مقالات

‎شرح الرسالة للشافعي:‎الدرس التاسع: مراتب البيان (تابع).


‎د.الناجي لمين
‎‏
‎المرتبة الخامسة من البيان: ما لم يُنَصَّ عليه في القرآن، ويؤخذ من طريق الاجتهاد الذي هو القياس عند الشافعي.
‎فالقياس إذن من بيان القرآن، وعلى هذا فإن الأحكام التي يأخذ بها المجتهد من طريق القياس واجبٌ العملُ بها؛ لأن الله تَعبَّدنا في أن نجتهد في طلب بعض الفرائض غير المنصوصة.
‎ولقد تكلم الشافعي عن هذا العنصر (أعني أن القياس من بيان القرآن)، وأكثر من الاستدلال عليه من القرآن. وحاصل ما جاء في كلامه أننا لا نقول بالقياس إلا لأن الله سبحانه وتعالى كلَّفنا بأن نلتمس بعضَ أحكامه انطلاقا من علل منصوصة أو مستنبطة، أو أمارات وإشارات وأشباه ونظائر.
‎وهكذا أَمَرَ اللهُ الناس مثلا بالاجتهاد في طلب جهة القبلة، حالة غيابهم عن المسجد الحرام، وصَوَّبَ اجتهادهم إذا كان مبنيا على أصول وقواعد علمية مضبوطة، قال الشافعي: “ولا يقول فيه (أي القياس) إلا عالم بالأخبار، عاقل للتشبيه عليها” (الرسالة، الفقرة 1465) أي للقياس عليها. وقال: “ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب الله: فَرْضِه وأَدَبِه، ونَاسِخِه ومنسوخِه، وعامِّه وخاصِّه، وإرشادِه” (الرسالة، الفقرة: 1469).
‎وأمَرهم أن يُشْهِدوا ذَوَي عدل منهم، وأن يجتهدوا في طلب ذلك، وبَيَّن لهم أن العدل: من يعمل بطاعته ويَجْتَنِب نواهِيَه. وقد يكون في الظاهر عدلا وفي سريرته غير عدل، ولكن الله كلف الناسَ الحكمَ بالظاهر، وهو الذي يتولى السرائر…
‎وأَمرَهم في جزاء صيد المُحرِم أن يجتهدوا في إخراج مِثل ما قَتَلَ من النَّعم.
‎وعلى هذا: فكما أمر الله تعالى بالاجتهاد في طلب القبلة، والعَدْل، والمِثْل: أَمَرَ كذلك أن يُلْحَق الفَرْعُ غيرُ المنصوص عليه بأصل منصوص عليه بجامع العلة أو الشَّبَه. ولذلك عرف الشافعي القياس بأنه “ما طُلِب بالدلائل على موافقة الخبر المتقدم من الكتاب أو السنة، لأنهما عَلَم الحق المفترض طلبُه، كطلب ما وصفت قبله من القِبلة والعَدْل والمٍثل” (الرسالة، الفقرة: 122). ثم بين أن هذه الموافقة للكتاب أو السنة “تكون من وجهين، أحدهما: أن يكون الله أو رسوله حَرَّم الشيءَ منصوصا أو أحَلَّه لمعنى (أي لِعِلَّة) فإذا وجدنا ما في مِثْل ذلك المعنى فيما لم يَنُصَّ فيه بعينه كتاب ولا سنة: أحللناه أو حرمناه، لأنه في معنى الحلال أو الحرام. أو نَجِد (وهذا هو الوجه الثاني) الشيءَ يُشبه الشيءَ منه والشيءَ من غيره، ولا نجد شيئا أقربَ به شبها من أحدهما: فنُلْحِقُه بأولى الأشياء شبهاً به، كما قلنا في الصيد”.
‎ومعنى هذا أن القياس عند الشافعي قسمان: قياس علة وقياس شبه. ولا شيء ثالث، فما يُسمَّى بقياس الأصول (مثلا) لا اعتبار له عنده، وكذلك الاستحسان غير معتبر عنده، ولذلك قال: “وهذا يدل على أنه ليس لأحد دون رسول الله أن يقول إلا بالاستدلال، بما وصفت في هذا وفي العَدلِ وفي جزاء الصيد. ولا يقول بما اسْتَحْسَن؛ فإن القول بما اسْتَحْسَن شيء يُحْدثُه لا على مثال سبَقَ (أي على غير أصل). فأمرهم أن يشهدوا ذوي عدل، والعدلُ أن يعمل بطاعة الله، فكان لهم السبيل إلى علم العدلِ والذي يخالفه” (الرسالة، الفقرتان: 70،71).
‎وحاصل هذا كله أن الشرع عند الشافعي إما نصٌّ من الكتاب والسنة، أو الإجماع، أو قياس عليه. ولذلك قال في نفس السياق: “ليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حَلَّ ولا حرُم إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس” (الرسالة، الفقرة: 120).
‎وهذا التحديد الصارم من الشافعي يعتبر انعطافا كبيرا في التفكير الفقهي والأصولي. ويعتبر من الفروق الأصولية الواضحة بين الشافعي وغيره من فقهاء الأمصار قبْلَه، في مقدمتهم: أبو حنيفة ومالك.
‎للكلام بقية، لكن افتحوا معي الرسالة وانظروا الفقرات: من 59 إلى 72. ومن: 104 إلى 132. وفقكم الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى