أخبار محليةالأخبارمقالات

القصة العاشرة من المجموعة القصصية (العقد المحفوظة ):العقدة العاشرة :في مسجد القرية


العقدة العاشرة :في مسجد القرية

الآذان تنصت للقرآن يقرأ جماعة. عيون تتابع تمايل الأجساد . حناجر تتزاحم فيها الآيات المثلى . الشاب يجاري الكبير . الشيخ يطلق العنان لحصان تجربته .
النعاس يطلق ذبابه باحثاً عن فرائصه. الشياطين لا تتثاءب، تنتظر في الخارج ثم تنسلّ في غفلة .
أناس من مختلف الأعمار، والأحجام ، وحتى الألباب. يتربّعون في صمت انتظاراً للفقيه. وطيب الرائحة يغلب رائحة البصل والحلبة. البياض هو السائد. الجلابيب والعمائم، تحدثنا عن أيام زمان .
وها هو الفقيه يدخل الآن متلفعاً في سلهامه. ” صدق الله العظيم”..ليسود الصمت . ولمّا اعتلى المنبر، نهض شيخ من مكانه .. ” ومن لغا فلا جمعة له. أنصتوا رحمكم الله ..” ، محاولاً التخشع بصوت يجاهد ليخفي أخطاء تكاد تشرخه .
الآذان يسدّ الفراغات، ثلاث مرات، بأصوات مختلفة. لينهض الفقيه مشمّراً عن ساعد الحنكة . في أقصى الركن الأيمن، شيخ .. يلفّ رأسه بعمامة كبيرة . متكئ على سارية. ربّما جاء مبكراً لتكون له. دقات قلبه الرتيبة تغالب النعاس. ولمّا يذكر اسم “محمد” يصلي ويسلم ولو..
وراءه يجلس رجل، بوجه تكسوه لحية سوداء كثّة. يتمايل حيناً، ويهزّ رأسه حينا آخر.
في الوسط رجل قصير. يبدو عليه التعب. متذكراً ما مرّ به. يلبس ملابس صبغها العمل بلونه المعتاد . يتخيّل من يراقبه يستهزئ به في باطنه.
على مقربة منه شاب في مقتبل العمر. يلبس قميصاً و بنطلوناً. ينظر إلى الفقيه تارة وتارة أخرى يلقي نظرات خاطفة على الداخلين. أو يبدأ في إحصاء عيدان الحصير.
أمامه، وأمام المنبر مباشرة، يقعد شيخ ذو رائحةٍ مسكيةٍ. أبيض كلّه. يرفع رأسه للخطيب حتى يكلّ ثم ويخفضهما . والخطيب في تحدّ كامل مع الورقة. تهتزّ في يده . يضرب حذاء رجليه بالعصا . يضطرب الشيخ ، ثم يعود الهدوء إليه تدريجياً .
في الوراء صبي ، ضامّ رجليه إلى صدره ، قابض ساقيه بكلتا يديه، لابس فوقية (1) . تارة يتلهّى بالبحث عن أصحابه، وتارة أخرى ينظر إلى الخطيب “الفقيه” متذكراً “مَشْحاطُه” (2) أو يسرح به باطنه للمساءات المنتعشة بلعب الكرة .
وهذا هو الخطيب يقعد على الدرج المنبر، متمتماً، متمسّكاً بالعصا، إذ ستعينه على النهوض . مرّ وقت قصير قلب فيه أوراقه ثم قام من مكانه مشهرا عن ساعد الجدّ .
أما في الركن الأيسر، والذي يبعد عن الباب كثيراً ، فقد جلست كوكبة بينها شاب بمنكبين عريضين،يلبس “فوقية” لونها إلى الأصفر أقرب.إنّه يصغي باهتمام للفقيه .يحصي زلاّت لسانه . يناقشه في صمت ، و أحياناً تفلت منه همهمة فيحسبه جاره تسبيحة .
بجنبه شاب ينظر إلى الساعة الحائطية . يراقبه رجل من الوراء. ثمّ يخفضان نظرهما معاً. ويلقيانه جهة الباب حيث رجل دخل لتوه. يصلّي ركعتين بخفّة ثم يجلس. يراقبه كهلٌ أسند ظهره إلى الحائط في الوراء .إنّه جاره. ضيعته جوار ضيعته .
يدخل الآن شيخ ذو لحية مسترسلة . يلقي السلام. يلتفت البعض إليه. يلبس جلباباً وطاقية مائلة على رأسه. يلتفت يميناً ويساراً ثم يجلس بجانب شيخ يشبهه قليلاً، واضعٌ سبحة جنب سارية. يسترق النظر إلى شاب يملك لحية كثّة، وباطنه يغلي، ناعتاً إياه بأصحاب اللّحي أو الإخوان الذين يردّون على أمثاله بأصحاب الطرق والبدع .
وها هو الإمام يختم خطبته بالدعاء، فيرفعون أكفّهم منغمسين في ملكوته، مسبّحين خاتمين .. ” آمين ..آمين يا رب العالمين ..” ..
ثم يضع العصا جانباً بعد أن خبأ الأوراق، ويبدأ النزول بينما الجماعة تنهض واقفة، وآذانهم تتابع المأمون يقيم الصلاة …

1 – سميت كذلك لأنّها تلبس فوق .. تشبه الجلباب لكنّها خفيفة ودون قب، وتكون عريضة خصوصاً لدى القبائل الصحراوية الذين يسمونها باسم آخر.
2 – إنّه المشحط، وهو عود رقيق طويل ..

تارودانت نيوز
عبد المجيد أيت عبيدالله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق