اليوم السبت 21 سبتمبر 2019 - 12:45 صباحًا

 

 

أضيف في : السبت 11 فبراير 2017 - 2:28 صباحًا

 

المشرق بلد الأنبياء والمغرب بلد الزوايا والأولياء ..الجزء الأول – أضرحة الأولياء

المشرق بلد الأنبياء والمغرب بلد الزوايا والأولياء ..الجزء الأول – أضرحة الأولياء
قراءة بتاريخ 11 فبراير, 2017

بدا مفهوم التدين اليوم أكثر إثارة للخلاف من مفهوم الدين ذاته، لأن الدين يخص الجوهر والمبادئ العامة، بينما التدين يهم الشكل، وبعض الأشكال تجر وراءها تاريخا من الانتماءات المتعددة التي تدخل في خانة ما يسمى التصوف الديني كل طريقة بعدتها المنهجية ورؤيتها المذهبية. نرجئ الحديث عنها الى مدونة لاحقة بان الله، أما اليوم فسنتناول بالحديث جانبا من معتقدات رودانية قديمة من نفس الصورة والشكل تقريبا تهم ظاهرة الأضرحة، وإذ ننعتها بالظاهرة يعني كونها غير مقتصرة على مدينة تارودانت وحدها، بل فقط وحدة صورة اجتماعية لما هو موجود في باقي مدن وقرى المغرب بدون استثناء.

تضم تارودانت أزيد من 30 ضريحا قديما جدا،5 منها فقط توجد خارج المدينة، والباقي داخل حزام السور موزعة على نقاط متقاربة جدا تخضع لتقسيم التجمعات السكنية المعروفة ب”أربع ربوعات”،

المكان
اسم الضريح
الرقم


حومة الرحبة القديمة
سيدي وسيدي

1
حومة الرحبة القديمة
سيدي امحمد احماد

IMG_2428
2
حومة القصبة
مولاي أحمد الذهبي
IMG_2431
3
حومة القصبة
سيدي بولنوار

4
حومة القصبة
سيدي سعيد عبد النعيم
5
حومة القصبة
سيدي علي قاضي حاجة
6
مجمع الأحباب
سيدي محمد صالحي
7
مجمع الأحباب – تفلاكت
سيدي سليمان

IMG_2430
8
مجمع الأحباب
سيدي بوسلهام
9
مجمع الأحباب
سيدي بوسبع
10
مجمع الأحباب
سيدي محمد أوشن
11
درب الجزارة
سيدي امبارك أوسليمان
12
شارع ابراهيم الروداني
سيدي بوسعدن
13
شارع ابراهيم الروداني
سيدي مسعود
14
شارع المستقبل – بنيارة
سيدي جعفر
15
درب الشريف
سيدي محمد
16
درب الشريف
سيدي بورجا
17
مقبرة المساجن/أمام المستعجلات
سيدي العربي
18
درب الوخشاش – الحشيش
سيدي أمحمد بن يعقوب
19
شارع محمد الخامس
سيدي عبد الله أمبارك
20
زرايب أولاد بنونة
سيدي أمبارك بن علي
21

سيدي محمد الكوط
22

سيدي بوالنخيلات
23
شارع القدس
سيدي بوداليا
24
حومة البلاليع
سيدي الحاج بوثابت
25
باب الخميس
للا الصالحة
26
خاج باب ترغونت
سيدي بلقاسم/بلقاس
27
خارج باب الزركان
سيدي بوالذهب
IMG_2427

28
خارج باب اولاد بنونة
سيدي محمد بن عبد الله
29
خارج باب الخميس-المقبرة الكبرى
سيدي سعيد بن علي
30
خارج باب الخميس-المقبرة الصغرى
مولاي بناصر بن عبد الرحمان
31

للعلم بالشيء، سبق وسألت صديق الطفولة العباسي أحد قاطني حي درب الشريف عن عدد الأضرحة المتواجدة بحيهم، فذكر قرابة سبعة عوض اثنين المدرجين بالجدول أعلاه؛ ثم سألت شخصا آخر اسمه محمد بويدا عن عدد أضرحة حومة القصبة فذكر لي قرابة 12 عوض أربعة المسجلين بالجدول، ونفس القول بالنسبة لحومة درب أهل اقا، بعد تعميق التقصي في داعي التعداد، توصلت الى أن زمن وباء التيفوس épidémie du typhus1927 و و جائحة الكوليرا pandémie du choléra1942، كان بعض الأهالي يضطرون لدفن موتاهم داخل البيوت بغرف ملاصقة بالشارع عوض إخراج الميت وحمله الى المقبرة مخافة ” شم رائحة” الوباء المعدي بالتأكيد وليس بالظن، وجلب الإصابة لباقي أفراد الأسرة، بعد انفراج أزمة الوباء أضطر السكان لإغلاق مدخل غرف الدفن من الداخل، وفتح باب الى الشارع العام بغرض زيارة الترحم، فظنها الغير لاحقا مرقد أضرحة أولياء.

استمر هذا الوضع الاجتماعي لعقدين أو ثلاث بعد تاريخ آخر جائحة وبائية، قبل أن تشهد تارودانت تغيرا عمرانيا اندثرت على أثره بالتدريج هذه “الأضرحة” العائلية بدمجها في السكن العصري الإسمنتي لعدة أسباب، من بينها بروز شريحة منعشين عقاريين يقتنون السكن المتهالك من وارثيه، ويعمدون لإعادة بناءه إما بهدف الاستثمار بالبيع أو الكراء، وهو حالة عقار قرب مكتب البريد المدينة بتاروانت. ذكر لي عامل مياوم في البناء، وأختصر روايته الشفوية، لما كانوا بصدد حفر الأساسات صادفوا مجموعة رفات عظام آدمية، ومخافة التعقيدات الإدارية والإجراءات المسطرية القانونية وما سيترتب عنها بعد التبليغ بالأمر، فضل المنعش العقاري- بنى أزيد من 100 عتبة بتارودانت- جمع الرفات وتمرها في صمت بنفس المكان الذي أصبح اليوم عمارة سكنية …

خارج كل باب من الأبواب الخمسة التاريخية توجد مقبرة كان يدفن بها الرودانيون موتاهم، وعلى طرف منعزل من تلك المقابر يوجد ضريح تنسب المقبرة اليه.

بالنسبة لباب اولاد بنونة توجد مقبرة فوق الوادي الوعر بها ضريح سيدي محمد بن عبد الله الملقب ” مصيفت الحجاج” وقصة اللقب قديمة استمرت الى حدود منتصف القرن الماضي، كان يجتمع الناس في رْبْعْ سيدي حساين الشرحبيلي – السجل الديني لتارودانت- بساحته الشهيرة، مقر الزاوية الناصرية التي تهالكت وشيد مكانها حاليا مدرسة القراءات السبع سنة 1980، ومن هنا تبدأ كخطوة أولى مراسيم التبرك من قبل وفد الحجيج قبل الانتقال لباب اولاد بنونة واحياء طقس احتفالي لتوديع الوفد في رحلة قد تستغرق سنة كاملة مشيا على الأقدام، وقد سجل لنا أبو زيد عبد الرحمن التمنارتي في كتاب الفوائد الجمة بإسناد علوم الأمة صفحة 319 قصيدة شعرية مؤرخة في دي الحجة سنة 1002هـ وأخرى سنة 1035هـ ، من بين المتأخرين الذين سجل لهم التاريخ الروداني إحياء هذا الطقس الاحتفالي الحاج امحمد توفلا مقدم الزاوية الطيبية بربع الزاويات/اسراك.

باب تارغونت توجد مقبرة ثانية بها ضريح سيدي بلقاسم أو بن قاسم الذي تحرف نطقه ليصبح سيدي بلقاس، المقبرة ومعها الضريح لا يفصل بينهما وباب تارغونت سوى فدان وقف حبسي يسمى جنان القضاة تحول اليوم الى مجموعة محلات تجارية.

ثم مقبرة خارج باب الزركان بها ضريح سيدي أبي الذهب وتحيط به أيضا مجموعة أملاك حبسية ضمنها فدانين كان يستغلهما بعض يهود تارودانت الأول يدعى فدان الليمة والثاني فدان الحفرة.

مقبرة باب الخميس وهي قديمة جدا – خمسة قرون – ذكرها صاحب الفوائد الجمة الذي توفي بتارودانت سنة 1060هـ ، يوجد بها ضريح سيدي سعيد بن علي الهوالي (913هـ – 1001هـ) قاضي القضاة بتارودانت الفقيه المدرس، والنوازلي المحقق، والعالم المجتهد المجدد،البحر الذي جمع في قبر بمقبرة باب الخميس الكبرى.ثم ضريح ثاني يتوسط المقبرة الصغرى دفن به المولى بناصر بن المولى عبد الرحمان الذي شغل مهمة خليفة السلطان بتارودانت، وقد نبش قبره بشكل همجي وبعثر أديمه من قبل اللاهثين خلف سراب الكنوز.

مقبرة أو بالأصح شبه مقبرة على اليمين مباشرة خارج باب تمصضوت/”السنسلة” ،كانت تسمى مقبرة العبيد وقد اندرست هي اليوم جزء من ساحة 20 غشت، لم أذكر أنني شاهدت معالم قبور هناك، كل ما يحضر ببالي بضع أفدنة الزياتين ضمنها فدان الشيخ العرفاوي، لكن تواجد المقبرة أكده لي أكثر من مصدر، ويغلب الظن في ذلك بعد تقابل وتقارب الوقائع التاريخية، أن الأمر له علاقة بأحداث جسام عرفها المكان في بداية العقد الأول من القرن العشرين، زمن قطع الرؤوس بالفؤوس وتعليقها بشرفات السور فوق باب تمصضوت نكاية وعبرة، وهو ما دونته أول “رومية” لادريت دو لاشاريير التي وصلت تارودانت شهر ابريل 1911 ودونت مذكرات الطريق المعنونة le long des pistes moghrébines، ثم ظروف تشييد قلعة دار البارود التي استمرت من 1903 الى 1909 والأشغال يقوم بها عبيد الخدمة؛ في نفس الزمن والمكان وصول حيدة ميس شيخ قبيلة المنابهة وتعيينه باشا على تارودانت وتشييد قصره، فندق مرحبا ثم قصر السلام الحالي، وكان حيدة ميس يملك “جيشا”من عبيد الخدمة وعبيد “العسة” جلبهم معه وأسكنهم حومة القصبة بذكر مصدر شفوي من فبيلة اولاد يحيى، هذا ما جعلنا نرحج ما ذهب اليه أكثر من مصدر شفوي بخصوص مقبرة العبيد، وهذا ما جعل المقبرة لا يوجد بها ضريح ولي من الصالحين ربما لما يمكن اعتقاده حالة التنافي.

هذا عن أضرحة الأولياء بتارودانت المتواجدين داخل المقابر خارج المدينة، أما بداخل حزام السور فتوجد حالتين هما ضريح سيدي العربي بمقبرة المساجين/”الحبّاسة” جوار باب القصبة، ونقصد بالاسم القصبة السلطانية وليس باب تمصضوت/السلسلة؛ ثم ضريح سيدي امحمد بن يعقوب بمقبرة ركراكة جوار فدان الوخشاشي او الوخشاش المعروف اليوم باسم درب الحشيش؛ ثم نجد حالة ثالثة داخل تارودانت فريدة الوضع عما سبق سرده، تتعلق بمقبرة الشرفاء وضريح محمد بن صالح بن وندلوس / سيدي وسيدي، ووجه الاستثناء يكمن في كون الضريح والمقبرة لا يفصل بينهما سوى طريق ضيق، آخر من دفن بها من ذوي السلطان باشا تارودانت حمو المكناسي سنة 1318هـ ، ومن الأعيان وجهاء البلد نزولا عند وصيتهم، بعض شرفاء أهل المدينة المنتسبين للطرق الصوفية آخرهم سنة 1942 وهو من قاطني حومة الرحبة أصابته جائحة الوباء.

تبقى ظاهرة أضرحة المقابر والأضرحة عموما لا تهم مدينة تارودانت فقط ،بل نجد نماذج مشابهة في أغلب مدن المغرب ذات الرصيد التاريخي، وقد أحصى السوسيولوجي عبد الرحيم العطري في كتاب بركة الأولياء الذي تناول فيه الظاهرة بالدراسة من خلال مدينة سلا على صغرها مثل تارودانت، تضم 59 ضريحا، وهو أيضا ما سجله بول باسكون في كتاب الأساطير والمعتقدات بالمغرب، ما جعله يختار للمغرب لقب “بلد الألف ولي” .

كافة دفناء الأضرحة المعلومة بتارودانت، مجهولي النسب والسيرة باستثناء محمد بن صالح بن وندلوس/ سيدي وسيدي المتوفي أواخر الدولة الموحدية ، وسعيد بن علي الهوزالي المتوفي زمن صدر الدولة السعدية ، وبناصر بن عبد الرحمان بن هشام المتوفي زمن تردي الحالة السياسية المغربية وبداية الأطماع الأجنبية، هؤلاء سجل التاريخ ذكرهم وبعضا من سيرتهم لكونهم مارسوا حياتهم من زاوية دينية أو اجتماعية أو سياسية .

اذا كانت المعجزات خاصة بالأنبياء فالكرامات واردة سمعا عن الأولياء فيما يقبله العقل السليم والثابت في الدين والراسخ في العلم ،ومن كرامات الأولياء إجراء أسباب الخير والتيسير على أيديهم كما ورد في كتاب التشوف لرجال التصوف الذي حققه وزير الأوقاف الحالي أحمد التوفيق. مثال ذلك أنه كلما انحبس الغيث واشتد القحط، قدم القوم واحدا منهم تقيا زاهدا ورعا لصلاة الاستسقاء يستمطرون بدعائه فيغاثوا ولو بعد حين، وهو حال المسمي سيدي ابي السحاب قرب أكادير…

لما نتحدث عن الكرامة نصف صاحبها “سيدي” فلان، وان فاضت البركة سمي “مولاي”، وإلا لقب الشخص العابد رغم زهده “الفقيه” وان كان زهده نسبي لقب “الفقير”، ومما تعنيه الكرامة والبركة في المعتقد الشعبي الرخاء وهو عكس الشدة، والتيسير وهو ضد العسير، وأوجهه تتجلى في طلب الولد أو وفرة المحصول أو ربح التجارة ومختلف الأعمال الخاصة والمعاملات العامة.

ما يمكن ملاحظته بتارودانت ان جميع أضرحة الأولياء تكون عبارة عن فضاء فسيح نذكر ضريح الولي الحاج بوتابث بالبلاليع ومحمد بن عبد الله فوق الوادي الوعر، أو ضيق مثل سيدي بلقاس وسيدي بوسبع، أكثر ما يميز أضرحة الأولياء قبة هرمية مرتفعة متجهة الى السماء تلفت انتباه الزائر/ة وتأخذ بصره وتشد نظره، وقد تكون مزخرفة الخشب منمقة الجبص وهو حالة قبة سيدي وسيدي، بها منافذ خاصة ذات طول عكس العرض الضيق جدا، تسمح بنفاذ أشعة الشمس التي تسقط على مركز القبة أرضا، لتقع مباشرة على قبر الولي دفين الضريح، هذه العناصر المعمارية والهندسية إذا تأملناها سنلاحظ أنها تقوم بوظيفة الإبهار العلني، وهذه الوظائف مجتمعة بالطقوس الشعبية والمعتقدات الخرافية، تمنح للفضاء الداخلي رهبة نفسية وقدسية روحانية ترج شكيمة قلب الزائر/ة فلا تسمع إلا همهمة بالتصلية على النبي، وهمسا بالتسليم للولي مولاي أو سيدي فلان.

تراجع كثيرا المعتقد الشعبي إزاء أضرحة الأولياء بتارودانت لعدة أسباب عما عرفناه وشاهدناه من تبجيل وتقديس في فترة السبعينات، بل نؤكد زوال طقوس نهائيا مثل إشعال شمعة يوميا كلما أسدل الليل ردائه أطبق الظلام غشائه، فتوقد شمعة داخل ثقب يحفر عند مدخل عدد من الأضرحة ، بل زوال أضرحة بالكامل في تارودانت مثل ضريح الحاج بوتابث بالبلاليع، وضريح ابن الوقاد التلمساني أصلا الروداني دارا واقبارا بمقبرة المحراب بحومة الجامع الكبير، وتقزيم مساحة البعض المتبقي خاصة بالشوارع الرئيسية مثل سيدي بوسبع، ومؤخرا ضريح سيدي بوداليا بطريق الحدادة وتحويله الى محل تجاري حبسي.

أما عن إشعال الشموع فلا يعدو كونه طقس من طقوس العادة، حسب ما ذهب إليه السوسيولوجي عبد الرحيم العطري الوجه المألوف في برنامج بدون حرج على قناة Medi1TV ، أن السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي – دفين حومة القصبة بتارودانت – أعجب بالعادات الاحتفالية التي كانت تقام بمدينة اسطنبول التركية العثمانية ، حيث كانت تنظم مواكب شعبية بالشموع، وتندر السلطان السعدي احمد المنصور بتنظيم احتفالات مماثلة بالمغرب لما يؤول اليه الحكم، وفور الانتصار في معركة وادي المخازن قرر إعطاء الانتصار بهجة احتفالية خاصة فأنشأ معاصر الشمع وجمع مهرة الصناع من فاس وسلا ومراكش لصناعة هياكل شمعية شبيهة بما شاهده باسطنبول، وقد أشارت بعض مصادر التاريخ لمعاصر الشمع بتارودانت في الفترة السعدية الى جانب بقية وسائل وطرق الاستصباح والإنارة، لتبقى – سابقا- رمزية قربان الذبيحة مهما صغرت أفضل ما يُتقرب به في الضريح ،والشمعة أعز ما يطلب كهدية باروك الولي الصالح. معتقدات شعبية عفى عنها الزمن وأصبحت في خبر كان.

كل زمن وتارودانت بألف خير

تارودانت نيوز
مدونة//ذ.علي هرماس