أخبار وطنيةالأخباردراساتفنمنوعات

المسكون في ديوان “خيوط مخبلة في راسي” لفاطمة بصور وهاجس النفاذ إلى روح المتلقي


عن أي نوع من المعاناة نتحدث لنخلق سؤالا بأشكال عدة من الكتابات حيث أن الخلق على مستوى النص الإبداعي يحيلنا رأسا إلى ثروة وثورة الإنسان الصالحة للنشر فمتى استسلمت الكتابة للمسة الوجع أضحت أبجدياتها انطباعا منتهي القوة لدى المتلقي،والجموح في الكتابة فن وعلم عميق حيث الموهبة أولا تخدم الفكر برؤيا قد تأتي بنتائج باهرة في المستقبل .
إن تجويد أداةالكتابة لتتسم بالجمال الحريري والانسيابي المراد يحيلنا على ضرورة توفر المهارات التعبيرية والتي من شانها أن تكون ذات تأثير مسرحي الفهم والمغزى،وهذا الفن على العموم هو محكوم بقواعد موضوعية وتقنية تقتنص الرموز كروابط بين المكتوب والمحسوس وقد نتساءل ما الخيال وما الواقع في الكتابة عموما ؟، المفخرة بكل صدق تتجلى في تسجيل البناءات الوظيفية للأفكار وأصالتها وبالتالي جمالياتها لا على مستوى الابتكار اللغوي فحسببل على مستوى هندسة العبارات وصياغتها ودلالاتها والتي من شأنها أن تضمن نضجا ومراسا لبعث التأثير في وجدان المتلقي،والمواقف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية وغيرها تحدد مسار المضامين لتضمن بالتالي لغة تواصلية مختصرة في جنوح نحو توريط المتلقيلدى الكاتب،فتكثر بذلك الصور التي تشدنا تعبيرا وإبداعا،لذا التكهن بكتابة ما هي بالأساس مسالة أسطورية المتناول والنصالإبداعي لدى فاطمة بصور يحيلنا على الترحال الدافئ نحو العميق من الأشياء حيث تعري وتدهش ،تحفر وتنبشكأنها بين من يعذب اللغة ومن يتعذب مع اللغة إذ تنطلق من ذات مقهورة ومفجوعة لتنعكس على الآخر في تجاذب وسجال يبعث رسائل قوية في أفق الرؤيا المجتمعية.
إن الشحنة النفسية والارتطام بالنص من دواخله يجعل الزجالة فاطمة بصور تسمو في زمن التخمة الصارخة حيث تجوع لتكبر كلماتها، ولعل ديوان “خيوط مخبلة فراسي”الذي هو فيض من امتلاك القدرة على شد القارئ لنصوصه 25 وكلها مصدرة بمقولات لمشاهير من مثل جون كوكتو،سعد ونوس، محمد الماغوط ،سوفوكليس ، طاغور ،توفيق الحكيم…، قد نستشف منها أن الشاعرة تود أن تستبدل فراغ الأفكار بعقل منفتح ؛يتدبر الأمور لتصير أكثر وضوحا وأكثر تقديرا وتستحق أن نبلغ فيها مبلغ الاعتقاد الراسخ بوجود حل أو تحقيق غاية.
وفي قراءة للنصوص الزجلية:
لاش اتزدت؟!: مسحة درامية على درج السؤال المأساة…لاش تزدت؟؛
ونااااري: حرقة وأسف شديدين على ماآ لت إليه عصارات الزمن من ظلم وقهر وفساد؛
خيوط مخبلة: الخطوط والخيوط المتشابكة هي صور تغزل فجاجا مبوبة بألم؛
استفزاز:الحب من طرف واحد هي صورة للحب المستحيل ورغم ذلك فهو احساس جميل؛
سفر ف خيال لعمر: السفر نحو المجهول بكل ماله وماعليه من تبعات؛​
جيني گود : دعوة إلى استحضار القيم الإنسانية في التعامل مع الآخر؛
الحر الصافي: استعطاف كي يخفف الآهات حتى يشعر الانسان بالسكينة والهدوء؛
آش تسالوني؟!: عشق ابدي خالص ومن دون مبادلة هو سؤال العطاء من دون انتظار للآخر؛
منامة لحلام: ذاك الحلم الذي يدغدغ الشاعرة من بعيد ليقترب منها واقعا وفعلا؛
آش اداني؟!: تجميع لصور أحداث من الواقع اختزلت بوجدان الشاعرة وحاولت التعبير عنها بشجاعة وفي مساءلة للذات؛
لكلاب المصعورة: لوم وعتاب على مستوى تبني الصمت كشعار، حيث الصورة أقبح بينما منطق الاشياء هنا يدعو لمحاربة كل أنواع الظلم والاستبداد؛
خايبة: براءة خدشت وعكرت صفو الشاعرة لتنتشل الصورة وترسمها بريشة الحزن؛
شوم الغدر: (ارقى ما قرأت بصراحة) عندما يعتذر منك الزمن فلا قريب ولا بعيد يمسح دمعتك او يواسيك في ظرف جد مأساوي كالغدر؛
علاش؟!: مرثية في أخت الشاعرة؟، تجدد فيها الخطاب حول معادلات أصعب وأقسى من مثل:
الحضور/الغياب، الموت/الحياة، الصمت/البوح…؛
قدر احمق: مناجاة صبت في اتجاه الحنق من انتظار لا يجدي وبالتالي حروفا تخترق الأفئدة؛
شكون فينا أنايا؟!: مونولوج يُمَوْقِعُ الشاعرة أمام ذاتها ليسألها سؤالا أبديا حول حقيقة الإنسان؛
طوير يتسنى اللگط: مجمل القيم التي تحملها الشاعرة كهم يؤرقها من خلال معايشاتها اليومية؛
ملكني هواك: منتهى العشق الذي يتملك المرأة حين تحب بإخلاص وتنغمس بكل جوارحها فيه؛
حرك معايا لقلم: دعوة لحرق حروف صوب التعبير عن قتامة العيش وكل القضايا التي تشعل إنسانية الإنسان؛
أداك اللي غ…: الزمن وما يكسوه من غمام يساءل بوح الشاعرة ليخرج رنانا وهاتفا يخدش القلوب قبل الأقلام؛
ويدان الويل: الشاعرة تتاثر وتأثر من خلال ما عبرت عنه بالبؤس الذي يهز عرش الحياة في إبداع يخاطب الوجدان؛
بحال والو مات؟!: وصف للعجز الذي يشل الإنسان في انتظار ان يمن عليه الوقت بحظ أفضل؛
ف لوحة زمانا م اكتبناش: ويجيب الزمن بلسان العثرة عن الحظ الذي لم يكتب بعد؛
انغرقك فيا: حلم الشاعرة برسم بسمة الأمل الدائمة على لوحة الواقع المكلوم؛
و أخيرا ،ذلك الحمق الذي يراود فاطمة بصور (جنون= بصور).
ولعل التركيبة التي تصبح جنونا إرادياورغبة في الغوص للبحث عن خيبات سواء في المجتمع الواقعي أو حتى في الخيالبكل زواياه يرسخ في أذهاننا أن فاطمة بصور متأثرة بكل إلمامها المسرحي والتمثيلي عموما اوحتى من خلال توظيفها للمحكي في التراث الإنساني المغربي أو ما يسمى بالثقافة الشعبية عامة تجعل التكثيف الرمزي مبنيا على تلاحم كل الأرواح العاشقة حتى الثمالة بالانفعالات الانسيابية؛لعل الشاعرة فاطمة بصور من المجذوبات كما يعبر عن ذلك..وحيث تكون الأنثى حاضرة ولا تختفي حتى مع انعكاس المرآة لها نجدها تلتقط فينا وبين نفوسنا شفافية وخفة ورغبة في الإبحار نحو المغزى مما ضمنته بالديوان والالتفاف لمعايير وقيم صداها ينسجم والرؤية الشعرية للشاعرة، إذ تجاوزت الانطباع لترتمي في أحضان الإيحاء والانزياح المصاحبين لذوقية الجمال على مستوى الصور الشعرية حيث يستوقفك قلم ناطق صامت وهو نوع من الظل وانعكاسه حسب افلاطون ، وقد تتداخل الحالة الذهنية للشاعرة حتى لكأنك قد تشعر كمتلقي أنك ذات الشاعرة نفسها ، وهذا عائد الى ان فاطمة بصور تنقلك من وجدانك نحو وجدانها وبالتالي فهناك نوع من التلاعب الذهني قبل اللفظي، وان دل هذا الأمر على شيء فإنما يدل على انغماسها وإخلاصها فيما هو قيميوانساني خاصةلتشكل في ومن ذاتها كل اطيافها المكلومة او العاشقة او حتى الفرحة وغيرها.
ومن دهاليز الغرف التي تدخلنا فيها الزجالة فاطمة بصور ،نلج معها نسقا تصاعديا للوقائع بواسطة الحوار والمونولوج ،سواء كان اساسيا او هامشيا ، حتى لنجدها في خذر ايديولوجي موصول وموسوم بنص يمنحك التأويل والتأمل في نفس الوقت.
والملاحظ أنها وظفت كما سبق الحكاية والمسرح كحلقة لخلق التوازن الفني والتعبيري وكأننا امام شاعرة سريالية تبتغي الحرية من خلال نحت الحَرْف في اكتشاف حقيقي للنفوس من دون رقيب وان حتى برقيب وبالتالي تنقلنا نحو عدم التكرار الذي لزم الزجل في معظمه،وكأنها الثائرة عن السائد جملة لا تفصيلا حيث لا تحب الخضوع للمألوف هي مندمجة في نوع من الهز بالتراكيب والجمل لعلها تشق طريق مدرسة ما.
مدار الضوء لدى الزجالة فاطمة بصور تطل فيه عبر حفر النص بذاكرة المتلقي وتحويل مداراته في مشهد قد يوحي بالتناقض الغريب مع كسر المغلق دفقا في الرؤيا في احتضان لشعور إنساني نبيل قد تفتح به حواس الكتابة لتسأل فينا استفزازا بحجم الإضافة ربما.

قراءة عاشقة من الشاعرة والناقدة ذة.مليكة بنضهر
تارودانت نيوز
​​

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى