على خدّه متحسّسا ذلك الدفء الغريب…

————-
1 – اذهب واءت لنا ب …
2 – ضع في بالك أن ولديهما سيبيتان هنا، بجانبك. لقد احترقت خيمتهم ولم يجدوا أي مكان يذهبون إليه .لقد فكّنا فيهم.مساكين..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى