دراساتمستجدات التعليم

مذكرات مراقب تربوي : 11 ـ في رحاب التعليم الأصيل.


تزامن إسناد ثانوية محمد الخامس للتعليم الأصيل إليّ ، مع الشروع في تكوين لجان ، على المستوى المركزي ؛ لتأليف كتب خاصة بهذا النوع من التعليم ، إذ لم تكن له كتب مستقلة ، بل كان الأساتيذ يعتمدون في تدريسهم على مراجع ومصادر مختلفة ، وأحيانا ينطلقون من نصوص متفرقة ، تزيد من عبء الأستاذ ، الذي يُضطرّ أحيانا إلى استنساخها ، وتوزيعها على التلاميذ ، أو الاستعانة بكتب مدرسية وُضِعت أساسا لشُعَب التعليم العصري… ويزداد العبء مَشقّة إذا علمنا أن المواد التي يَدرسُها تلاميذ التعليم الأصيل ، تتوزع بين الأدب والشريعة وعلوم الآلة من نحو وصرف وبلاغة وعَروض وغيرها… ولذلك لم يكن يخلو تقرير من تقارير المجالس التعليمية ، أو الندوات التربوية ، أو الدروس التجريبية من ملتمس يدعو إلى التعجيل بوضع كتب مدرسية خاصة بشعَب هذا التعليم ، سواء أتعلق الأمر باللغة العربية ، أم بغيرها من التخصصات الأخرى… وكانت للتعليم الأصيل مديرية تابعة لوزارة التربية والتعليم ، تتولى شؤونه ، وتحظى بعناية خاصة من الجهات الرسمية ؛ لِما لمديرها من اعتبار وحظوة ، حتى كادت هذه المديرية تصبح وزارة داخل الوزارة ، تستقل بقراراتها ، وتنفرد بميزانيتها ، وتتميّز بخصوصياتها…
تشكلت لجان التأليف من مفتشين مركزيين ، ومفتشي المقاطعات ، وبعض أساتذة المواد المدروسة في مختلف شعب هذا التعليم… وتم إلحاقي بلجنة تأليف كتب اللغة العربية ، التي كانت أشغالها قد انطلقت من قبل ، وتشمل مادة النصوص الأدبية ، ومادة البلاغة ، ومادة النحو ، بشكل يجعل هذه المواد يستقل بعضها عن بعض ، عكس التوجه الذي كان سائدا في تأليف كتب التعليم العصري ، الذي ينطلق من كون اللغة العربية وحدة تتكامل مكوناتها ، ويجب أن يضمها كتاب واحد… ويبدو أن هذا الفصل بين المواد كان متأصلا في ثانوية التعليم الأصيل التي أُسنِدت إليّ ، حيث كان الأستاذ يُدرِّس مادة النحو فقط ، أو البلاغة وحدها ، أو النصوص الأدبية والمؤلفات ، بمعزل عن غيرهما من المواد الأخرى… ولم يكن من السهل تغيير هذه الوضعية ، بحيث يصبح الأستاذ مدرسا للغة العربية في وحدتها المتكاملة ، على غرار ما هو معمول به في الشق الآخر من التعليم… فكان من الضروري أن أطالب إدارة الثانوية بوضع جداول حصص ، تراعي هذا المبدأ التربوي في إسناد المستويات إلى الأساتيذ… ولم يكن من السهل إقناع البعض منهم بهذا التغيير ؛ لأنه سيَضطرّهم إلى مزيد من الجهد ، بعد أن استمرؤوا السهولة التي كان يمنحها لهم تدريس مادة واحدة ، معزولة كليا عن غيرها من المواد الأخرى المكوِّنة لوحدة اللغة العربية… كما أن التلاميذ لم يكونوا على القدر نفسه من الوعي التربوي ، بحيث يربطون ، بشكل وظيفي ، بين علوم الآلة التي يدرسونها ، باعتبارها مواد مستقلة ، والنصوص الأدبية التي تشكل المجال الخصب لتطبيق قوانين تلك العلوم وقواعدها…
كان يتم استدعاؤنا إلى الرباط ، بين الفينة والأخرى ، لحضور أشغال هذه اللجان… وكان المشاركون يأتون من كل الجهات التي توجد فيها مؤسسات للتعليم الأصيل… كنا نشد الرحال إلى العاصمة بمختلف وسائل النقل ، بالسيارات ، أو بالحافلات… كنا نستقل الحافلة من تارودانت عند التاسعة ليلا ، ونصل إلى الرباط في حدود السابعة صباحا ، ونكون مستعدين للعمل الساعة الثامنة والنصف… وكالعادة في مثل هذه اللقاءات ، كان البعيدون أول من يحضر… فكان علينا أن ننتظر وصول المسؤولين المركزيين ، مثقلين بمسؤولياتهم الجسيمة ، ومحمولين على صهوات سيارات الخدمة ، حتى حدود التاسعة والنصف أو العاشرة ، فيفتتحون الأشغال ، ويرشقوننا بما لذ وطاب من توجيهات وتعليمات ، ثم ينسحبون مطمئنين إلى مكاتبهم ، أو مقرات عملهم في الوزارة ، أو إلى شؤونهم الخاصة… ولا نتشرف بطلعاتهم البهية مرة أخرى ، إلا في جلسة اختتام أشغال اللجان ، حيث يتفضلون ـ إذا سمحت لهم انشغالاتهم الكثيرة ، ومسؤولياتهم الجسيمة ـ بالاستماع إلى مختلف التقارير عن الأشغال المنجزة ، وما يُرتقب إنجازه استقبالا… كانت الأشغال في كل مرة تدوم يومين أو ثلاثة ، كنا خلالها ننشغل طول النهار بالعمل المتواصل ، ونقضي زُلَفا من الليل في سمر جميل ، تتآلف فيه المجموعات القادمة من مختلف الجهات ، في جلسات تتخللها كؤوس من الشاي الممتاز ، الذي يتناوب على إعداده كل من الأستاذ مرشد ، والأستاذ القاف. وكثيرا ما تتحول تلك الجلسات إلى أمسيات شعرية ، يشارك فيها بعض الحاضرين بما تجود به قرائحهم من قريض ، وتستمر ، في إمتاع ومؤانسة وسمر جميل ، حتى ينتهي الهزيع الأول من الليل…
وفي صباح اليوم الموالي ، وبعد تناول وجبة الفطور ، يتحلق الجميع من جديد ، قبل الالتحاق بقاعات العمل ، حول الأستاذ القاف ، المعروف بين كل من ضمته مرافق مركز التكوين المستمر بالرباط ، بشايه المميز والعجيب ، الذي غالبا ما يُضيف إليه بعض الأعشاب المنسّمة ، مثل القرنفل ، والزعفران ، فينجذب إليه كل من لسعته ريحه ، ويتهافت عليه الموظفون من سائر مكاتب المركز ، ويتسارعون إليه من كل جهاته ، ويتداعون عليه كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، يطلب كل واحد رشفة من كأس ، أو بقية من ثمالة في قعر فنجان… وكثيرا ما رأيت المتأخرين من موظفي المركز يتسللون لواذا ، مهرولين إلى القاعة المعلومة لديهم ، فترى البعض منهم وقد ظفر بكأس من ذلك الشاي ، يتوجه به إلى مكتبه ، يخفيه عن الأنظار كأنه يُهرِّب مادة ممنوعة ، وترى الآخرين يستقطرون الإبريق ، كأنما يستجدونه بضع قطرات من رحيقه الساحر… وكان الموظف محسن معروفا بجرأته ، يبكّر في تلك الأيام قبل ساعة العمل ، يزاحم الحاضرين بالمناكب في مجلسهم ، وينتظر في لهفة أن يجود عليه الأستاذ القاف بكأس ، سرعان ما يمضي بها إلى مكتبه ، وقد لفّها في ورقة حتى لا يثير فضول الموظفين الآخرين… والسر في هذا الإقبال العجيب على ذلك الشاي طريقة تحضيره ، التي لم يألفها سكان العاصمة ، وبعض الجهات الأخرى من المملكة ، وهي الطريقة التي ينفرد بها أهل سوس ، والمناطق الجنوبية… فهم ينتقون الشاي الرفيع ، ويكثرون من حباته في الإبريق ، ويتركونه يغلي على نار هادئة ، وهم يتجاذبون أطراف الحديث ، ولا يتناولونه إلا وقد صار لونه داكنا ، وأقرب إلى المضغ منه إلى الشرب ، كما قال أحد الظرفاء… وأذكر أن احد الحاضرين دبّج في ذلك الشاي قصيدة ، لا أذكر منها ـ مع الأسف ـ إلا مطلعها ، وفيه يقول :
الـشّـايُ عِـنْـدَ الـقـافِ ********** أحْـلـى مِـنَ الـسُّـلافِ.
استمرّت أشغال هذه اللجان عدة سنوات… ولكنني اضطُرِرت إلى الانسحاب منها ، بعد اجتماعات قليلة ؛ لأنني لم أكن مقتنعا بجدوى نتائجها ، بسبب الطريقة المتبعة في تأليف تلك الكتب ، والتي تكرّس الفصل بين المواد المدروسة في اللغة العربية ، وكأنها جزر متباعدة ، لا رابط بينها ، ولا صلة… ولم يكن حدسي بعيدا عن الصواب ، إذ إن كل ما أثمرته هذه الأشغال ، هي جملة دروس ، وُزِّعت هنا وهناك قصد تجريبها ، وإبداء الرأي والملاحظات بشأنها… وهو ما قمنا به ، بالفعل ، خاصة في مادة النصوص الأدبية ، من خلال بعض الدروس التجريبية… وبعد تجميع الملاحظات والاقتراحات ، وإرسالها إلى المديرية ، لم يصل إلى علمي شيء من نتائج تلك المجهودات الجبارة التي بذلتها اللجان في أثناء عملها… ويبدو أن الفكرة ماتت بموت مدير مديرية التعليم الثانوي ، أو ربما صدرت كتب في بعض التخصصات الأخرى ، ثم انتهى كل شيء…
ومن الأمور التي لم تكن محفّزة على عمل تلك اللجان ، ما كان متّبَعا من قِبَل المصالح المركزية من صرف لتعويضات التنقل… فقد كان المسؤولون عنها يعمدون إلى تأخيرها حتى نهاية السنة المالية ، أي الأسبوع الأخير من شهر دجنبر ، حيث يُطلب من المعني بالأمر الحضور عاجلا إلى الرباط لتسلمها ، مع أن قيمتها لا تكاد تغطي نفقات تنقل واحد ، إذ لم تكن تتجاوز مبلغا زهيدا جدا ، لا يناسب في شيء المصاريف التي أنفقها المعني بالأمر في تنقلاته… وكثيرا ما تم الاستغناء عنها ، بسبب ذلك ، فيتحمل المراقب التربوي مصاريف تلك التنقلات ، ويقتطعها من رزق عياله ، وخالص ماله ، علما بأن المديرية أوجدت ميزانية خاصة لكل المصاريف المرتبطة بتلك الملتقيات… لكن سوء التدبير ، والاستهتار بحقوق الغير ، كثيرا ما عرقلا أعمالا ، وحالا دون بلوغ الكثير من المشاريع أهدافها المسطّرة لها…
وعوْدا على بدء ، فقد كان لثانوية محمد الخامس للتعليم الأصيل ، مكانة خاصة في نفسي ؛ لأسباب كثيرة : فهي أقرب ثانوية إلى مقر سكناي. وهي ذات حمولة رمزية خاصة ؛ لأنها نتاج حملة تطوّعية ، أدت إلى تأسيسها في ظروف صعبة ، بمبادرة من جمعية علماء سوس ، وإسهام من أبناء المنطقة ، الذين شاركوا في تشييدها بحماس منقطع النظير ، وبروح وطنية عالية ، وأطلِق عليها يومذاك اسم المعهد الإسلامي بتارودانت. وهي المؤسسة التي أنقذت الكثير من التلاميذ المطرودين من التعليم العصري ، ومنحتهم فرصة أخرى للنجاح ، فتمّ لهم ذلك بالفعل. وهي المؤسسة التي كانت تستقبل العديد من طلبة المدارس العتيقة ، وتدمجهم في فصولها ، بغض النظر عن أعمارهم ، حتى إنني سمعت أن قسما واحدا اجتمع فيه والد وما ولد. وهي المؤسسة التي تخرّج فيها عدد كبير من الأطر العليا العاملة في مختلف دواليب الإدارة ، من قضاة ، ومحامين ، وأساتيذ في أسلاك التلعيم كلّها، وموظفين سامين. وهي المؤسسة التي لم تُقِمْ ميزا ولا حواجز بين التلاميذ والتلميذات ، على الرغم من طابعها الأصيل ، في وقت كانت فيه بعض مؤسسات التعليم العصري تعمد إلى الفصل بين الجنسين. وهي المؤسسة التي استقطبت عددا من الطلبة الأفارقة ، من دول إفريقية شقيقة ، منحتهم فرصة تعلم اللغة العربية ، ودراسة العلوم الشرعية. وهي المؤسسة التي اشتغل فيها عدد من خيرة الأساتيذ المغاربة ، وثلة من الأساتيذ الشرقيين ، من بلاد الشام ، وأرض بابل ، ومصر. وهي المؤسسة التي ضمت بين جدرانها مكتبة الإمام علي العامة ، التابعة لوزارة الثقافة ، فأضفت عليها طابع القلعة العلمية ، التي يؤمها طلاب العلم والباحثون ، من الإقليم ، ومن جهات مختلفة من الوطن ، بل ومن خارجه أيضا ، نظرا لاحتوائها على مخطوطات نادرة ، ومصادر نفيسة في شتى العلوم والآداب ، قبل أن تعيث فيها فسادا الأرضة الحشرية والبشرية…
وطَوال اشتغالي في هذه المؤسسة ، لمدة تجاوزت العقد من الزمن ، سعدت بمرافقة أساتيذ أجلاء ، كانوا مثالا في الجدية ، والإخلاص في العمل ، والتفاني في أداء الواجب ، حتى إنني كنت أستحي من زيارتهم ، المرة تلو الأخرى… ولولا أنني كنت مضطرّا إلى ذلك ، ولولا أنني كنت أستفيد من علمهم ، أكثر مما أفيد ، لاكتفيت بزيارة واحدة ، لثقتي الكاملة في نبل أخلاقهم ، ونقاء ضمائرهم ، وعشقهم الصوفي لمهنة التربية والتعليم… ولا بد أن أخص بالذكر ثلاثة منهم ، ما حضرت دروسهم إلا غادرتها وأنا مطمئن على تحصيل تلاميذهم ، المحظوظين بأخذ العلم بين أيديهم ، والتلمذة لهم. وهؤلاء الثلاثة هم : الأستاذ محمد القاف ، والأستاذ محمد بوبلي ، والأستاذ عبد الله أشن.
فالأول فصيح حتى في عاميته ، عاشق للبلاغة وشواهدها عشقا جعلني أُكثِر من زيارته في حصصها ، لأستمتع مع تلاميذه ، بذائقته الفنية ، وجمالية تحليلاته. وله عشق خاص للورود والأزهار ، حتى إنك إذا زرته وجدت على مكتبه باقة من الورد ، يُحضرها معه كل صباح ، بل إن جذاذات دروسه لا تخلو ، هي الأخرى ، من رسوم ملوّنة لأنواع مختلفة من الورود يزيّن بها ترويستها ، وهوامشها ، وفراغاتها ، تماما كما يفعل التلميذ المجتهد الذي يعتني بدفاتره عناية فائقة… وعندما زرته في آخر سنة من عمله ، قبل إحالته على المعاش ، وجدته يفيض حيوية وحماسا ، كما لو استلم مهمة التدريس قبل شهر واحد فقط… كانت حصة خاصة بتصحيح أحد الفروض المحروسة ، فرتَّب تلاميذه بحسب الاستحقاق ، واستخرج لكل سؤال النسبة المائوية للإجابات الصحيحة ، والنسب المائوية للعلامات التي حصل عليها التلاميذ ، ثم بدأ بتصحيح الأخطاء العامة والمشتركة ، قبل الانتقال إلى تصحيح الأخطاء الفردية… ولكَم وددت ـ ساعتئدٍ ـ لو حضر معي بعض الأساتيذ الشباب ، الذين تسرّب إليهم الملل في سنتهم الأولى من العمل ، وشعروا بالتعب وهم في بداية تجربتهم ؛ ليأخذوا العبرة من دروس أستاذ مشرف على التقاعد ، مقبل على المعاش ، يؤديها بحماسِ مَن هو في عنفوان الشباب ، وبإخلاص العاشق لمهنته ، وبصبر المؤمن بنبل رسالته… وعجبت له إذ قضى الحصة كلها واقفا ، يتنقّل بين الصفوف ، يساعد تلاميذه على التصحيح ، ويراقب ما يكتبون ، بينما يقضي بعض الأساتيذ الشبابِ حصصَهم كاملة قاعدين خلف مكاتبهم ، لا يغادرونها إلا للخروج من الفصل…
والثاني حباه الله من الهدوء والطيبة ما يغبطه عليه الكثيرون ، وحياءً قلما تجده في غيره من الأساتيذ ، وقبولا يجعله محبوبا لدى زملائه وتلاميذه على السواء… فإذا حدثتَه خرس ، وإذا حدثك همس… في صمته حكمة ، وفي حديثه نعمة ، وفي دروسه جو من السكينة ، يوحي لك بالخشوع والطمأنينة ، حتى إن تلاميذه ليُجلّونه ويُكْبِرونه ، فيبدو بينهم كالشيخ وسط مريديه ، أو كالوالد بين بنيه… إذا ابتسم ابتسم بمقدار ، وفي المواقف التي تدعو إلى ذلك ، ثم عاد إلى جده ووقاره… فصيح في لغته ، دقيق في ألفاظه ومفرداته ، منطقي في تحليلاته وانتقاء حججه وبراهينه ، مهذب في توجيهاته وملاحظاته ، تربوي في تعامله مع تلاميذه ، منضبط حدّ الصرامة في احترام أوقات العمل ، وإنجاز المهمات الموكولة إليه…
والثالث أصغرهم سنّا ، لكنه ليس أقلهم جدية وحماسا وعطاء… تشعر حين تحضر دروسه أنها تمرّ في سلاسة عجيبة ، بلغة عربية فصيحة ، وتناغم تام بين الأستاذ والتلاميذ ، الذين يندمجون في مختلف مراحل الدرس اندماجا يُثلج الصدر ، ويعطي مؤشرا إيجابيا على مستوى التحصيل لديهم… تُحِسّ أنه مهووس بمهنة التدريس ، مسكون بحب تلاميذه ، مفتون ببلوغ أرقى درجات الأداء في مهنته… يُحسِن الإصغاء ، كما يحسن الحديث… ومن صفاته الجميلة أيضا حياؤه الذي يجعل حمرة تعلو محياه ، كلما حدثتَه ، فلا يرفع إليك عينيه إلا على استحياء ، ولا يقاطعك البتّة إذا كنت تتحدث… فإذا أخذ الكلمة أوجز وأبدع ، وأقنع وأمتع…
ولكَم وددت لو تشَبَّع كثير من الأساتيذ الشباب بصفات هؤلاء ، وتمثلوا خصالهم ، واقتدوا بها في عملهم ، ليبلغوا نصيبا مما بلغوه من مكانة في مجال التربية والتعليم ، واحترام وتقدير بين زملائهم ، ولدى رؤسائهم ، على اختلاف مستوياتهم… ويكفيهم فخرا أن اقتراحاتهم لموضوعات امتحانات الباكالوريا ، كانت دائما محل ثقة من قِبل اللجان المشرفة على تلك الامتحانات في الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بمراكش ، وكثيرا ما تمّ اختيارها دون غيرها من الاقتراحات الأخرى لجدتها ، وجديتها ، واحترامها الدقيق للمعايير المحددة ، ومناسبتها لمستوى المترشحين… وكثيرا ما حصلوا على شواهد الاعتراف والتقدير والتنويه من تلك الأكاديمية…
اقتصاري على ذكر هؤلاء الأساتيذ الثلاثة لا يقلل في شيء من قيمة الأساتيذ الآخرين ، سواء في هذه المؤسسة ، أو في غيرها من المؤسسات الأخرى ، ولكنني اخترت أن أذكرهم بالاسم ، وأنوِّه بالصفات ؛ لأنهم كانوا يبعثون الأمل في نفسي ، كلما ضاقت بي السبل في دروب المراقبة التربوية ، أو صادفت حالة من الحالات التي تبعث على القلق ، أو احتجت إلى إعطاء المثال بالأستاذ الناجح ، والمدرس الكفء ، والمربي الخبير… ولئن ذكرتهم كذلك ، فمن باب التمثيل لا الحصر ؛ لأن الكثير من مؤسسات تارودانت كانت محظوظة بأساتيذها في مادة اللغة العربية ، حتى إن بعض مفتشي المواد الأخرى كانوا يغبطوننا على ذلك ، عندما يعدِّدون حالات الضعف واللامسؤولية التي رصدوها لدى الأساتيذ في مقاطعاتهم…
وللطاقم الإداري في هذه المؤسسة أيضا مكانة خاصة في نفسي ، بدءا بالمدير ، ومرورا بالناظر ، والحراس العامين ، والمعيدين ، وانتهاء بالأعوان… توطّدت علاقتي بهم في مناسبات كثيرة ، ولا سيما خلال إجراء امتحانات الباكالوريا ، حيث عُيِّنْتُ فيها ملاحظا أكثر من مرة… فسعدتُ كثيرا بتلك الفترات التي قضيتُها بين ظهرانيهم ، استمتعتُ فيها برفقة طيبة ، ووقفتُ خلالها على الاحترام المتبادل بينهم ، والتكامل الذي يتحقق بتعاونهم ، والتزام كل واحد منهم بالمسؤوليات الموكولة إليه… كانوا مثل خلية نحل ، يقوم كل عنصر فيها بالدور المنوط به ، بشكل منسجم مع الأدوار الأخرى ، ما يجعل وقائع الاختبارات تمر في سلاسة ومرونة ، ودون أخطاء أو مشاكل… ولعلّ ما سهّل على الطاقم الإداري القيام بمهامه بيسر وسهولة ، عدد التلاميذ الذي لم يكن يتجاوز الثلاثين في كل فصل ، أو أقل أحيانا… وتلك ميزة كان يحمدها الأساتيذ أيضا…
ولذلك من الطبعي أن يكون التلميذ الذي ينشأ ويتعلم في هذه الأجواء ، متّسما هو أيضا بالتميّز والاجتهاد… فالتلميذ ، في نهاية المطاف ، ما هو إلا بذرة ، إذا وجدت تربة صالحة ، وشروطا صحية ، وجوا ملائما ، نمت ، وأينعت ، وأثمرت… وإن لم تجد شيئا من ذلك فسدت ، وفسد كل ما أحاط بها ، واستند إليها… وفي سجلات هذه الثانوية أسماء كثيرة ، تغنيك عن الاستشهاد على ما أعطته من نوابغ ، في مجالات كثيرة ، هم اليوم مصدر فخر لها ، ولمدينة تارودانت عامة…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى