الأخباردراساتمقالات

تسهيل متن ابن عاشر: فرائض الوضوء (تابع)


الدرس السابع: تمام الكلام عن مسح الرأس:
بَيَّنْتُ في الدرس السابق أن الواجبَ هو مسح جميع الرأس، ووصفتُ الكيفية التي اختارها المالكية لتحقيق هذا الواجب على أكمل وجه. وأُحب هنا أن أَخْتمَ ذلك بذكر تنبيهين:
الأول: أنه جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مَسحَ على ناصيته وعلى العمامة. ولأجل ذلك رأى الإمام الشافعي أنه إن اقتصر المتوضئ على أقلِّ ما يُسَمَّى مسحاً فقد أدَّى الواجب. ورأى الإمامُ أبو حنيفة أنه إن اقتصر على مسح الناصية فَقَدْ وفَّى ما عليه. وفي الغسل كان أبو حنيفة يرى أن الواجب هو إيصال الماء إلى البَشََرة، وليس الواجب عنده أن يسري الماء إلى جميع الشعر.
لكنَّ الكمال عند الشافعي وأبي حنيفة في الوضوء هو مَسحُ جميع الرأس، والكمال عند أبي حنيفة أن يُغسل جميعُ الشعر في الغسل. فالخلاف بينهما وبين مالك هو في الفرض وليس في الكمال، فلا يُساءُ فهمُ رأيَيْهما. فالشخص في الحالة العادية يَحسُن به عند أبي حنيفة والشافعي أن يمسح في الوضوء جميع الرأس كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويَحسن به عند أبي حنيفة أن يُوصِل الماءَ في الغسل إلى جميع الشعر، استنانا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا.
ومن خلال ما كتَبَه مالك في الموطأ يظهر أن مالكا يعرف “حديث المسح على الناصية وعلى العمامة”، لكنه لم يأخذ به، حيث رَوَى آثاراً عن بعض الصحابة والتابعين، حَرصَ فيها أصحابُها على مسح الرأس كله: فَرَوَى عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه سئل عن المسح على العمامة فقال: لا، حتى يُمسحَ الشعرُ بالماء. ورَوى عن هشام بن عروة: أن أباه عروة بن الزبير كان يَنزِع العِمامة، ويمسحُ رأسَه بالماء. ورَوَى عن نافع أنه رأى صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر تَنْزعُ خمارها وتمسح على رأسها بالماء. ونافع يومئذ صغير.
وذكر سحنون في المدونة عن عائشة: أنها كانت إذا توضأت تُدخِل يدَها تَحت الوقاية وتمسح بِرأسِها كلِّه. وذَكرَ مثلَ ذلك عَن جويرِيَّة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وصَفيَّة امرأة ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وابن شهاب، ويحيى بن سعيد (الأنصاري)، ونافع.
واستدل بعض المالكية كالقاضي عبد الوهاب بالرواية المحْكَمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهي أنه مسح رأسه كلَّه بيديه، فأَقبل بِهِما وأَدْبر..
والمعروف عند المالكية الاحتياط الشديد للعبادة.
فلَمْ يَبْقَ هناك وَجْهٌ للأخذ بحديث المسح على الناصية والعمامة إلا بأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم فَعَلَ ذلك لضرورة مرض، أو خوفه، أو علاج. والله أعلم.
التنبيه الثاني: أن بعض المالكية أصحاب المتون يشيرون -على غير عادتهم- إلى خلاف أبي حنيفة والشافعي في مسح الرأس في الوضوء، وإلى خلاف أبي حنيفة في الغسل من الجنابة أو الحيض أو النفاس، فينقلون عن الشافعي أنه يقتصر على أقلِّ ما يُسَمَّى مسحاً، وينقلون عن أبي حنيفة أنه يقتصر على مسح الناصية، وأنه يكتفي في الغسل بأن يصل الماء إلى البَشََرة، وليس الواجب عنده أن يسري الماء إلى جميع الشعر، كما ذكرنا في التنبيه الأول.
ورتَّبوا على حكاية هذا الخلاف أن المرأة المالكيَّة التي تَجِدُ حَرَجاً عظيما في مسح كل الرأس في الوضوء، أو غسل جميع شعر الرأس في الغسل يُمكنُها أن تقلِّدَ أبا حنيفة في الغسل، وأن تقلد الشافعي أو أبا حنيفة في الوضوء.
قال الشيح الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير للدردير: “ينفع النساءَ في الوضوء تقليدُ الشافعي أو أبي حنيفة، وفى الغسل تقليدُ أبى حنيفة؛ لأنه يكتفي في الغسل بوصول الماء لِلبشَرة، وإنْ لمََ ْيَعُمَّ المسترخيَ من الشعر. بَلْ لَوْ كان المسترخي جافّاً عنده فَلا َضَرَرَ، كما ذكره في الدر المختار”. (والدر المختار من كتب الأحناف الفقهية).
فانظروا أيها الإخوة إلى المسؤولية حالَ الإفتاء: فَعِند المسؤولية يَغِيبُ التعصب المذهبي. فكُتُب المالكية قسمان: كُتُبٌ هي متونٌ معتمدة في الفتوى، وكُتب تَروم الاستدلال للمذهب والانتصار له، كَكُتب الخلاف العالي. فالمتون المعتمدة في الفتوى والقضاء يغيب فيها التعصب أو يكاد؛ لأن الفقيه فيها يكون مسؤولا عن تسيير المجتمع في معاملاته، وإرشاده إلى الأرفق به في أمور عباداته، كالصلاة والزكاة والحج والصيام. فإذا وَجَد حَرَجاً في المذهب التمَسَ له حلاًّ، إما داخل المذهب أو خارجه. والله أعلم.

تارودانت نيوز
د.الناجي لمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى