الأخبارمقالات

شرح رسالة الشافعي ..الدرس الخامس: مراتب البيان (تابع)

المرتبة الثانية: ما جاء في القرآن منصوصا بَيِّناً واضحا، لكن في بعضه شيء من الإجمال أو الاحتمال بَيَّنَتْه السنة، وذلك كالتنصيص على وجوب إخراج الوصية قبل قسمة التركة، ودلالة السنة على أن الوصية يجب أن تكون في حدود الثلث.
وعبَّر إمام الحرمين الجويني عن هذه المرتبة فقال: “والمرتبة الثانية: كلام بَيِّنٌ واضح في المقصود الذي سيق الكلام له، ولكن يختص بِدَرْك معانيه المستقلون وذوو البصائر. واستشهد (أي الشافعي) بآية الوضوء: فإنها واضحة، ولكن في أثنائها حروف لا يحيط بها إلا بصير بالعربية”. (البرهان ف72).
وتابَع جمعٌ من الأصوليين الجوينيَّ في التعبير عن هذه المرتبة، في مقدمتهم الغزالي في المنخول. وهو تلخيص لكلام الشافعي يَنقُصُه بعضُ الدقة؛ لأن الشافعي نصَّ على أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي بَيَّن ما كان فيه شيء من الإجمال أو الاحتمال في هذه المرتبة، وبعد بيان الرسول صلى الله عليه أصبح المعنى واضحا للبصير باللغة العربية ولِغيره. وهذا نص كلامه:
“باب البيان الثاني:
قال الله تبارك وتعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا). وقال: (ولا جُنُباً إلا عابري سبيل). فأتَى كتابُ الله على البيان في الوضوء دون الاستنجاء بالحجارة وفي الغسل من الجنابة. ثم كان أقلُّ غَسلِ الوجه والأعضاء مرَّةً مرة، واحتمل ما هو أكثرُ منها، فبَيَّن رسولُ الله الوضوءَ مرةً، وتوضأ ثلاثا، ودَلَّ على أن أقَلَّ غسل الأعضاء يجزئ، وأن أقلَّ عَدَد الغسل واحدة، وإذا أجزأت واحدة فالثلاث اختيار (أي نَدْب). ودَلََّتِ السنةُ على أنه يجزئ في الاستنجاء ثلاثة أحجار. ودَلَّ النبيُّ على ما يكون منه الوضوء، وما يكون منه الغسل. ودَلَّ على أن الكعبين والمرفقين مما يغسل؛ لأن الآية تحتمل أن يكونا حدَّيْن للغسل وأن يكونا داخليْن في الغسل. ولما قال رسول الله: “ويل للأعقاب من النار” دَلَّ على أنه غسل لا مسح.
قال الله: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فان كان له إخوة فلأمه السدس). وقال: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم)، فاسْتُغْنِيَ بالتنزيل في هذا عن خَبَرٍ غيرِه، ثم كان لله فيه شرط أن يكون بعد الوصية والدَّيْن، فدَلَّ الخبر على أن لا يجاوز بالوصية الثلث”. [الرسالة، الفقرات: 84-91].
فأنت ترى أن شرط البصر بالعربية ليس هو الفيصل في الفهم والإدراك في هذه المرتبة، وإنما المُبَيِّن لبعض الإجمال أو القاطع لبعض الاحتمال هو الرسول صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
ثم إني مُضطرٌّ هنا إلى بيان خطإ واضح وَقَع فيه أبو بكر الرازي (الجصاص) الذي توسع في انتقاد تعريفِ الشافعي للبيان والتقسيمِ الذي احتاره في مراتبه.
قال الجصاص رحمه الله: “وجعل (يعني الشافعي) القسم الثاني: قولَه تعالى “فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق”، وقولَه تعالى “فمن شهد منكم الشهر فليصمه”، وتحريم الفواحش، والميتة، والدم، ولحم الخنزير. وقال أصحابه: إنما جعل الشافعي هذا بيانا ثانيا لأنه كاف بنفسه”.
ثم قال الجصاص: “وما ذكره في البيان الأول هو مُستغْنٍ (أي مستقل) بنفسه أيضا؛ لأن قوله تعالى “فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم” مكتفٍ بنفسه في إفادة مقدار العدد. وكذلك قوله تعالى “تلك عشرة كاملة”.
فإن كان قوله تعالى “فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق” وما ذُكِرَ معه إنما وجب أن يكون من البيان الثاني لأنه كافٍ بنفسه، فَيَجِب أن يكون ذلك حكمَ ما قَدَّم ذكرَه في البيان الأول لهذه العلة، فيوجِبُ هذا أن يكونا جميعا من قسم واحد، فإما أن يكون الأول من الثاني أو يكون الثاني من الأول، فلا يجوز أن يكونا قسمين”. (الفصول في الأصول ص15).
سؤال: إذا اعتقدتَ مثلي أن الجصاص أخطأ على الشافعي فاقرأ الدرس السابق مع هذا الدرس وخُذْ قَلماً وورقة وحدِّد هذه الأخطاء. وانتظر بذلك الدرس اللاحق إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق