رأي

الريف المصري في رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل


معراج احمد الندويإن رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل ليست أول رواية في الأدب الروائي العربي فقد سبقها عدد لا بأس به من الروايات ولكنها تحتل هذه الرواية أهمية خاصة بين كل هذه الإنتاجات الأدبية لأسباب مختلفة. قد تناول محمد حسين هيكل لأول الريف المصري لأول مرة واهتم على قضايا المرأة العربية ومعاناتها وبؤوسها في المجتمع المصري وعالج مشاكل المرأة المصرية وهمومها ودعم دعما حقوق المرأة لكي تقوم المرأة العربية وتلعب دورها الفعالة في كل مجال من مجالات الحياة.
المدخل:
كان محمد حسين هيكل أديبا بارعا، صحافيا ثائرا وسياسيا قديرا، مؤرخا بالغ النظر، روائيا محنكا، صاحب أول رواية عربية في تاريخ الأدب العربي الحديث. بدأ حياته الفكرية مؤمنًا بالقيم الغربية وكان رجل فكر وحركة، كتب في الفلسفة والتاريخ والأدب، هو أول من قدم إلى الادب العربي الحديث الرواية الفنية، وكان من السابقين الذين نقلوا الثقافة الغربية إلى العربية. بدأ حياته االأدبية والفكرية متأثرا بالحضارة الغربية وأفكارها ونزعاتها الوطنية إلى النهضة اثناء إقامته في فرنسا كطالب حيث كتب أول روايته “زينب”. حظيت المرأة العربية باهتمام الكثير من الكتاب والأدباء والشعراء على اختلاف اتجاهاتهم وتعدد اهتماماتهم. حكى حمحد حسين هيكل قصة زينب ولا يتكلم بلسانها. تظل زينب الرواية الرائدة تصور الشخصية البسيطة وصراع الحب داخل المجتمع الذي يعاني من سوء الأوضاع الاجتماعية.
مولده ونشأته:
ولد محمد حسين هيكل في قرية كفر غنام من أعمال مركز السنبلاوين بمديرية الدقهلية والواقعة في مصر في20من شهر أغسطس عام 1888م. وكانت أسرته ريفية مصرية صميمة. وكان والده حسين آفندي سالم هيكل مكرما عند الناس. ولما بلغ محمد حسين هيكل الخامسة من عمره ألحقه أبوه بكتاب القرية. فتعلم القراءة والكتابة وحفظ حوالي ثلث من القرآن الكريم. ولما بلغ السابعة من عمره التحق بمدرسة الجمالية الإبتدائية ثم انتقل إلى المدرسة الخديوية الثانوية فقرأ هناك ما قرأ وما لبث ان التحق بمدرسة الحقوق حيث درس أربع سنوات وتخرج فيها عام 1909م. ظهر فيه ميله إلى الأدب منذ أن كان في الحقوق. فعكف على قراءة الآثار العربية القديمة. وفي هذه الفترة اتصل بلطفي سيد الذي كان محررا لمجلة “الجريدة”. فتح له باب هذه الصحيفة ليكتب القوقي الصغير. وكان لهذه الرعاية أثرها البعيد في تكوين شخصيته الأدبية. بعد تخرجه في الحقوق خطر بباله أن يتم تعليمه في فرنسا. سافر إلى باريس والتحق بكلية “السوربون” وحصل منها على شهادة الدكتوراه عام 1912م. عاد إلى مصر واشتغل بالمحاماة في مدينة “المنصورة” حيث أنشأ مكتبا للمحاماة وزاول هذه المهنة من 1912م إلى 1922م بكفاءة ومهارة. ومنذ سنة 1917م أخذ يلقي بعض المحاضرات في الجامعة المصرية الأهلية لأنه كان يميل طبعيا إلى الأدب رغم اشتغاله بلمحاماة. ولما أنشا حزب الأحرار الدستوريين جريدة “السياسة” عام 1922م تولى تحريرها.
وكان من الطبيعي أن ينضم محمد حسين هيكل إلى الحزب الأحرار وأن يتولى تحرير جريدته لأن أستاذه لطفي سيد الذي كان يحرر صحيفة ” الجريدة” ثم انضم معه في رئاسة التحرير زميله طه حسين عندما رجع من باريس. فنهضا معا بتحرير صحيفة الأحرار الدستورين. غلبت على طه حسين النزعة الأدبية في كتاباته كما غلبت على صاحبنا محمد حسين هيكل النزعة السياسية ولكن لم يقصر هيكل نفسه على السياسة فحسب بل بدأ يكتب مع صديقه طه حسين فصولا في الأدب والنقد. وجمع طائفة من هذه الفصول ونشرها باسم “أوقات الفراغ”عام 1925م. ولكثرة شغفه بالسياسة ترك هيكل المحاماة وانغمس في غمار الحياة الصحافية والسياسية. وتمتد هذه المرحلة السياسية والصحافية من سنة 1922م إلى 1937م. وفي عام 1937م انتقل من السياسة إلى الخدمة الحكومية فاختير وزيرا للدولة ثم وزيرا للمعارف. وما زال يتولى هذه الوزارات من حين إلى حين حتى عين في سنة 1945م رئيسا لمجلس الشيوخ. وظل في هذه الرئاسة على سنة 1950م. قضى اكثر من اسنتي عشرى سنة بين الوزارة والرئاسة ولكنه احتفظ ميوله الأدبية وأخيرا ترك الوزارة والرئاسة وكرس حياته للأدب فعكف على دراسة التاريخ الإسلامي. فأصدر سلسة من الكتب في الموضوعات الإسلامية ومنها “حياة محمد” وهو من المحاولات الرائدة لعرض السيرة النبوية بأسلوب علمي معاصر. رجع أخيرا إلى كتابة القصة والرواية وتابع بعد ذلك كتابة القصة القصيرة وبدأ ينشرها في الصحف والمجلات.
آثاره العلمية والأدبية
كتب هيكل في معظم الفنون النثرية وترك لنا المقالات والفصول في السياسة والأدب. ألف كتب التاريخ والسير والنقد والرحلات والقصص والرويات. ومن أهم مؤلفاته:
1- ” زينب” عام 1914م
2- جان جاك روسو” عام 1921م
3- ” أوقات الفراغ” عام 1925م
4- ” عشرة أيام في السودان” عام 1927م
5- ” تراجم مصرية وغربية” عام 1929م
6- ” ولدي” عام 1931م
7- ” ثورة في الأدب” عام 1933م
8- ” حياة محمد” عام 1935م
9- ” في منزل الوحي” عام 1937م
10- ” الصديق ابو بكر” عام 1943م
11- ” الفاروق عمر” عام 1946م
12- مذكرات في السياسة المصرية” عام 1951م
13- ” هكذا خلقت” عام 1955م
محمد حسين هيكل ودوره الريادي في الرواية العربية:
كانت الرواية العربية قبل الحرب العالمية الأولى على حالة من التشويش والبعد عن القواعد الفنية. وكانت أقرب ما يكون إلى التعريب والإقتباس حتى ظهور رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل عام 1914م التي اتفق النقادة على أنها بداية الروايات من حيث الفن والمضمون والتي عالجت الريف المصري. وعلى الرغم من أن رواية “زينب” ليست أول رواية في الأدب الروائي العربي عموما والمصري خصوصا، فقد سبقها عدد لا بأس به من الروايات مثل رواية “علم الدين” لعلي مبارك، و”تخليص الابريز في تلخيص باريز” للطهطاوي، و”حديث عيسى بن هشام” للمويلحي وروايات جورجي زيدان عن تاريخ الإسلام، أو رواية “الدين والعلم والمال” لفرح أنطون وغيرها كثير، نقول على الرغم من ذلك فإن رواية “زينب” تحتل أهمية خاصة بين كل هذه الانتاجات الأدبية. يقول يحي حقيفي هذا الصدد: “إن مكانة رواية زينب لا ترجع فحسب إلى أنها أول القصص في أدبنا الحديث، بل إنها لا تزال إلى اليوم أفضل القصص في وصف الريف وصفا مستوعبا شاملا.
رواية زينب:
يكاد يتفق دارسو الأدب العربي على أن رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل هي الرواية الفنية التأسيسية في الأدب العربي. تبدأ الرواية بوصف الطبيعة. فوصف هيكل زينب بطلة الرواية وهي تهتم بالنهوض حيث قد تزوجت وانتقلت من بيت أبيها إلى بيت زوجها حسن. تدور أحداث رواية زينب في الريف المصري، واختيار المؤلف للريف كان له مغزاه، وذلك لما يمثله من أصالة الشخصية المصرية. تمثل “زينب” الشخصية المحورية في الرواية، إذ تبدأ الرواية بها وتنتهي على موتها. ونظرا لذلك قد سميت الرواية “زينب”. وفي الحقيقة أن “زينب” هي البطلة الرئيسية، والأحداث التي تدور في الرواية تتعلق بها. هذه هي الفتاة المصرية التي يتم زواجها لحسن ولكنها لم تقتنع بها الزواج. فقد أحبت شخصا آخر من أصدقاء زوجه، وهو إبراهيم الذي غادرها لأداء الخدمة الوطنية العسكرية. وهناك حديث في الرواية عن حامد الذي أحب أبنة عمه ولكنه لم يظفر بها كما يظفر بزينب. أما بطلة الرواية “زينب” فإنها مرضت بمرض السل وفي نهاية الرواية ماتت. فرواية زينب هي تذكار لمناظر الريف في مصر وحديث عن عاداتها وتقاليدها. عندما كان محمد حسين هيكل في فرنسا، يستبد به الحنين إلى وطنه الحبيب. وهو كان مغتربا مصريا كانت روحه تصهر لمصر وتضيئ قلبه وجسده من فرط حبه لوطنه. فكلما رأى منظرا جميلا ذكره بوطنه، وراح يصف منظرا يصوره في خياله.
تدور أحداث الرواية حول زينب بطلة الرواية وهي فلاحة في ربيع عمرها تحب ابراهيم ولكن تشاء الأقدار أن يوافق والدها على تزويجها إلى حسن وهو أعز صديق لحبيبها ومن خلال حياة البطلة زينب المأساوية، أظهر لنا الكاتب صعوبة عيش أهل الريف إبان الإستعمار والجهل والظلم اللذان عايشتهما زينب بتزويجها دون رضاها. الكاتب هو الراوي في هذه الرواية فهو يحكي قصة زينب ولا يتكلم بلسانها. تظل زينب الرواية الرائدة تصور الشخصية البسيطة وصراع الحب داخل المجتمع الذي يعاني من سوء الاوضاع الاجتماعية. حاول هيكل أن بقدم قصة حامد للتعبير عن قلقه وضياعه ونبعث مأساة حامد حيثما نبعث مأساة “زينب” وسرعان ما انفصل باقتران زينب من حسن. ولكن زينب ملكت الشاب زمام قلبها كان على شاكلتها. ولكن قد حالت القتاليد البالية بينه وبينها وهي ما استطاعت أن تظهر حبها تجاه إبراهيم امام لافراد الأسرة. وحينما قاله لها إبراهيم “أنا أحبك” فقامت الدنيا وقعدت بالنسبة لها وتحول الكون إلى عرس كبير. يقول هيكل: ” كلما في الأرض والسماء من سعادة لا يبلغ ذرة مما يفيد عنها هاته الساعة عنة القمر والموجودات كلها في عرس كبير وذلك النسيم العذب الساري في الجو يحمل معه الهناء. تشتغل المرأة مساحة واسعة في قصصه ورواياته. أما تركيب القصة وشخصياتها فهي عبارة عن رموز وأفكار أكثر من شخصيات قصة تبدأ فكرتها من إحساسه بالظلم والقهر ثم الشعور بالثورة والرفض للواقع والتمرد عليه على نتيجة للتطور السائد ثم انتهاء بإثبات دورها الاجتماعي في المجتمع لأنها تتكون في بناء نصف المجتمع الإنساني.
الريف في رواية زينب:
إن الحديث عن الريف هو حديث متصل بالحياة المصرية التي شهدت تغيرات وتحولات جذرية عبر محطات تاريخية طويلة. اكتسبت العناية بالريف والحياة الريفية مكانة هامة في المنجز الروائ المصري منذ فترة الاحتلال، حيث حفزت حيوية موضوع الفلاح وقضية المراة للأدباء إلى تقديم عطاء يستوعب الحياة الريفية بكل أبعادها الاجتماعية والسياسية والإنسانية. هذه الرواية زينب عادات الريف المصري وبساطة أهله ومحاسن حياتهم ومساويها وما عليها من اعتقادات. نقلها المؤلف يعيون دقيقة ونراه أن له موقفا لينقد نقائصها ومفاسدها وما على نظام اجتماعي في الريف المصري وخاصة ذكر مسألة الزواج وقضية المرأة المصرية ليس لها حق في اختيار قرينها وشريك حياتها. أظهر لنا محمد حسين هيكل صعوبة عيش أهل الريف إبان الإستعمار والجهل والظلم اللذان عايشتهما زينب بتزويجها دون رضاها. الكاتب هو الراوي في هذه الرواية فهو يحكي قصة زينب ولا يتكلم بلسانها. تظل زينب الرواية الرائدة تصور الشخصية البسيطة وصراع الحب داخل المجتمع الذي يعاني من سوء الأوضاع الاجتماعية. عمد فيها هيكل إلى وصف حياة الريف والفلاحين بصورة لم يسبقه فيها أحد من المصريين. لم يفسح هيكل لنفسه في تصوير الشخصيات الجانبية وطبعها. ولم تتسع خبرته بالحياة وتجاربها العميقة وإنما عوضه بأصوفه الغنية للطيعة الريفية في مصر. رأى هيكل أن الأدب رسالة، لها قيمة وتأثير على أذهان الناس. فدعا إلى الأدب الذي يقتحم الحياة حرا طليقا، لأن الأدب عند هو الأدب الذي له صلة وثيقة بالحياة والإنسان. يبعث الأدب في حياة الإنسان نورا كما يجب على الأدب أن يقوم على أساسه حضارة سليمة يقود الإنسان والإنسانية إلى المجد والسعادة. قد أفرغ هيكل وصف المجتمع المصري في قالب جميل ليستهوى النفس ويصقل العقل. تناول هيكل في روايته زينب مسائل المجتمع المصري وقضايا الفلاحين والعمال الكادحين ومشاكل الطبقة العامية والوسطى كما أشار إلى بعض أمراض المجتمع والفساد الخلقي والاعتقادات القديمة وعلاقات الرجل بالمرأة غير الشرعية، ثم عالج المشكلة التي يعانيها الفلاح المصري من الآلام والمصائب الاجتماعية. فالرواية من هذا اللون من القصص الاجتماعي هي التي تحدث فيها هيكل عن تجارب شخصية واصطبغ أحيانا بصبغة عاطفية. تعالج رواية “زينب” قضية العلاقة بين اللرجل والمرأة. دعا الكاتب من خلال وصية زينب إلى ترك الحرية للشباب. والعلاقة بين المرأة والرجل بهذه الكيفية يعد جرأة كبيرة من الكاتب. إن معالجة هذا الموضوع الاجتماعي العاطفي كان ضمن الريف بمناظره الطبيعية والاجتماعية المختلفة. يصف الكاتب حياة الفلاحيين ويصور أفراحهم وأحزانهم كما يصف الطبيعة الجميلة في الليل والنهار ويصور البيوت والمساجد والحقول ولكن في وصف الريف لا ينسجم في معظم الأحيان بين الحديث والطبيعة.
استنتاج البحث:
كان محمد حسين هيكل من السابقين الذين نقلوا الثقافة الغربية إلى العربية. هو أول من قدم إلى الأدب العربي الحديث الرواية الفنية، بدأ حياته االأدبية والفكرية متأثرا بالحضارة الغربية وأفكارها ونزعاتها الوطنية إلى النهضة اثناء إقامته في فرنسا كطالب حيث كتب أول روايته “زينب”. إذ تعتبر رواية “زينب” الرواية التأسيسية في الأدب العربي الحديث. وعلى الرغم من أن رواية “زينب” ليست أول رواية في الأدب الروائي العربي عموما والمصري خصوصا، فقد سبقها عدد لا بأس به من الروايات مثل رواية “علم الدين” لعلي مبارك، و”تخليص الابريز في تلخيص باريز” للطهطاوي، و”حديث عيسى بن هشام” للمويلحي وروايات جورجي زيدان عن تاريخ الإسلام، ورواية “الدين والعلم والمال”لفرح أنطون وغيرها الكثير، وعلى الرغم من ذلك فإن رواية “زينب” تحتل أهمية خاصة بين كل هذه الانتاجات الأدبية لعدة أسباب ومنها تناول محمد حسين هيكل لأول مرة الريف المصري وصور حياة الفلاحيين ويصور أفراحهم وأحزانهم بمناظره الطبيعية والاجتماعية المختلفة./المصدر /المثقف

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي
جامعة عالية ،كولكاتا -الهند

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى