أخبار محليةالأخبارمقالات

العقدة الرابعة عشرة من المجموعة :الطيور المهاجرة


كأنّهم ينحدرون من سلالة لا نبع لها . أو كما قالوا : ” لا نعرف جدنا الذي استوطن هنا . لقد وجدنا أنفسنا نحرث ونزرع ونحصد ونأكل لنعيش .. ” وتستمر الحياة .
ما من أحد فكّر أن يسأل ، أن يستقصي ذلك الماضي ، لعلّه يعثر على تفسير بين ركام الأيام .
إنّهم لا يتابعون الصور التي تبثها وسائل الإعلام . المذياع هو اللحظة المثلى. فقريتهم متواجدة أسفل جبل . لا اتصال سلكي أو لاسلكي ..
ولد وترعرع هناك . كان يساعد أباه . ولمّا توفي تزوج هو ، فتفتحت له زهرة الحياة. لا ماء ولا شجر في البلدة. يضربون الحجر لعلّهم يعصرون منه ما يبلّ أرضهم. ثم يطلبون الله كلّ جمعة ليجود عليهم من ذلك الخير المعلّق بين السماء والأرض .
كان دائماً يتساءل ..” كيف يعيش الناس وراء هذا الجبل ؟! “. لقد سبق أن رأى تلك الأمكنة. لكنّه لم يبق بين أحضانها ليعرفها أكثر. كأنّ بلدته قطعة مغناطيس لا تتوانى تلقي تأثيرها .
قالت له أمه يوماً :
– لا تذهب بعيداً !
وزوجته غضبت لمّا ناقشها الأمر. اضطر لأن يطيب خاطرها . قال لها إنّه سيشتغل في المدينة. رضيت ما دام سيأتي كلمّا حنّ إليها .
” ياه ” سنوات أخرى تنضاف . أحسّ بضيق . منذ أن حدّثه صديقه بالأمر وهو على غير ما يرام. والصمت يشنقه غطيط زوجه، وثديها مطل من ثقب ” التريكو” (le tricot) وساقط على وجنة الطفل الراقد بينهما .
المسير سيكون يوماً كاملاً . ثم سننتظر حتى يحلّ الظلام . قد نجد أمثالنا ينتظرون . قالوا لنا ذلك. لم يعد أي شيء أفضل هنا . هناك الكل آمن ، منظّف ، المال والسيارة وعدم نسيان أيّ يوم يمر . فقط ادفع لتنل من بعد .
– لماذا لا تنام ؟ !
التفت فرأى زوجه تنظر إليه ، وقد راعه منظرها ونظرتها إليه . وتذّكر ذلك اليوم الذي تزوجها فيه .
وعند الفجر تسلّل شخصان . الخطوات السريعة تدخل الدفء . والقرية الراقدة على ربوة لم تضبطهما . الكلاب فقط تنافس الديكة . وضوء بعيد ، كلّما ابتعدوا يبتعد .
– هل سننجح ؟
– وهل نحن ناجحون هنا ؟! الحياة مغامرة .
ثم ساد الصمت بينهم . سار مطأطئاً رأسه ، متحسساً من حين لآخر حقيبته الجلدية التي تحتضن ما جناه في الأيّام السالفة .
مسح العرق ، وهو ينظر معه إلى قمته. إنّهم في الجهة الأخرى ، وقد بدأت خيوط الشمس تطلق بعض الدفء .
كانت بانتظارهما ، تلك السيارة. حملتهما ، وآخرين ، وانطلقت مخترقة طريقاً وعرة. أحس بعياء يداعب رجليه . وحقيبته الجلدية بين ركبتيه . وأخذ عقله يصور ما سيمرّ به. ما هو قادم أصعب ممّا كان ..
ولمّا يصلون يكون التعب قد قصم ظهرهم. وفي ذلك المكان سينتظرون.. رائحة البحر ستصل إليهم كما صوته . ذلك المركب الذي سينحشرون داخله ، أين يضعونه الآن ؟
ما يهم .. أنّه قبل أن يبدأ الثلث الثاني من الليل ، سيتسلّلون كالأشباح حاملين البراميل تاركين كلّ ما جنوه ، سيمتطون القارب وسينطلقون في رحلة مجهولة إلى الضفة الأخرى ، إلى .. هناك ، حيث الكل آمن ، محترم .. المال والسيارة وعدم نسيان أيّ يوم يمر .. فقط اجمع لتنل السعادة ..

تارودانت نيوز
عبد المجيد أيت عبيدالله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى