الأخباردراساتمقالات

شرح رسالة الشافعي ..الدرس السادس: مراتب البيان (تابع)


هناك ملحوظتان على اعتراض الجصاص الذي عرَضْتُه عليكم في الدرس الماضي (الدرس الخامس):
الملحوظة الأولى: أن الجصاص قال إنه كان على الشافعي أن يجعل المرتبة الأولى والثانية مرتبة واحدة، لأن أصحابه قالوا: “إنما جعل الشافعي هذا بيانا ثانيا؛ لأنه كافٍ بنفسه”. فَرَأَى الجصاصُ أن البيان الأول كافٍ بنفسه أيضا..
ولكن الحقيقة أن البيان في المرتبة الأولى كاف بنفسه، وقاطع لأي احتمال؛ والبيان في المرتبة الثانية كافٍ بنفسه، لكنه محتمل للتقييد والتخصيص والزيادة. فهناك إذن فرق بين المرتبتين.
ثم إن البيان في المرتبة الأولى يُدْرَك بأدنى تَأَمُّل، ولا يقع فيه الخلاف أصلا، ويعرفه العام والخاص. والبيان في المرتبة الثانية: فيه ما يحتاج إلى تأمل كبير، وإلى مزيد علم لِفَهمِه.
وزاد الشافعي المرتبة الثانية بيانا في مكان آخر، تحت عنوان “الفرائض المنصوصة التي بَيَّنَ رسولُ الله معها”، قال: “قال الله تبارك وتعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا). وقال: (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا). فأبان أن طهارةَ الجنب الغُسلُ دون الوضوء. وسنَّ رسولُ الله الوضوءَ كما أنزل الله: فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، وغسل رجليه إلى الكعبين. أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس عن النبي: ” أنه توضأ مرة مرة”. أخبرنا مالك بن عمرو بن يحيى عن أبيه أنه قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى: “هل تستطيع أن تُرِيَني كيف كان رسول الله يتوضأ؟ فقال عبد الله: نعم. فدعا بوَضوء، فافرغ على يديه، فغسل يديه مرتين ثم مضمض واستنشق ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح برأسه بيديه، فاقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدَّمِ رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم رَدَّهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه”.
ثم قال الشافعي: ” فكان ظاهر قول الله: (فاغسلوا وجوهكم): أقلَّ ما وقَعَ عليه اسمُ الغسلِ، وذلك مرة، واحتمل أكثر. فَسَنَّ رسولُ الله الوضوءَ مرَّة، فوافق ذلك ظاهرَ القرآن، وذلك أقلُّ ما يقع عليه اسمُ الغسل، واحتمل أكثر، وسَنَّه مرتين وثلاثا. فلما سنه مرة استدللنا على أنه لو كانت مرةٌ لا تجزئ لم يتوضأ مرة ويصلي، وأَنَّ ما جاوز مرةً اختيارٌ لا فرض في الوضوء لا يجزئ أقلُّ منه. وهذا مثل ما ذكرت من الفرائض قبله: لو تُرِكَ الحديث فيه اسْتُغْنِي فيه بالكتاب، وحين حُكِي الحديث فيه دل على اتباع الحديثِ كتابَ الله. ولعلهم إنما حكوا الحديث فيه لأن أكثر ما توضأ رسول الله ثلاثا، فأرادوا أن الوضوء ثلاثا اختيار لا أنه واجب لا يجزئ أقلُّ منه، ولَما ذُكِر منه في أن “من توضأ وضوءه هذا -وكان ثلاثا- ثم صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما غفر له”. فأرادوا طلبَ الفضلِ في الزيادة في الوضوء، وكانت الزيادة فيه نافلة”.
ثم قال الشافعي: “وغَسلَ رسول الله في الوضوء المرفقين والكعبين، وكانت الآية محتملة أن يكونا مغسولين، وأن يكون مغسولا إليهما ولا يكونان مغسولين. ولعلهم حكوا الحديث إبَانَةً لهذا أيضا. وأشبهُ الأمرين بظاهر الآية أن يكونا مغسولين. وهذا بيان السنة مع بيان القرآن. وسواء البيان في هذا وفيما قبله ومستغنًى بفرضه بالقران عند أهل العلم ومختلفان عند غيرهم. وسَنَّ رسول الله في الغسل من الجنابة غسلَ الفرج والوضوءَ كوضوء الصلاة ثم الغسلَ فكذلك أحببنا أن نفعل. ولَمْ أعلم مخالفا حفظت عنه من أهل العلم في أنه كيف ما جاء بغسل وأتى على الإسْبَاغِ: أجزأه، وإن اختاروا غيره لأن الفرض الغسل فيه ولم يحدد تحديد الوضوء. وسن رسول الله فيما يجب منه الوضوء، ومَا الجنابة التي يجب بها الغسل، إذْ لم يكن بعض ذلك منصوصا في الكتاب”. (الرسالة، الفقرات:448-465)
ثم إن الشافعي إنما استعمل عبارة “استغني به..” الخ ليبين أنه لو لم تكن السنة قيدت أو خصصت أو أضافت لاستفاد العلماء أحكاما واضحة من نفس بيان القرآن. أي أن هذا البيان لا يحتاج معه القارئ العالم إلى شيء آخر لو لم يقع. فلم يقل الشافعي بأن هذا مستغنٍ والأول غير مستغنٍ. والله أعلم.
الملحوظة الثانية: أن الجصاص قال إن الشافعي جعل في القسم الثاني (يعني المرتبة الأولى) قولَه تعالى: “فَمَن شهد منكم الشهر فليصمه”، وتحريم الفواحش، والميتة، والدم، ولحم الخنزير.
والحقيقة أن هذه الأحكام ذكرها الشافعي في المرتبة الأولى، كما مَرَّ في الدرس ما قبل الأخير (الدرس الرابع على ما أذكر). وفي مكان آخر يقول الشافعي: “قال الله (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات). (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا). ثم بَيَّن أيَّ شهرٍ هو، فقال: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون). ثم قال الشافعي: “فما علمت أحدا من أهل العلم بالحديث قبلَنَا تَكَلَّف أَنْ يروي عن النبي أن الشهرَ المفروضَ صومُه شهرُ رمضان الذي بَيْن شعبان وشوال، لمعرفتهم بشهر رمضان من الشهور، واكتفاءً منهم بأن الله فرضه. وقد تكلفوا حفظ صومه في السفر وفطره، وتكلفوا كيف قضاؤه وما أشبه هذا، مما ليس فيه نصُّ كتاب. ولا علمت أحدا من غيرِ أهل العلم احتاج في المسألة عن شهر رمضان: أيُّ شهر هو؟ ولا: هل هو واجب أم لا؟ وهكذا ما أنزل الله من جملِ فرائضه: في أن عليهم صلاة وزكاة وحجا من أطاقه، وتحريمِ الزنا والقتلِ وما أشبه هذا”. (الرسالة، الفقرات: 434،439).
لكن يبقى لاعتراض العالِم على العالِم –سواء أخطأ عليه أو أصاب- فوائد جمة لطلبة العلم، في مقدمتها تكوين المَلَكة العِلْمية. رحم الله الجميع.

د.الناجي لمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى