مقالات

في الذكرى التاسعة لرحيل محمود درويش.. شاعر الأرض وشاعر الحب أيضا.


لم يكن محمود درويش، كما في العرف الأدبي والثقافي في الساحة العربية شاعر النضال والمقاومة والكلمة التي قاومت المحتل الصهيوني كما قاومت معاناة الإنسان فحسب، بل كان أيضا شاعر الحب والعاطفة والقيم الإنسانية النبيلة، وشاعر الوجدان المليء بالحياة، شاعرا دافع عن الإنسان الفلسطيني والعربي، وشاعرا غنى للسلام من كل جانب، وشاعرا تنبأ في شعره بواقعنا اليوم في ربيعه وخريفه، فاستحق أن يكون شاعر العصر بامتياز.
القارئ لقصائد درويش يقف على ذلك التجانس بين القيم الإنسانية في شعره، فتقرأه شاعر النضال والسياسة، كما تقرأه شاعر الحب والعاطفة، حيث يمكن تشبيهه بدون حرج، بالشاعر المتنبي الذي انبنى شعره على ذكاء باهر؛ وظف من خلاله الفخر مثلا في المدح حيث يصعب التمييز بين الفخر والمدح؛ ومن ثم فنحن نحتاج إلى أن نقرأ درويش من جوانب أخرى تعزف على غير قيثارة المقاومة التي تلبسها في أسطورته النضالية منذ قصائده الأولى التي غناها في المنافي والسجون، واتخذ من تجربة النضال في شعره معبرا وامتدادا للتعبير عن معاناة كل أسير وكل معتقل سياسي.
شعر الأرض والمقاومة
لا أحد ينكر كون محمود درويش شاعر المقاومة بامتياز، ارتبط شعره بمعاناة الشعب الفلسطيني لأنه كان شاهدا على الاحتلال، منذ ولادته في 1941، وسماعه صليل الحرب في 1948 حين يقول: “الرصاص الذي انطلق في تلك الليلة من صيف 1948 في سماء قرية هادئة (البروة) لم يميز بين أحد، ورأيت نفسي وكان عمري حينها ست سنوات أعدو في اتجاه أحراش الزيتون السوداء، فالجبال الوعرة.. مشيا على الأقدام حينا وزحفا على البطون حينا، وبعد ليلة دامية مليئة بالذعر والعطش وجدنا أنفسنا في بلد اسمه لبنان”(1).
كما أنه شاعر عانى في سجون الاحتلال حيث سجن سنة 1961 كما سجن مرة ثانية سنة 1965، وذاق مرارة الاعتقال بين 1965 و1967، بل ذاق عذاب الرقابة طيلة سيرته الشعرية التي امتدت إلى حين وفاته سنة 2008، وعبر عن هذه المعاناة وهذا الأسر، الذي لا يمثله هو فحسب بل يمثل كل معتقل فلسطيني وكل أسير يدافع عن الحرية والتحرر، كما في قصيدته “رد فعل” التي يقول فيها:
و طني! يعلمني حديد سلاسلي/// عنف النسور، ورقّة المتفائل
ما كنت أعرف أن تحت جلودنا/// ميلاد عاصفة.. و عرس جداول
سدّوا عليّ النور في زنزانة///فتوهجت في القلب.. شمس مشاعل
فدرويش هو شاعر الأرض التي منحها منزلة القدسية وتعبدها تعشقا يشبه تعشق الصوفي، عبر توظيف الرمز الديني والمعجم الصوفي، يقول في قصيدته “أهديها غزالا” :
تعال غداً لنزرعه..
وكان الشوك في الأرض
أبي من أجلها صلى وصام !

…فدائي الربيع أنا ،
وعبد نعاس عينيها وصوفي الحصى ،
والرمل والحجر سأعبدهم ،
لتلعب كالملاك ،
وظل رجليها على الدنيا ،
صلاة الأرض للمطر
فكلمات (صلى، صام، صوفي الحصى، أعبدهم، الملاك، صلاة الأرض…) لن تجد لها أي تأويل يوصل إلى معنى خارج السياق الرمزي الصوفي، والذي يحيل على تعشق الأرض والتعلق بها وحبها، وهو الذي آمن بأن الثورة :ليست بحاجة إلى تخطيط وقيادة وأيد تحمل السلاح فحسب ، بل كذلك، وخصوصا، إلى مخيال منتعش بأحلام، ومشحوذ بحساسية، وممتلئ بتوق للحرية والجمال، وما إليهما من عناصر إدراكية، وإلى لغة.” (2)، فكانت اللغة وسيلة المقاومة لدى درويش.
استثمار العاطفي في التعبير السياسي
كثيرا ما نعثر في قصائد محمود درويش السياسية على لغة العاطفة عبر اعتماد لغة وأسلوب يستضمر الغزل الذي كان مقدسا في مطالع الشعر الكلاسيكي، غير أن توظيف العاطفي والغزلي يتخذ في قصائده أبعادا أخرى جمالية، من بينها تخفيف فظاظة الواقعي والسياسي، وتطويع الشعري بشكل يجعل قصائده لوحات فنية تقرأ وتؤول تأويلات عدة، كما في قصيدته “لا مفر”، وفيها يقول:
مطر عل أشجاره ويدي على
أحجاره، و الملح فوق شفاهي
من لي بشبّاك يقي جمر الهوى
من نسمة فوق الرصيف اللاهي؟
وطني !عيونك أم غيوم ذوّبت
أوتار قلبي في جراح إله!
فلا يمكن أن نقرأ درويش إلا من خلال الرمزية، كما لا يمكن قراءة الشعر الصوفي في غير السياق الروحي الذي وضع له معجميا، وأما التأويل الأخلاقي في توصيف الشعر الحر الذي يقوم أساسا على صور حديثة تعتمل الرمز والأسطورة، وبعيدا عن التأويل الرمزي المعتمد على روافد الأسطورة والتاريخ والدين وغيرها، فمن شأنه أن يخرج بنا من الشعر ومن الأدب الذي يقوم على الانزياح، إلى أحكام قيمة لا يسمح النقد الحديث والمعاصر بها أبدا.
شاعر الحب والعاطفة
فضلا عن استثمار رمزية المرأة ورمزية العاطفة في الشعر النضالي، فإن الشاعر يخصص قصائد للحب والعاطفة، كما في قصيدته “ريتا والبندقية “:
بين ريتا وعيوني.. بندقيهْ
والذي يعرف ريتا ، ينحني
ويصلي
لإلهٍ في العيون العسليّهْ!
وإن تخللت القصيدة أيضا ملامح من رمزية الحرب والمقاومة كما عبرت عن ذلك لفظة (البندقية) التي تكررت في القصيدة ثلاث مرات. أو في قصيدة “أجمل حب”، والتي يقول فيها:
حبيبان نحن، إلى أن ينام القمر
(…)
أحبك حب القوافل واحة عشب و ماء
و حب الفقير الرغيف !
كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة
وجدنا غريبين يوما
و نبقى رفيقين دوما.
الميتا نقد في شعر درويش
إن سعة شاعرية درويش التي لن يسعها إلا التحليل اللغوي العميق والتأويل الدلالي الرمزي، جعلت الشاعر يتوجه إلى القارئ لشعره بنصائح مضمرة تؤكد على خطورة الشعر وعلى رسائله النبيلة، كما في قصيدته “من خطب الدكتاتور الموزونة” حيث يؤكد على قدرة الشعر على إزاحة الثوابت عبر لغته وكنايته وما ينماز به من خيال، وعبر ما يحمل من تأويلات متعددة :
فلا تسرفوا في الكلام لئلا تبدد سلطة هذا
الكلام ..
ولا تدخلوا في الكناية كي لا نضل الطريق
ونفقد كنز السراب
ولا تقربوا الشعر ، فالشعر يهدم صرح
الثوابت في وطن من وئام
وللشعر تأويله ، فاحذروه كما تحذرون الزنى
والربا والحرام.
ولقد كانت للشعر وطأة كبيرة على المستعمر الذي لم يترك أي جهد للضغط على الشاعر، حيث أذاقه العلقم وأقض مضجعه بالسجن والأسر فلم يزده ذلك إلا صمودا:
والفاتحون على سطوح منازلي/// لم يفتحوا إلا وعود زلازلي
لن يبصروا إلا توهج جبهتي/// لن يسمعوا إلا صرير سلاسلي
ونلحظ هذا النقد الممارس على شعر درويش في قصائده، من خلال صدعه بوظيفة الشعر التي هي زعزعة الثوابت والثورة على التقليد، كما نلحظها في قيمة الكلمة وانفتاحها على كل الأذواق، وتحولها حسب الظروف، كما يوضح في قصيدته “مزامير”: يوم كانت كلماتي/غضبا../ كنت صديقا للسلاسل/يوم كانت كلماتي/حجرا../ كنت صديقا للجداول/ يوم كانت كلماتي/ثورة.. /كنت صديقا للزلازل/ يوم كانت كلماتي/ حنظلا ../ كنت صديق المتفائل/حين صارت كلماتي/ عسلا../ غطّى الذباب/شفتي!..
هكذا يمكن أن نقف في شعر درويش على واجهتين في شعره؛ الواجهة الأولى هي المعروفة عند عموم القراء، حيث ارتبطت تجربته بالنضال والمقاومة وارتبطت بالسياسة والوطنية وبالقضية الفلسطينية، وهي الغالبة على كل شعره، والمضمرة حتى ي القصائد التي تبدو خارجة عن هذا السياق، حيث سكن الوطن والقضية كيانه الشعري وارتبط برؤياه ورؤيته الشعرية.
والواجهة الثانية تبدو خفية، لكن التمعن في قصائده يجعلها واضحة أيضا، وتتعلق بتلك النزعة الإنسانية في شعره، التي تدافع عن القيم الجميلة، والتي يغلب عليها العاطفي، ويكتسحها الإنساني بمفهومه العميق، حيث غنى الشاعر للقيم النبيلة مثل الحرية والسلام والحب.
إن قراءة محمود درويش في غير شعرية اللغة واللغة الشعرية الحديثة التي يطغى عليها الانزياح الدلالي والتورية والتلميح، ويغلب عليها الرمز والاستعارة والتراث الأسطوري، قد يخرج بقصائده عن معناها وعن هدفها وعن شاعريتها، ومن ثم فإن التأويل الأخلاقي لشعر درويش يبقى خارج سياق شعره، وإن التأويل الواقعي الصرف في نقد قصائده، لن يخرج بنتيجة تذكر ومن شأنه أن يضر بالنقد وبالشعر معا.
هوامش:
(1) رجاء النقاش: محمود درويش شاعر الأرض المحتلة، دار الهلال، الطبعة الثانية، ص. 96.
(2) كاظم جهاد: عزلة الشاهد، محمود درويش في مجموعاته الشعرية الأولى وقصائده الأخيرة، مجلة الكرمل، العدد 90، 2009، ص. 87.

المصدر: سعيد فهمي -مقالي في مجلة رؤى عدد 29، خريف 2017

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى