اليوم الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 10:42 صباحًا

 

 

أضيف في : الأربعاء 15 مايو 2019 - 5:34 صباحًا

 

الإسلام وموقفه من التسامح

الإسلام وموقفه من التسامح
قراءة بتاريخ 15 مايو, 2019

التسامح من الصفات النبيلة التي تعزز الترابط بين أفراد المجتمع وتساعد على نشر المحبة بين الناس، ينعكس أثره على حياة الفرد والمجتمع ويبرز من خلاله العديد من الدلالات التي تلامس قلوب البشر فينغرس فيها الاحترام والمودة،والتّسامح شّعور بالرّحمة، والتّعاطف، والحنان. ولا يكتفي الإسلام بتعليم أتباعه مبدأ التسامح الشامل بوصفه شرطا من شروط السلام الضروري للمجتمع الإنساني، بل يطلب منهم أيضا الالتزام بالسلوك العادل الذي لا يقبل بالآخر فحسب، بل يحترم ثقافته وعقيدته وخصوصياته الحضارية.
التسامح هو الوسيلة الناجحة التي تيسّر قيام السلام وتسهم في إحلال ثقافة السلام في المجتمع وينتج قيمة أخلاقية أساسية في التعايش السلمي مع الاحترام المتبادل. التسامح يحمل في طياته اللين والرفق، فأول ما جاء به الإسلام هو عدم إجبار الآخرين على اعتناق الدين الإسلامي إلا بالرفق واللين والدليل على ذلك ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى : ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، وهذا ما دفع الكثيرين لاعتناقه في بداية الدعوة.
إنّ الإسلام يدعو إلى العفو والتسامح، ومن الأدلة على خلق التسامح عندما تعرض الرسول الكريم صلوات الله والتسليم ومن آمن معه إلى جميع أنواع العذاب لسنوات كثيرة بسبب إيمانهم وإسلامهم ، ثم شاء الله سبحانه وتعالى أن يرفع راية المسلمين، وكان الفتح الأول للمسلمين، فقد دخلوا مكة فاتحين، فوقف النبي صلى الله عليه وسلمعلى رؤوس صناديد كفّار قريش وزعمائها وقال: “ماذا تظنون أنّي فاعل بكم”؟ قالوا: “أخٌ كريم وابن أخ كريم”، فقال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم: “اذهبوا فأنتم الطّلقاء”، قالها بلسان متسامح، ثم أنّه قد أسس الدولة الإسلامية على أسس من التسامح والتعاون.
وقد أولى الإسلام قيمة التسامح مكانة هامة، وأعطى نبيه صلى الله عليه وسلم من خلال سيرته العطرة أمثلة تطبيقية عملية في ممارسة هذه القيمة، وظلَّت تلك القيمة سمة من سمات حضارة الإسلام وقت ازدهارها. وإن موقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع مختلف الأنماط والتيارات البشرية بمختلف طبائعهم وعقولهم وعقائدهم. لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من طبق التسامح في حياته، فها هو عليه الصلاة والسلام قد عفا عن أهل الطائف الذين آذوه وضربوه وطردوه من ديارهم ولم يدع عليهم، وكذلك عفا عن أهل مكة عندما فتحها وقال لهم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء” على الرغم من أذيتهم له وأصحابه وطرده من بلده وأقربائه وأحب الأماكن على قلبه. شجع الدين على العفو عن المسيء عند المقدرة ومسامحته لله تعالى وجعلها من أنبل الأخلاق التي قد يتصف بها المسلم، على الرغم من جواز رد الإساءة بالمثل لأخذ الحق ولكن جعل الخلق السامي هو التسامح.
قد حرص الإسلام كل الحرص على تأكيد مبدأ التسامح بين أتباع الأديان المختلفة بجعله عنصرا جوهريا من عناصر عقيدة المسلمين في الأديان السماوية، وكل هذه في نظر الإسلام حلقات متصلة لرسالة واحدة جاء بها الأنياء والرسل من عند الله على مدى الشان الإنساني. فإن أصول الإيمان في الإسلام الإيمان بجميع الأنبياء والرسل ماأنزل عليهم وحي إلهي. وفي هذا يقول القرآن الكريم: ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله ﴾ ( البقرة:285)
فقد أقر الإسلام منذ البداية التعددية الدينية والثقافية، وصارت هذه التعددية من العلامات البارزة في التعاليم الإسلامية. فقد تأسس مجتمع المدينة المنورة على التعددية الدينية والثقافية، ومارس المسلمون ذلك عمليا على مدى تاريخهم الطويل، ويؤكد ذلك ما يعرفه التاريخ من أن المسلمين لم يكرهوا أو يرغموا أحدا على اتباع الإسلام، فالحرية الدينية مكفولة للجميع، وتعد مبدأ من المبادئ الإسلامية الذي أكده القرآن الكريم في قوله:﴿ لا إكراه في الدين﴾ (البقرة: 256) وفي قوله تعالى: ﴿فمن شاء فاليؤمن، ومن شاء فليكفر﴾ ( الكهف:29)
لقد شرع الإسلام ضوابط التسامح ومنطلقاته الفكرية التي تجسد معاني الإنسانية، إذ تحقق الوجود الفاعل للإنسان وسبل التفاعل بين الناس مع اختلاف أفكارهم وتباين اتجاهاتهم ورغباتهم، ثم اكتشف الإسلام القيم المشتركة العابرة للحدود رغم اختلافات الدين والثقافات لإقامة مجتمعات إنسانية متعاونة ومتفاعلة تسود قيم الخير بين الناس.
ومن مبادئ الإسلام السامية التسامح الذي تدعو إليه نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة. وهذه السماحة تتسع لمجالات الحياة المختلفة، لذلك فإن الإسلام، وإن لا يعترف بحقية الدين الآخر، فالدين عند الله هو الإسلام، في مقابلة لا يتعرف بالحقد الديني، وإنما يقرر قواعد في هذا الباب، منها قوله تعالى: ﴿ لا اكراه في الدين﴾( البقرة: 256) وقوله تعالى: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ (الكافرون:6)
إن الإسلام دين عالمي يتجه برسالته إلى البشرية كلها، وهذه الرسالة التي تأمر بالعدل وتنهى عن الظلم وتُرسي دعائم السلام في الأرض، وهذه الرسالة تدعو إلى التعايش الإيجابي بين البشر جميعاً في جو من الإخاء والتسامح بين كل الناس بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم. فنحن نحتاج إلى التسامح حتى يتلاشى الإرهاب والتخريب والعنف بين مختلف الشعوب لتحقيق الأمن والسلام.

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي
الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة عالية ،كولكاتا -الهند
‏merajjn@gmail.com