الأخباردراساتمقالات

شرح رسالة الشافعي ..الدرس الثامن: مراتب البيان (تابع).


المرتبة الرابعة في البيان: ما جاء منصوصا مُبَيَّناً في السنة ليْس يوجد في القرآن،
والدليل على كَوْن هذه المرتبة من القرآن مع أن القرآن لم يَنُصَّ عليها هو أن الله سبحانه وتعالى فَرَضَ على المسلمين اتباعَ رسوله صلى الله عليه وسلم بإطلاق، والآيات في ذلك كثيرة جدا، منها قوله تعالى: “وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول”، وقوله تعالى: “فاتبعوني يحببكم الله”، وقوله تعالى: “فَلْيحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم”.
يقول الشافعي بخصوص هذه المرتبة: “ومنه (أي ومن أوجه البيان): ما سَنَّ رسولُ الله مِمَّا ليس لله فيه نصُّ حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعةَ رسوله، والانتهاءَ إلى حُكمه؛ فمن قَبِلَ عن رسول الله فَبِفَرْض الله قبل”. (الرسالة ف:58).
وعبارة الجويني في البرهان: “والمرتبة الرابعة: الأخبار الصحيحة التي لا ذِكرَ لمقتضياتها في كتاب الله تعالى، وإِنما مُتَعَلّقُها من الكتاب: قولُه تعالى: “وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا””. (البرهان ف72).
فَقَول الجويني: “وإِنما مُتَعَلّقُها من الكتاب قوله..” الخ، معناه: والدليل على كون هذه المرتبة من بيان القرآن قوله..الخ
وقد فصَّل الشافعي هذه المرتبة في مكان آخر من الرسالة (ينظر الفقرات:96-103)، ومما قاله: “ومنها: ما بَيَّنَه (أي الله سبحانه) عَنْ سُنَّة نَبِيِّه بلا نَصِّ كتاب، وكلُّ شيء منها بَيان في كتاب الله؛ فكُلُّ مَن قَبِل عن الله فرائضَه في كتابه قَبِل عن رسول الله سُنَّتة، بِفَرْضِ الله طاعةَ رسوله على خلقه، وأَنْ ينتهوا إلى حكمه. ومَنْ قَبِل عن رسول الله فَعَنِ الله قبل، لِمَا افترض الله من طاعته. فيَجْمعُ القبولُ لما في كتاب الله ولِسنة رسول الله: القبولَ لكل واحد منهما عن الله، وإن تَفَرَّقت فروعُ الأسباب التي قُبِلَ بها عنهما، كما أَحلَّ وحرَّم وفَرضَ وحَدَّ بأسباب متفرقة، كما شاء جل ثناؤه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون”.
وهذا الكلام لخَّص فيه الشافعي موقعَ السنة من القرآن، وموقعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من دينه؛ فالسنة -من حيث هي سنة- مِثْلُ القرآن، وهما دليلان على شيء واحد، وهو حكمُ الله، وبيانُ الله. والرسول صلى الله عليه وسلم هو المُبَيِّن عن الله: فَمَرّةً يحكي عن الله ومرة يحكي عن نفسه، لكنه لا ينطق عن الهوى.
وهذا المعنى كرَّره الشافعي كثيرا في كتاب “الرسالة” وفي غيره من كتبه الأصولية. ولذلك سُمِّي “ناصر السنة”؛ فالشافعي وَجد في عهده طائفةً تُنكِر اعتبار السنة –من حيث هي سنة- مصدرا للتشريع، وتدعو إلى الاقتصار على ما في القرآن باعتباره هو وَحْده كلام الله. فَبَيَّن الشافعي أنَّ مَن اتبع سنةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَخرُجْ عن كَونِه مُتَّبعاً كتابَ الله، لأن الله هو الذي افترض اتباع هذه السنة، فإذا كان المسلم يحرص حقا على اتباع كتاب الله فعليه أن يحرص على اتباع سنة نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا فرق بين الأمرين عند الله سبحانه وتعالى.
ومن الأغراض التي توَخَّاها الشافعي في كتابه “جماع العلم” الردُّ على هذه الطائفة، وهو كتاب على صغر حجمه من أنفس ما أُلِّف في علم أصول الفقه عموما وفي الدفاع عن السنة خصوصا.
رحم الله إمامنا الشافعي وأئمتنا جميعا، وجزاهم الله عن المسلمين خير الجزاء.

د.الناجي لمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى