الأخبارمقالات

العقدة الثالثة عشرة : الشجرة (قصة)


كلّما سمعوا الصفارة تتهلّل وجوههم، ثم يخرجون تباعاً، صوب الباب الرئيسي. وفي الخارج ، يتخلّف عنهم بمحفظته الثقيلة، محتفظاً بسرّه وبالحقيقة الكامنة في أعماقه والثورة المصطخبة في أعماقه، وهو يلقي نظرة على الحفرة. صامتاً ينظر إلى قعرها وجدارها تنبعث منه عروق يابسة .
إنّه يفكّر في ذلك اليوم. يرسم في باطنه لوحة. لكنّه ما كاد ينهي خطوطها حتى فاجأه صوت البواب :
– آشْ كَادِّيرْ هْنا يَاوَلْدْ العِيفَه ! (1)
لا يرد. إنّما يتحرّر من وقفته وينسل هارباً ، فيراهم وقد تسلّلوا في الدروب والأزقة مع حملهم الثقيل .
– يا بني !
كان صوت أبيه . ماذا يريد ؟! لاشكّ أنّه أمر مهم . ليست عادته . ثم يتابع بقوله :
– لقد حدثني البواب عنك. التقيت به صدفة. ماذا كنت تفعل هناك، عند جدار المدرسة ، قرب الحفرة ؟
سؤال اخترق صمته . تذّكر البواب، ونظراته الفضولية الثاقبة والمشاكسة ..
– لم يكن وقوفك هناك دون سبب . أنا فعلت ذلك ، وقد كنت أكبر منك سنّا تقريباً ، لكن لم أكن لوحدي .
استغرب كلامه . وجدها فرصة ليبقى معه . أما أبوه فقد تفكّر في هذه السنوات التي مرّت بسرعة . ثم تساءل :
– كلّ شيء عديم الحركة عندنا. لا شيء يتغيّر. كنت أعلم .. أن تبقى الحفرة كلّ هذه السنوات، فالنسيان آفتنا . نعم .. في ذلك اليوم أتوا بمناشيرهم ومحفرة وشاحنة والغبطة بادية عليهم. في الداخل انتشرت الهمسات. وفي الاستراحة كان الباب حائلاً. كان التصميم يظلّلنا والعزيمة تدفعنا . خرج المدير والحراس مسرعين، كأنّهم اشتموا رائحة . لقد بدأوا عملهم . كان الضجيج يقرع مسامعنا . وفجأة ارتفعت صيحة، فانفجر الوضع . توقف المدير أمام الباب رافعًا عقيرته ليتغلّب على الأصوات ، ووراءه الحارس والبواب وعصا غليظة في يده . الأساتذة بدورهم وقفوا عند الأقسام واجمين . يتابعون الأيدي وهي تلّوح والكلمات وهي تلفظ بانتظام . اقترب الموكب الصغير من الباب . وأيديهم تناصر شعاراتهم . ثم أبصروا تلميذاً يعتلي أحد الحيطان . اتجهوا نحوه . كان آخرون في الجهة المقابلة ، وكان آخرون يقفزون من فوق الباب . تقدّم المدير من الأساتذة محذراً مشيرًا بيده . لم يردّوا بل إنّ أحدهم هزّ كتفيه . الكلّ يتابع اقتراب الشاحنة بهيكل مؤخّرتها لتصدّهم جهة الباب ، لكنّ تلميذين اعتلاها وبدآ في ترديد شعار جديد. ثم انقطعت الأصوات وجمدت الأجسام كالأصنام. العيون فقط كانت تحاول التقاط المشهد الأخير . الانكسار ، ثم الميلان ، فالسقوط فالارتجاف ، وتطاير الغبار الكثيف. لتزكم الأنوف رائحة غريبة . قد ينسوا كلّ الأصوات إلاّ صوتاً .. لقد سمعه الجميع . قبل أن يصطدم جسمها بالأرض كان قد انبعث أنين غريب أسفلها . فتخلّص البواب من عصاه ، كابساً حزناً عميقاً ، وهو ينظر بغيظ إلى المدير الذي كتب تقريراً ..أنّه يجب قطع الشجرة لأنّها أصبحت خطراً على التلاميذ ..
وها هو في فراشه. تتتابع الصور بين عينيه. يغلقهما ويفتحهما فيملأهما الظلام ، محتفظًا بالسرّ بين جنبيه ..” غداً سيعرفونه. لا .. لن يصدّقوني. سأطلب منهم فقط ردم الحفرة. لقد كان هذا العـمل يراودنا .. ولن يقول أحـد أيّ شيء.. ما دمنا سنردم ذلك الـسّر ..” ———-
1- ماذا تفعل هنا يا ولد العيفة ؟

تارودانت نيوز
عبدالمجيد ايت عبيدالله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى