الأخبارمقالات

تسهيل متن ابن عاشر..الدرس الثالث عشر: فضائل الوضوء (تابع)


الفضيلة الثانية: أن يتوضأ الشخص في موضع طاهر، لئلا يتطاير شيء غير طاهر على ثوبه أو بَدَنِه إن كان الموضع متنجسا. وإلى ذلك نَبَّه ابن عاشر بقوله: “وبُقعةٌ قدْ طهُرَت”.
أما المكان المُعَدُّ لقضاء حاجة الإنسان مِنْ بَوْل وغائط فقد نَصَّ بعضُ المالكية على أنه يُكْره الوضوء فيه، ولَوْ لم يكن نجسا؛ لأنه يُورثُ الوسواس، ولأن الوضوء تُستحَبُّ فيه التسمية، وهذا المكان يُنَزَّهُ فيه ذِكْرُ الله.
هذه جملة ما قَالَهُ المالكية في هذه الفضيلة. وأُحبُّ أن أُفصِّل ذلك بعض التفصيل فأقول وبالله التوفيق:
عَدَّ ابنُ رُشد وابنُ يونس من فضائل الوضوء: أن لا يتوضأ الشخص في موضع الخَلاء (أي المرحاض). وهَاكُمْ عبارة ابن رشد من كتابه “المقدمات الممهدات..”: “وأما استحباباته فَثَمانٍ (أي ثمانية)، وهي: التسمية، وجعل الإناء على اليمين، وأن لا يتوضأ في الخلاء..” (ينظر بقية كلامه في المقدمات).
وقال القرافي في الذخيرة: “الفضيلة الخامسة: قال ابن يونس: أن يَجْتنبَ (المتوضئ) الخَلاءَ، لنهيه عليه السلام عن ذلك، مخافة الوسواس”.
والحديث الذي أشار إليه القراقي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مغفل قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل في مُسْتَحَمِّه، فإن عامة الوسواس منه”. وفي لفظ رواية البيهقي من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: “لا يَبولَنَّ أحدُكُم في مستحمه ثم يغتسل فيه أو يتوضأ فيه؛ فإن عامة الوسواس منه”.
وقد نص الشيخ الدردير في الشرح الصغير على أن من فضائل الوضوء أن يُوقعَه المتوضئ “في مَحَلٍّ طاهر بالفعل وشَأنُه الطهارة، فَخَرَج الكَنِيف (أي المرحاض) قبل استعماله، فَيُكْرَه الوضوء فيه”.
ومَن اضطُرَّ منا إلى الوضوء في المرحاض فقد يجِدُ مخرجاً في ظاهر قول خليل: “وَفَضائلُه مَوْضِعٌ طاهرٌ..” يعني: أيَّ موضع كان، بشرط أن يكون طاهرا. وبهذا شرح ميارة في مختصره قولَ ابنِ عاشر (وبُقعةٌ قدْ طهُرَت)، حيث قال: “(الفضيلة) الثانية: أن يتوضأ في موضع طاهر، لئلا يتطاير شيء على ثوبه أو بدنه إن كان الموضع متنجسا”. ولم يَنُصَّ هنا على كراهية الوضوء في المرحاض، ونَصَّ عليه ابن حمدون في حاشيته على مختصر ميارة، وعلَّق الكراهة فيه على عِلَّتَيْن: الأولى تنزيه الذكر الواقع على الوضوء، كالتسمية، والثانية: خوف الوسواس لِمَن اعْتادَ الوضوءَ في المرحاض. وقال الحطاب في مواهب الجليل شرح مختصر خليل: “وعَدَّ ابنُ بشير في الفضائل أن لا يتوضأ في موضع نجس. وهُو أعم من كلام ابن يونس وابن رشد. وعَدَّ القاضي عياض .. في مستحبات الوضوء الموضعَ الطاهرَ، كما قال المصنف (يقصد الشيخ خليلا)..”.
وعلى هذا فلا ينبغي أن يُداوِم الشخص على الوضوء في المرحاض، وإذا اضْطُرَّ إلى ذلك فلْيَترك الذِّكْرَ المتعلق بالوضوء، ويتعوَّذْ من الوسواس قبل الشروع في الدخول إلى المرحاض للوضوء. والله أعلم.
هذا لِلْمُقَلِّد مِثْلي. أما مَنْ رامَ الاجتهادَ –وَهُمْ كثيرٌ في هذا الزمن- واضطُرَّ إلى الوضوء في المرحاض فَلْيستَرْوحْ إلى تضعيف بعض المحدثين لهذا الحديث. وإذا كان مجتهدا في علوم الحديث أيضا فلينظر في سنده، ولْيَحْكُم عليه بنفسه. ويقال إن ذلك أصبح سهلا، لِتَيسر الرجوع إلى مصادر الفن، وهو ما لم يكن متوفرا من قبل!
ومِنْ شُرَّاح الحديث مَن فسَّرَ (فإن عامة الوسواس منه): بالوسواس مِن تطايُر البول، بحيثُ يَقَعُ في قلبه وسوسة بِأنَّه: هل أصابه شيء من رَشاش البول أو لا؟ وعلى هذا التفسير: فَمَن كان في مرحاض أرضُهُ صلبة -كما هو حال المراحيض اليوم- انتفت الوسوسة، لكن يبقى أن المتوضئ سيُضطر إلى ترك الذِّكر.

تارودانت نيوز
د.الناجي لمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى