مقالات

تسهيل متن ابن عاشر..الدرس التاسع: سنن الوضوء:


يقول ابن عاشر رحمه الله:
سُنَنُه السَّبعُ ابتداً غَسلُ اليَديْن، ++ وَرَدُّ مسْحِ الرأسِ، مسحُ الأذنَينْ
مضمضةٌ، استنشاقٌ استنثارُ، ++ تَرْتيبُ فَرضِهِ وَذَا المُختارُ
لَمَّا أَنْهى الناظمُ الكلامَ على فرائض الوضوء، شَرع في الكلام على سننه، وهي سبْعُ سُنَن:
السُّنة الأولى: غسل اليدين في ابتداء الوضوء إلى الكوعَيْن قبْلَ إدخالهما في الإناء. وهذا الذي نبَّه عليه الناظم بقوله: “ابتداً غَسلُ اليَديْن”.
والأصل في سُنِّية غسل اليدين عند المالكية ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا استيقظ أحَدُكمْ من نَوْمِه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإنَّ أحدَكُم لا يَدْري أيْنَ باتتْ يدُه”. هذا لفظ الموطأ. وفي رواية لمسلم: “إذا استيقظ أحدُكُم مِن نَوْمِه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يَدري أين باتَتْ يده”.
فَتَعَيُّنُ “الثلاث” في رواية مسلم يدُلَّ على أنَّ الغَسْل هنا تَعَبُّد (أي لا نعرف عِلَّة هذا الغسل)، لأن التنظيف من النجاسة وغيرها ليس مقيَّداً بِعَدَد، وقولُه صلى الله عليه وسلم “لا يدرى أين باتت يده”: يدل على أن الغسل مُعلَّل بالنظافة (أي أن المقصود بالغسل هنا تنظيف اليدين قبل أن تُدخلا في الإناء). والمشهور أن غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء تَعَبُّد، ولذلك يُسَنُّ للمتوضئ أن يغسل يديه بِنِيَّة ٍقبل الإدخال ولو كانتا نظيفتين، بل لَوْ كان الشخص يتوضأ ثم أَحْدَثَ في أثناء وضوئه: استأنف غسلَ اليدين قبل إدخالهما في الإناء.
وليس الأمر في حديث أبي هريرة عند المالكية للوجوب بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي سأله عن الوضوء: “تَوَضَّأْ كما أَمَرَك الله”؛ فأَحالَه على آية: {إذا قمتم إلى الصلاة} إلى آخرها، وليس فيها غسل اليدين، ولا المضمضة، ولا الاستنشاق. والمَقامُ مقامُ تعليم. فلَوْ كان غيرُ المذكور في الآية فرضاً لبَيَّنه عليه السلام؛ إذْ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وفي هذا الفرع يُثير المالكية سؤالا، وهو: هل السنة هو غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء مرة واحدة، وتكون الغسلتان الثانية والثالثة على جهة الاستحباب، مِثْلُهما مثلُ باقي أعضاء الوضوء كما سيأتي في الفضائل، أوْ أن السنة هي غسل اليدين ثلاثا؟ مِنَ المالكية مَنْ رجَّح القول الأول، ومنهم مَنْ رجح القول الثاني.
ولكنَّ الكل متفق على أن الأكمل هو غسل المتوضئ يديه ثلاثا قبل أن يدخلهما في الإناء، كما سيأتي في فضائل الوضوء.
فإنْ أدخلَهُما في الإناء وغسلهما فيه فلا شيء عليه إذا لم يتغير الماء، لكن لمْ يَكُن آتياً بالسُّنَّة؛ لأن السنة هي أن يغسل المتوضئ يديه قبل أن يدخلهما في الإناء كما سبق.
ثُمَّ إن الأمر بالإتيان بهذه السنة مشروط بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون الماء قليلا، كآنية وضوء.
الشرط الثاني: أن يُمكنَ الإفراغُ من الإناء، قال الشيخ ميارة: “فإن توضأ من مَطْهَرة (هي حوض مستطيل يُتَطهَّر فيه) ونحوها مما لا يمكنه أن يصُبَّ منه على يده جاز أن يُدخل يدَه قبل غسلها”.
الشرط الثالث: أن يكون الماءُ غيرَ جارٍ.
فإن كان الماء كثيرا أو جاريا، أوْ لَمْ يمكن الإفراغ منه كالحوض الصغير: فلا محل لهذه السنة، بل يدخل المتوضئ يديه فيه، إن كانتا نظيفتين، فإن كانتا غير نظيفتين لكن لم يتغير الماء بإدخالهما فيه: أَدخَلهُما أيضا، ولا يضرُّه ذلك، فإن خاف تغيرَه تَحَيَّل على غسلهما خارجه إن أمكن، وإِلَّا تَرَكَهُ وتَيَمَّم إن لم يجد غيره؛ لأنه كعادم الماء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى