اليوم الخميس 5 ديسمبر 2019 - 2:56 مساءً

 

 

أضيف في : الأحد 26 مايو 2019 - 2:56 مساءً

 

“في مخيلتي يمكن أن يكون الزجل صورة لمجتمعه وهذه صورة من ديوان حبيق الموت للزجال عبد المجيد الباهيلي”

“في مخيلتي يمكن أن يكون الزجل صورة لمجتمعه وهذه صورة من ديوان حبيق الموت للزجال عبد المجيد الباهيلي”
قراءة بتاريخ 26 مايو, 2019

“في مخيلتي يمكن أن يكون الزجل صورة لمجتمعه وهذه صورة من ديوان حبيق الموت للزجال عبد المجيد الباهيلي”

” إن الموت هوتحرر النفس من الجسد؛ هذه النفس الخالدة الأبدية حتى بعد الموت توجد من جديد، فهي شبيهة بالآلهة الخالدة” “أفلاطون”

كنت دائما أتسائل.ما هو الزجل ؟ كيف يمكن أن نستفيد منه ؟ ولعل في السؤال جواب مدام الزجل تعبيرعن”جود الخاطر”بلغة الزجل، وصورة تحضر فيها ذات الزجال في لحظات صراخ غالبا ما تكون دلالة على الواقع، يسائل فيها الزجال من خلال علاقة حميمة مع الذات “طابوهات”المجتمع ويضع من خلالها أسئلة لا تحضرنا جميعا.

ذلك ما فعله الزجال المغري الدكالي كما يحلو له أن يسمي نفسه’عبد المجيد الباهيلي في ديوانه حبيق الموت.
يضع الزجال في ديوانه سؤال الموت بين الروح و الجسد(الكسدة)، ويعانق في آهاته دلالة الروح الشرقية تحديدا، وجمال الموت رغمقبحه،. يفتح ديوانه قائلا “علامن عاري…؟؟الكسدة معلقة شهوة للنحيرة تمنيت ناري تحرقني قبل نجف فالمطيرة،يعافنيالمساري نكاسة فعين الشواري ونتصرف بقلم البسيطة…وكأن الزجال يسائل نفسه مستحضرا سؤال الروح وتوسلها، من خلال دلالة الكلمة (العار)، ولا أدري في حقيقة الأمر تحديدا حمولة الكلمة التي وظفها الزجال، لكن مدام الرجل داخل النسق، فالكلمة تحضر كدلالة على شكل اجتماعي (مجتمع العار)،ترجمة للمصطلح الانكليزي “shame sociey”

‘مجتمع يجرم كل سلوك مخالف لقيمه العامة ويعتبر مادون ذلك داخل حييز العار حفاظاعلى تماسكه، بمعنى ما هي إيديولوجية خاصة بمجتمع محدد تسود قيم العار
بالمجتمع كدلالة على اختراق طابوهاتها وأحيانا تأخذ الكلمة دلالة التعبير عن الظلم و الأذية، وهي الدلالة التي أفترض أن الزجال يستحضرها بأنين الروح وشكواها “علا من عاري”؟

في نفس الوقت يجسد الزجال العلاقة بين الروح و الجسد الفاني أو المستعد للفناء. والعلاقة بين الخطيئة أو الذنب و السبيل للتخلص منها، ويوظف دلالة النار وفعل الحرق كسبيل للخلاص، ليقفل قافية الدلالة بأمل الإنعتاق نحو الوجود و الخضوع للواقع في نفس الوقت.
في الصفحة 14من ديوانه و التي عنونها ‘وحش الموت’وتحديدا في نهاية الخاطرة إن صح التعبي، يستطرد قائلا’ وأنا عيت عدفت العز دليل التغراز
فملكي حواز اتشهيت عرسي ارحيل يريح العزاز نعي الروح…و الحقيقة أن ما أثار
انتباهي، هو سؤال المغزى من توظيف كلمتي العز و الذل في نفس الوقت، ليبرر من خلالها نظرة الأنا – وهو سؤال أخر من يسائل من؟هل الروح أم الجسد؟-للوضع الاجتماعي للإنسان المغربي على العموم، ودلالة المعنى تحيل على واقع غير مرغوب فيه وحالة اليأس التي تخبطت فيها الصفة التي لم يصرح بها الزجال، لكن أفترض أنها الروح.

يوظف أيضا شعوره بالحنين للرحيل كطقس العبور إلى الضفة الأخرى وهي اللحظة التي صورها لآخر سطر(نعي الروح)؟

لم يكن للزجال سبيل للتغيير رغم أنه كان يترجاه من أول ولادة في الكتابة، فتخيله الواضح وحنينه للعبور إلى ضفة يجد فيها أجوبة عن تساؤلاته المشروعة، أو على الأقل يتحقق له سبيل للخلاص من مأساته و العيش في سلام، ألم تكن هذه هي صورة المتخيل الشعبي لذى المجتمعات الشرقية على الخصوص ألا ننظر دوما للموت على أنه خلاص ونعتبر حفل الجنازة طقس للعبور للخلاص و للخلود الأبدي؟
إن الزجال يعبر لنا على صورة الذات المجهولة نحو الموت.
إن ما أثار انتباهي أيضا أن الزجال يخص أبياته بتأريخ لحظي للكتابة، لكن هذا البيت تحديدا وظف فيه دلالة الفجر، فهل هي حقا دلالة للزمن فقط؟ ألا نتصور جميعا أن الروح يحضرها السؤال عند نهاية الليل ؟ أم أن تصوره انعكس في اللحظة بفجر جديد على الروح التي جاءها اليقين وهو الشيء الذي يجد له صلة في تمثلاتنا أن لحظة الفجر تتجدد فيها صلة الرابط مع العالم الآخر.

ليكتمل الحدث(حدث الموت)وطقس العبور لابد للأركان أن تكتمل، وبعد أن كان الزجال يتحدث عن الروح وحيرتها ومآسيها يوظف كلمة الكفن، و في الحقيقة هي ليست كلمة بدلالة تلحق بثوب أبيض مرتبط بمقياس محدد كآخر ثوب يرتديه الجسد في طريق الفناء.

يستطرد قائلا في الصفحة
64من ديوانه ‘اغزيل الكفن’
غلبني ضعفي
عزلني للهم عنوان،نغزل كفني’

بعد أن عاشت الروح لحظات التيه و المعاناة يحضر الأنا بدلالة الكفن كركن من أركان العبور للضفة الأخرى و الغريب أن الروح تعلن رغبتها في الرحيل (نغزل كفني)بدعوى الضعف و الهم الذي تملكها.
لم يكن لروح الزجال سبيل للخلاص من معاناتها غير أن حكمت على الجسد بالفناء وأرغمته على الرحيل، لكن السؤال الأساسي هنا يستحضر العلاقة بين الروح و الجسد وهي نظرة الخطيئة أو الذنب التي وظفها الزجال في بداية ديوانه، فإذا كانت خطيئة الهم و الضعف ترتكبها الروح

لمذا يدفع الجسد تذكرة الرحيل؟

في الصفحة 66التي عنونها زجالنا”
بمراية الموت”،يدخل الحرف حيز الاستعارة’البلاد تتوحم ع للما الفلاح مجرد محراتو عينو
للسما” أم تكن هذه دلالة على مراد الروح في الرحيل والذي لم يتحقق بعد؟

فأكن دلالة الماء موت بعدما كانت حياة ودخلت الروح حيز الدلالة فألحق بها الزجال صفة البلاد، وكأن الاستعداد للرحيل في دلالة الكفن حضر هنا أيضا (مجرد محراتو)استعداد الجسد للرحيل يواصل الزجال في وصفه للحالة قائلا’الصبر منصب الحكمة الشمتة تبعاتو تلقط خز الساكت…الفرحة سدت الباب الحزان شرعاتو المحبة كحلت بالعمى تلفت للقلب على دقاتو ،وكأن الأنا يعيش حالة
الحيرة من جديد بين الخضوع للبسيطة (توظيف سابق) الذي عبر عنه من جديد من خلال مفهوم الصبر ومعنى الحكمة في نفس الوقت، و الدخول في حالة العتاب عن الرضى للواقع.

مرة أخرى ألا يمكن أن نجد لهذى الحدث وجود فينا؟ ألا تحضرنا أفكار الرضى بالواقع و الصبر و الخضوع للقدر؟ وثارة أخرى يحضرنا التمرد عن كل أشكال البؤس و الرغبة في التغيير؟
يحكينا الزجال اللحظة عن الفرحة الي غادرته، ودخوله لعالم الحزن لكنه في نفس الوقت ويصرح لنا بسر عميق ويحيلناعلى سؤال الحب أو المحبة التي تملكته حتى أنها أتلفت أوراقه ‘تلفت القلب على دقاتو…

حظرتني لحظة الكتابة و التطفل على فن التأويل واقعة كنت قد قرأت عنها وتخص الفيلسوف س”انسيمون” حينما كان يحتضر وسأله أحد تلامذته قائلا ما بك يا أستاذ؟ فقال إني أموت، فكرر السؤال وما الموت يا أستاذ ؟ فلم يستطع “سانسيمون” أن يقدم جوابا لتلميذه..

إن سؤال الموت يحضرنا جميعا في لحظة من اللحظات، ويطرح أمامنا مسألة الوجود ويسائل حقيقة الذات وجوهرها لكن هل نستطيع أن نقدم لأنفسنا أجوبة صريحة؟

ولأني اللحظة معجب بشجاعة زجالنا ومعجب أكثر بقدرته في تصوير سؤال الروح و الجسد مع الموتّ، وبقدرته على جلد روحه وإرغامها على الإجابة..:

إن هذه المحاولة لايمكن أن أًصفها بقراءة في ديوان ‘حبيق الموت’ مادامت قدرتي لم تتعدى تحليل سطحي لبضع أسطر من الديوان، لكنها محاولة استنباط دلالات وتمثلات اتجاه ظاهرة الموت، معتبرا بشكل ضمني أن صورة
الزجال للموت يمكن أن تمثل روح المجتمع وأعتبر اللحظة أن أسئلة التي طرحها الزجال بكل جرأة، يطرحها كل إنسان بطريقته الخاصة لذلك يمكن القول:

.أن الزجل يمكن أن يكون صورة على المجتمع في سياقه

المهدي بسطيلي
الجديدة في 25-01-2019