أخبار وطنيةالأخباردراساتمقالات

شرح رسالة الشافعي ..الدرس السابع: مراتب البيان (تابع)



المرتبة الثالثة: ما جاء في القرآن مُجْملاً يَحْوي عدة أحكام وأحوال وصفات وكيفيات.. أُحيلَتْ معرفتُها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مِثل النصوص الواردة في وجوب الصلاة والزكاة والحج.. فوجوب هذه الفرائض جاء في القرآن نصّاً لا لبْسَ فيه، لكن كيفية التطبيق هي التي تحتاج إلى البيان، فالإجمال دخَلَها من هذه الجهة.
ولخَّص الجويني هذه المرتبة فقال: “والمرتبة الثالثة: ما جَرى له ذِكْرُُ في الكتاب (يَقصد القرآن)، وبيانُ تفصيله مُحالٌ على المصطفى صلى الله عليه وسلم. وهو كقوله تعالى: “وآتوا حقه يوم حصاده”، فتَفْصيلُه قَدْراً وذِكْرُ مُسْتَحقِّه مُحَالٌ على رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولكن الأمر به ثابت في الكتاب”.
وإليكم تفصيل هذه المرتبة من كتاب الرسالة للشافعي.
قال الشافعي: “ومنه (يقصد البيان): ما أَحْكَمَ فرضَه بكتابه، وبَيَّنَ كيْفَ هُوَ على لسان نَبِيِّه، مِثْلُ عدد الصلاة والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه” (الرسالة، الفقرة 57). فقوله “أحْكم فرضَهُ”: أي أنَّ فرضَه قطعي لا شك فيه، ولا خلاف فيه بين العلماء، فالقرآن بَيَّن فرضه بيانا شافيا كافيا، فهو من هذه الناحية مثل المرتبة الأولى التي بينتُها في الدرس الرابع. ولذلك قال العلماء: إن مُنْكِر فرضية الصلاة والزكاة والحج والصيام كافر، لإنكاره معلوما من الدين بالضرورة.
وفي مكان آخر يقول الشافعي في شأن المرتبة الأولى وهذه المرتبة: “وسُنَنُ رسول الله مع كتاب الله وجهان: أحدهما نصُّ كتابٍ (يعني أنه جاء في القرآن واضحا بَيِّناً لا إشكال فيه)، فاتَّبَعه رسول الله كما أنزل الله (وهُوَ بعضُ ما ذَكَرَهُ الشافعي في المرتبة الأولى، كقوله تعالى: فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة). والآخر جملةٌ بَيَّنَ رسول الله فيه عن الله معنَى ما أراد بالجملة، وأَوْضَحَ كيْف فَرضها: عامّاً أو خاصا، وكيف أراد أن يَأتِي به العبادُ، وكلاهما اتبع فيه كتابَ الله (يقصد الشافعي: هذه المرتبة التي نتحدث عنها). فَلَمْ أعلم من أهل العلم مخالفا في أن سنن النبي من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا منها على وجهين، والوجهان يجتمعان ويتفرعان، أحدهما: ما أنزل الله فيه نَصَّ كتاب، فبَيَّن رسول الله مثل ما نص الكتاب، والآخر مما أنزل الله فيه جمُْلةَ كتاب، فَبَيَّن عن الله معنى ما أرادَ. وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما” (الرسالة: الفقرة:298-300). ويقصد ب”الوجهان” المرتبة الأولى والثالثة. والوجه الثالث سيأتي الحديث عنه في الدرس القادم إن شاء الله، وهو المرتبة الرابعة.
ومعنى قوله “وكلاهما اتَّبَع فيه كتاب الله”: أي أن الله سبحانه وتعالى كلَّفه بِبيان ما أنزله عليه من القرآن، فإن كان ما أنزل عليه لا يحتاج إلى بيان اتَّبَعه وأكَّدَه، وإن كان مجملا بَيَّنَه وفصَّلَه للناس، كمَا علَّمه الله. قال تعالى في سورة القيامة: “لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه”.
وتحدث الشافعي عن هذه المرتبة الثالثة في مكان آخر فقال: “ومنها: ما أَتَى على غاية البيان في فرضه، وافْتَرَضَ طاعةَ رسوله، فبين رسول الله عن الله: كيف فَرْضُه وعلى مَن فَرْضه ومتى يزول بعضه ويَثْبُت ويجب” (الرسالة، الفقرة: 99).
وفصلها في مكان آخر تفصيلا لا مزيد عليه، استغرق أكثر من خمس صفحات. (انظر الفقرات 486 إلى 541).
ومما قاله في هذه الفقرات:
“قال الله تبارك وتعالى: “إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا”، وقال: “وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة”، وقال لِنَبِيِّه: “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها”، وقال: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا”.
ثم علَّق الشافعي على هذه الآيات تعليقا أطال فيه. ومما قاله: “أَحْكمَ اللهُ فرضَه في كتابه في الصلاة والزكاة والحج، وبَيَّن كيف فَرضهُ على لسان نَبِيِّه؛ فأخبر رسولُ الله أن عدد الصلوات المفروضات خَمسٌ، وأخبر أن عدد الظهر والعصر والعشاء في الحضر أرْبَع أَرْبَع، وعَدَدَ المغرب ثلاثٌ، وعَدَدَ الصبح ركعتان. وسَنَّ فيها كُلَّها قراءةً، وسَنَّ أن الجهر منها بالقراءة في المغرب والعشاء والصبح، وأن المخافتة بالقراءة في الظهر والعصر..”، وشَرْحُه طويل كما قلتُ، لكنه سلس ومُمْتع. انظره في الرسالة.

تارودانت نيوز
د.الناجي لمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى