الأخبارمقالات

تسهيل متن ابن عاشر..الدرس الرابع عشر: فضائل الوضوء (تابع)


‎الفضيلة الثالثة: تقليل الماء من غير تحديد:
‎يستحب تقليل الماء في الوضوء. قال ابن رشد في البيان والتحصيل الذي شرح فيه العُتْبِية: “السنة في الغسل والوضوء إحكام الغسل مع قلة الماء؛ فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ بِمُدٍّ، وتَطَهَّرَ (أي اغتسل) بِصاعٍ وهو أربعة أَمْداد. وروي عنه أنه توضأ بنصف المد. وذلك لا يَقدِرُ عليه إلا العالِمُ السالمُ من وسوسة الشيطان”.
‎والحديث الذي ذكره ابن رشد رواه البخاري ومسلم. ولفظُ مسلم: ” ..عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمداد”.
‎إلا أن المالكية في مشهور المذهب لَمْ يفهموا من كلمتَيِ المُدِّ والصاع التحديدَ، بل فَهِموا منهما تقليلَ الماء في الوضوء والغسل من غير تحديد، فالمستحب هو إحكام الوضوء والغسل مع قلة الماء، كما قال ابن رشد في النص السابق. وفي الرسالة لابن أبي زيد القيرواني: “وَقِلَّةُ الماء مع إحكام الغسل سنَّة، والسَّرَف منه غُلُوٌّ وبدعة. وقد توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِمُدٍّ، وهو وزن رطل وثلث، وتَطَهَّر بصاع، وهو أربعة أمداد بمده صلى الله عليه وسلم”.
‎والمقصود ب”السنة” في قول ابن أبي زيد معنى “المستحب”، أي سُنَّة يستحب العمل بها.
‎وعلَّل المالكية عدم التحديد بأن الناس فيما يكفيهم من الماء ليسوا سواء، بل مختلفون بحسب اختلاف أجسامهم واختلاف طبعائهم: فَمِن الناس مَنْ جِسمُه رطب نظيف، ومنهم مَنْ جِسْمُه كثيف غيرُ نظيف، ومن الناس مَن طبْعُه الرفق، ومنهم مَنْ طبعه الإسراف؛ فلا نطالب مَن تعوَّد الإسراف وكان طبيعة له أن يتوضأ بمد مثلا؛ لأننا إن أمرناه بذلك كلفناه ما لا يطيق، بل نقول له: تجنب الإسراف في الماء عند الوضوء أو الغسل. ونقل الحطاب عن بعض شراح رسالة ابن أبي زيد ما نَصُّه: “وليس كل الناس في أحكام ذلك (أي الوضوء) سواء، وإنما يُراعَى القَدْرُ الكافي في حقِّ كُلِّ واحد، فإذا زاد على قدر ما يكفيه فهو بدعة، وإن اقتصر على قدر ما يكفيه فقد أدَّى السنة”.
‎وقال الشيخ ميارة: “فليس الناسُ فيما يكفيهم من الماء سواءً، بل مختلفون بحسب القَشابة والكثاقة والرطوبة والرفق والخَرَق”. (والمراد بالقشابة النظافة، وبالكثافة التجعد وشبهه، وبالخَرَق الحمق وشبهه).
‎ونَقَل الحطاب عن الفاكهاني أن التحديد إنما “هو على حسب حال المستعمِل وعادتِه في الاستعمال؛ لأن الله سبحانه أمر بالغسل ولم يُقَيِّده بمقدار معين. وذلك من لطف الله تعالى بخلقه؛ إذ لَوْ كان فيه حَدُّ لَلَزِم الحَرَجُ؛ لِما عُلِم من اختلاف عادات الناس: فمنهم من يكفيه اليسير لِرِفْقِه، ومنهم من لا يكفيه إلا الكثير لإسرافِه؛ فَلوَ كان فيه حَدٌّ لَوَجَب أن يفارق كلُّ واحد عادتَه، ويستعمل مَنْ يكفيه اليسيرُ زيادةً على ما يحتاج إليه، ويقتصرُ مَن لا يتمكنُ من أداء الواجب إلا بالكثير على ما لا يمكنه أداءُ الواجبِ مَعَه. وهذا فاسد. وإذا عُلِم هذا: فالمستحب لمن يقدر على الإسباغ بالقليل أَنْ يُقَلِّل الماء ولا يستعمل زيادةً على الإسباغ”.
‎فالحاصل أن من اغتسل بأقل من صاع أو توضأ بأقل مِن مُدٍّ أجزأه على القول المشهور. وكذلك من توضأ بأكثر مِنْ مُدٍّ أو اغتسل بأكثر من صاع ولم يُسْرف: فقد أتى بالمستحب على القول المشهور. فالقصد في استعمال الماء مستحب، والسَّرَف فيه مكروه.
‎وحَدُّ السَّرَف: هو ما زِيدَ بَعْدَ تَيَقُّن الواجب، أوْ قُلْ: هو الإكثار في غير حق.
‎وقد حصل الإجماع على أنه لا يجوز الإسراف في الطهارة ولو كان على ضفة النهر، أو شاطئ المحيط. ولله الحمد والمنة على نعمة الإسلام.
‎ومما يجب التنبيه عليه أن العلماء أخرجوا مِن المسرفين المُوَسْوَسَ. وشَبَّهوه بالذي لا عَقْلَ له، فَيُغتفَر الإسراف في حقه، لأجل ما ابتُلِيَ به من الوسوسة. والمُوَسوَسُ هو الذي تَكْثُرُ شُكوكُه.

تارودانت نيوز
د.الناجي لمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى